سبقوني إلى الصف الأول.. ما العمل؟
بقلم: ابراهيم أخساي
يعاودني نفس السؤال في بداية كل شهر رمضان، فما إن أتناول وجبة الفطور وأرتاح للحظات، حتى أدلف من باب البيت متثاقل الخطى، متجها إلى مسجد الحي.. فما أصل إليه، ويستقبلني بابه بنظافته الأخاذة، وأبوابه الخشبية العالية، حتى يفاجئني مشهد المنتظرين للصلاة وقد انتظموا في الصف الأول كجواهر ثمينة، ليرتد هذا المشهد إلى نفسي، ويسائلني بنوع من التأنيب، ها هم قد سبقوك بخطوة، أما أنت فمنعك الارتخاء بعد ملأ المعدة بما لذ وطاب فتأخرت خطوة.
كلمة سبقوني، ترن في داخلي وهي تذكرني بقوله تعالى:“سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله” [الحديد20]. استمعت للأمر الرباني، الذي تسرب إلى قلبي ليستنهض همتي للمسابقة إلى الصف الأول.. نداء يدعو للاقتحام، والجاهزية للسبق، والتجرد من الأثقال التي تجر الانسان إلى الأرض، وخاصة في شهر الخير والبركة، شهر رمضان. دخلت المسجد مقدما رجلي اليمنى، وأنعشتني رائحة البخور التي تستقبل المصلين عند الأبواب، ممسكة بيدي، وتقودني إلى حيث وقفت لأداء ركعتي تحية المسجد، صليت الركعتين، وتسمرت في مكاني في الصف الثاني، أما الأول فقد امتلأ عن آخره. جلت بناظري في بناء المسجد وزخرفته التقليدية الخضراء، وسماكة أسطواناته التي تمتد عالية لتمسك السقف أن يطير في السماء، ويزداد جمال المسجد بالإضاءة المنبعثة من جميع الزوايا منها الخافت ومنها الوهاج. وفي انتظار صلاة العشاء، تقدم الإمام لإلقاء درس خاص بمناسبة رمضان، يعظ فيه المصلين، ويذكرهم بمواضيع شتى، بأسلوب ممتع وبسيط بعيد عن التكلف والتعقيد، وهي عادة درج عليها في كل رمضان. استمعت إليه فإذا به يتحدث عن أحد الرجال الصالحين من سلفنا الصالح، وهو “الفضيل بن عياض” وأثار انتباهي ما كان سببا لتوبته بعد أن كان قاطع طريق، وهو أنه كان يتسلل لأحد البيوت وسمع أحدا في الدار يتلو قوله تعالى:“ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق”[الحديد15]، فاعتبر بما سمع، وتحركت بواعث الخير المنغرسة في أعماق نفسه بعد أن طمرها بعلوه وظلمه وإجرامه، شيء ما انبعث في قلبه، يؤنبه، قائلا: أما آن لك يا فضيل أن تتوب وترجع إلى الله وتغادر طريق الشر والإجرام؟ كانت تلك الآية الكريمة جرس تنبيه صك أذني ضميره وقلبه لينتبه إلى حاله، ويتراجع عن فعاله القبيحة، وليسلك طريق الصلاح حتى غدا علما فيه، ومنارة توجه الحائرين إلى الخير والصلاح.
بعد التأمل خلصت إلى أن هذه الآية الكريمة، تضع أصبعها على مكمن الداء من الانسان، وعلى جوهر الصلاح فيه أيضا، إنه القلب. وضعت يدي على صدري أتحسس دقات قلبي، وهمست في داخلي بصوت خافت كأنه آت من بعيد، تحمله النسائم، أما آن لهذا القلب أن يخشع؟ ويستجيب لنداء المولى، ويزاحم الصالحين على الصف الأول؟.. صوت إقامة الصلاة أوقف حبل أفكاري، وأخذت مكاني إلى جانب المصلين وعين همتي مثبتة على الصف الأول، وما أجمله من صف.
