الفن … دور أم مهمة أم رسالة؟ (الجزء الأول)
فن المسرح
محمد الخطيب
مدخل: الفن … المتلقي
الموجة الأولى للربيع العربي وما نتج عنها من تغييرات فكرية وإيديولوجية وثقافية وفنية وسياسية خصوصا، وطوفان الأقصى المبارك الذي أحيى في قلوب الملايين من جميع الأجناس والأعراق والديانات ليس التعاطف وحسب بل الاندماج الكلي وبدون شروط وكل حسب مقدوره، فمن المواجهة المسلحة بين المقاومين وجنود الكيان، إلى مسيرات لم تتوقف عبر جميع المعمور، منددة بما يقوم به الصهاينة تجاه أهالينا في فلسطين وخصوصا غزة الجريحة التي لم يتوقف نزيفها بعد.
ومن جانب آخر رجال السياسة، والمحللين الاستراتيجيين، وخبراء الاقتصاد، وأهل الفكر وأهل الثقافة، والمنظمات بكل ألوانها، وعلماء الفقه والشريعة. بينهم، يحضر الفنان -المستهدف في هذا الموضوع- بكل قوة لينقل لنا معاناة أهل غزة عبر: الشعر، والأغنية، والرواية، واللوحة التشكيلية، والعرض المسرحي، واللوحات الحية والمباشرة التي تعرض أمام المشاركين في الوقفات والمسيرات المناصرة لأهل غزة العزة.
فلا يلزم للمشهد التعبيري، إلا دقائق معدودة حتى تصل الصورة المأساوية بكل تجلياتها إلى المشارك الذي لا يملك سوى التفاعل الإيجابي مع الحدث، وبذلك يؤدي الفنان رسالته إبداعيا.
لست بصدد البحث عن مفاهيم لغوية أو تركيبية لمصطلح الفن، وإنما سأدرج بعض التعاريف المتفق عليها وذلك من أجل طرح وجهة نظري المتواضعة في الموضوع الذي أعتبره موضوعا لم يُعط حقه من جميع الجوانب.
التعريف المتعارف عليه ينص بأن الفن عبارة عن مجموعة متنوعة من الأنشطة البشرية في إنشاء أعمال بصرية أو سمعية أو أداء (حركية)، للتعبير عن أفكار المؤلف الإبداعية أو المفاهيمية أو المهارة الفنية، والمقصود أن يكون موضع تقدير لجمالها أو قوتها العاطفية، ويشمل مجموعة واسعة من الممارسات عبر الثقافات والتاريخ مثل الرسم والنحت والموسيقى والأدب والمسرح. ولا يوجد تعريف واحد شامل للفن، فهو يتغير مع تطور المجتمعات والأفكار، ويعتمد على المهارة والإبداع والمخيلة الواسعة.
بهذا التعريف الجامع يمكننا الجزم بأن الفن ليس حكرا على أحد، وإنما هو مرتبط بالشخص الذي رزق هذه الملكة التي يعبر من خلالها عن مواقفه مما يدور حوله سواء على المستوى المحلي أو الكوني، وألخصها في خمسة أسئلة تشكل عناوين لربما تفي بالغرض المطلوب.
- هل كل ما يقدم للجماهير يستحق أن نسميه فنا؟
- هل كل المحتويات الفنية التي تعرض ترقى إلى التعريف بقضايا الإنسانية وعلى رأسها أم القضايا، القضية الفلسطينية؟
- هل يمكننا اعتبار المنتوج الذي يعتمد على الإبهار منتوجا فنيا؟
- الفن الإسلامي أم الفنون الإسلامية؟
- الفن … دور أم مهمة؟
قبل الإجابة عن هذه التساؤلات علينا الإقرار بأن الفن هو ملكة موهوبة لشخص معين من دون مجموعة أخرى من الناس، فكل ميسر لما خلق له، ولكنه لا يعفى من المسؤولية والعمل بما جبل عليه، وتؤكده البحوث التي تؤثث رفوف المكتبات من تعاريف للفن، ومفاهيم الجمال الفني، والقيم الأخلاقية للفن والفنان، والنقد الفني …
فمن جهة تتجلى الملكة الموهوبة فطريا عبر الشعر، أو الغناء أو الكتابة السردية، أو الألوان التشكيلية، أو المسرح، أو التصوير، أو التعبير الجسدي، …
ومن جهة أخرى، كما أشرت أعلى، مسؤولية العمل بالذي جبل عليه الفنان، وذلك بالبحث والتنقيب الممنهج: فتارة يسمى تعريفا، وأخرى تأسيسا لنظرية فنية معينة، وبينهم الناقد الفني الذي بوعي أو غير وعي فهو قد يتعاطف مع هذا فيمدحه، والعكس صحيح (…)
فتبرز وبشكل واضح ثنائية، إن هي تناغمت، لتعطينا فنانا ولكن فنانا مبدعا، وهذه الثنائية هي تلائم الهبة الفطرية مع المكتسبات المعرفية، والتجارب الميدانية.
فهل كل من يتكلم في الفن فنان؟.