في طريق العودة للبيت، تذكرت كلمة قرأتها عن هذه الآية، وبمجرد وصولي، حملت الكتاب، وقلبت الصفحات بسرعة كأن ريحا هبت عليه تطير أوراقه الواحدة تلو الأخرى.. هاهي ذي الصفحة، تزينها الآية بخط بارز، ثم قرأت مايلي:(“ألم يأن” هذه الكلمة حث، وإطماع، وجدال، وحجة وهي في الآية تصرح أن خشوع القلب الذي تلك صفته هو كمال للإيمان، وأن وقت هذا الخشوع هو كمال العمر، وكيف يعرف المؤمن أنه (سيأني) له أن يعيش ساعة أو ما دونها ؟ إذن فالكلمة صارحة تقول: الآن الآن قبل ألا يكون آن. أي البذار البذار ما دمت في نفس من العمر؛ فإن لحظة بعد (الآن) لا يضمنها الحي. وإذا فني وقت الإنسان انتهى زمن عمله فبقي الأبد كله على ما هو، ومعنى هذا أن الأبد للمؤمن الذي يدرك الحقيقة، وإن هو إلا اللحظة الراهنة من عمره التي هي (الآن). فانظر – ويحك – وقد جعل الأبد في يدك، انظر كيف تصنع به؟)[1]
أنهيت القراءة، وأغلقت الكتاب بهدوء، واضعا إياه في الرف إلى جانب الكتب التي تصطف عن يمينه وشماله، وبقيت كلمة “الآن” تتردد في أرجاء المكان كرائحة بخور المسجد. بل تتراقص أمامي كعقرب الساعة الذي يعد الثواني، وفي كل رنة أسمع كلمة “الآن”، وقفزت إلى ذهني ساعة المسجد المثبتة فوق المحراب وعقاربها تتسابق مع قرص الشمس الذي يجري لأجل مسمى في حركة دائبة لا تعرف الكلل والتعب.. تلك الكلمة “الآن” خلتها في أول الأمر قادمة من الخارج، لكنها في الحقيقة منبعثة من داخلي، تدعوني للانطلاق دون انتظار في التسابق نحو مقدمة الصفوف..
عقدت العزم على أخذ مكاني في الصف الأول عند كل صلاة، يحفزني على ذلك التنافس مع المؤمنين ومسابقتهم لذلك الخير، والوقوف بين يدي الله تعالى خلف الإمام مباشرة.. فرمضان زمن مبارك للتنافس على الخير والعبادة، كما يقول عبد القادر الجيلاني رحمه الله:“اغتنموا باب الحياة مادام مفتوحا عن قريب يغلق، اغتنموا أفعال الخير ما دمتم قادرين عليها، اغتنموا باب مزاحمة إخوانكم الصالحين فهو مفتوح لكم”[2]. وهكذا تتوالى الحوافز من كل جانب، تدفعني دفعا لأغتنم الخير في هذا الشهر مادام مفتوحا.. ومن الخير مزاحمة اخواني في التبكير للمسجد، وأخذ المكان في مقدمة الصفوف.
وأنا أدرع الغرفة بخطى ثابتة، تذكرت كلمة لأحد الصالحين فبحثت عنها مجددا فإذا هي للحسن البصري رحمه الله يقول فيها: (إن الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون.. ثم بكى رحمه الله). لم أشغل نفسي بالبحث عن مصدر القولة، فتوثيقها بإرجاعها لمصدرها متروك لمن يعد بحثا، أما أنا فقد وثقتها، وبصمت بالخمس على صحتها، وذلك بإرجاعها إلي همتي وعزمتي على المسابقة للخير في هذا الشهر الكريم.. لقد صدق رحمه الله فرمضان مضمار سباق للوصول إلى ما عند الله من الأجر والثواب والمقام الأمين.
في اليوم الموالي، تناولت الفطور على عجل، وانطلقت للمسجد بوقار وهدوء، ووجدت الباب مفتوحا في وجهي، كأنه يبتسم لي ويرحب بي قائلا:“الآن.. الآن..”، جلست مكاني ممعنا النظر في رقاص الساعة الحائطية المتسارع كأنه يستجدي مكبر الصوت ليصيح في الناس:“البذار.. البذار.. “.
أخذت مكاني في الصف الأول، حامدا الله على توفيقه، ومستغلا الوقت الذي يفصلنا عن الصلاة في قراءة أورادي من القرآن الكريم والأذكار المسنونة، ومرة مرة أرفع بصري متأملا في الآية الكريمة المكتوبة على حائط المسجد فوق المحراب، بخط الثلث الجميل “إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخروأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين” [التوبة18].
وقبل خروج الإمام بلحظات، امتد بي التفكير في كلمة “سابقوا”.. لينفتح الباب على صفوف كثيرة تستحق المسابقة إليها، وكأن كل عمل، وكل خير، مسجد ينتظم الناس داخله على شكل صفوف.. الدعوة إلى الله لها صفوفها.. وللعلم النافع صفوف.. وللإصلاح صفوف.. ولإقامة العدل ونصرة الحق صفوف.. وللإحسان صفوف.. وكلها صفوف تستحث المسلمين للتسابق لتقدمها وأخذ مكانة الصدارة فيها. فكرت في ذلك وطلبت الله التوفيق لي وللمسلمين للتسابق لتلك الصفوف الآن، الآن مادام باب الحياة مفتوحا.
[1] مصطفى صادق الرافعي، وحي القلم، ط2005، جزء1،ص217.
[2] عبدالقادر الجيلاني، الفتح الرباني، منشورات الجمل، ط2007،ص25.