فن المسرح || الفن … دور أم مهمة أم رسالة؟ (الجزء الخامس)
محمد الخطيب
فن المسرح || الفن … دور أم مهمة أم رسالة؟ (الجزء الخامس)
بقلم: محمد الخطيب
الفن … دور أم مهمة أم رسالة؟
لن اتطرق إلى سياق الدلالات فلهذا المجال خبراؤه، ولكن في مجال الفن المسرحي تحضر الدلالات بقوة فلكل كلمة معنى وسياق ورمز أو رموز، فحسب تركيب الحوار تظهر معنى واضحة أو مركبة أو رمزية، ومن ضمن الكلمات التي استوقفتني بل فرضت علي لحظات تأمل فيها وتفكر، هما كلمة “دور”، وكلمة “مهمة”، وكلمة “رسالة”،وما هي دلالاتهم في فن المسرح.
حين نشير إلى “دور الفن” فإننا نضيق نطاقه في مجال محدد بدلا من أن يكون واسعا وغير محدد. أما “مهمة الفن” فتحيلنا هذه الكلمة إلى “الرسالة”، وبهذا فهي تتخطى نواحي أخلاقية ووجودية وتاريخية، لتصبح مشروع فني مهمته التعريف بقضايا عديدة وأولها قضايا الأمة.
لكل كلمة دلالتها، ولن أقوم بتفكيك المفاهيم (deconstruction)، ولكن سأحاول أن اعطي لكل كلمة سياقها الفني:
- الدور: عندما نقول دور الفن فإننا نحده في وظيفة معينة كالترفيه، التوعية، نقد ظاهرة من الظواهر المجتمعية، أو قضية من قضايا الأمة، فدوره يبقى مشروطا بالمناسبة، وبالمضمون، وبالظرف المكاني والزماني
- المهمة: المجال يتوسع اكثر ويصبح لفن المسرح البحث المعمق في المحيط من أجل توعية شمولية موجهة للمجتمع
- الرسالة: تتجاوز العرض المسرحي إلى فعل يحمل قيما أخلاقية ورؤية فنية تحمل بعدا جماليا نبويا على المستوى الثقافي والتاريخي
إذا أخلص إلى أن “الدور” يحيل على منطق الفعل، أما “المهمة” فهي منطق الغاية، و”الرسالة” منطق المعنى. وهذا الترقي من الفعل إلى الغاية ثم إلى المعنى يقربنا أكثر من جوهر فن المسرح وعمقه. إن فن المسرح تصبح هذه الفوارق اكثر وضوحا، لأن العرض المسرحي ليس نصا دراميا يشخصه ممثل ويؤثث فضائه سينوغراف بتوجيه من مخرج مسرحي محترف، إنه فضاء للتفكر، احينا المشاركة، فمثلا عند كتابة مشهد يعنى بقضية اجتماعية معينة، فالشخصية المعنية لا تؤدي “دورا” اجتماعيا وكفى، ولكنها تقدم “مهمة” فنية تعيد الاعتبار لكرامة الانسان، وفي نفس الوقت تبعث “رسالة” تحث على قيم إنسانية يحضر فيها المصير الأخروي والعدالة الاجتماعية.
امام الهيمنة الواضحة لسوق لعرض، هل يا ترى فن المسرح بغض النظر إلى دوره، قادر على بسط مهمته ورسالته وذلك بإعادة تعريف جديد؟
للجواب على هذا السؤال لا بد من الاعتراف بأن جل المصطلحات تحمل في طياتها مضامين وثقافة غربية متجذرة تاريخيا في الذاكرة الجمعية لديهم، وبالتالي يكون شبه مستحيل تداولها في تعريف الفن الإسلامي، إذا نحن أمام وضع يمكننا من خلاله القيام بإعادة استخدام تلك المصطلحات وتكييفها من أجل اكتشاف معاني جديدة لها أم المطلوب البحث وإيجاد مصطلحات تعبر فعلا عن ثقافتنا وتاريخنا ومعتقدنا تشمل بوضوح المهمة والرسالة الفنية لمشروعنا محليا وكونيا. فكيف لفننا المسرحي أن يشق طريقه بمفاهيم نروم من خلالها النهوض بهذا الفن دون أن نفقد هويتنا وذاتنا؟
اعتقد أن هناك ثلاث مسارات متداخلة للتفكر فيها:
- ترويض المصطلحات الأجنبية وتكييفها، بتفكيك المصطلح الأصلي وإعادة تدويره ليناسب رؤيتنا للفن المسرحي إسلاميا، ومثال على ذلك مصطلح “حرية” يعني الفردانية في المفهوم الغربي بينما في المفهوم الإسلامي فيعني التحرر من العبودية لغير الله ومهمة فننا المسرحي أن يرسخ هذا المفهوم كونيا ليصبح مقبولا من طرف الفكر الجمعي لباقي الثقافات.
- البحث الجاد من أجل ابتكار مصطلحات من صلب ثقافتنا وتاريخنا ومعتقدنا، وبذلك سنخوض غمار السوق المهيمنة من خلال الفعل والإبداع بدل رد الفعل والتلقي، فنستنبط المصطلحات من لغة القرآن، والتاريخ، والتراث، والفكر إلخ …، فيصبح لنا مصطلحات تحمل رؤية تامة لمشروعنا الفني وتصبح لنا خصوصية حضارية بخطاب له قوة ذاتية.
- الموازنة بين المحلي والعالمي، والجمع بين الأصالة والمعاصرة، حتى لا نتهم بالانزواء وعدم وضوح المفاهيم وذلك بابتكار مصطلحات يتفاعل معها الآخر، مثل مصطلح “العدالة الاجتماعية” و”الحقوق الشرعية” مثلا، فنكون قد حافظنا على التواصل مع باقي المكونات الكونية دون تأثير أو استيلاب فني.
إذا الغاية ليست ابتكار مصطلحات أو الاقتناع باستحداث خيارات، بل المطلوب هو تدشين هيكل مفاهيمي متكامل، يعبر عن ذاتنا، وفي نفس الوقت يتفاعل مع الآخر، محافظا على هويته ثابتا على تصوره، بفضل الحضور الفعال للمبدع الفني سواء كاتب درامي أو شاعر لكي يظهر في قالب محسوس كل هذه المدلولات في مشاهد مسرحية وصراعات درامية تجعل هذه المفاهيم تتجلى بوضوح، وعمليا، ولا تبقى مجرد قواعد وأفكار ورؤى.
وكخلاصة يظهر لنا بوضوح بأن مهمة فن المسرح لا تحد في وظيفة الترفيه فقط وإنما تتعداه إلى مساحة أوسع تشمل الفكر الذي يثير النقاش ويطرح رسالته بكل وضوح في قالب فني يجمع بين الكلمة الهادفة اللينة، والتقنيات المقبولة، والتشخيص المتزن، والإلقاء الجميل، مع بناء إخراجي محكم يجعل من العرض المسرحي عرضا يقبله الجميع ويدفعهم نحو التساؤل والبحث فيه، بما أنه يخوض في مواضيع تسهم في بناء الإنسان والمجتمع عموما: العدالة، والكرامة، والحرية، ونضيف بشكل فني ذو جمال وذوق حسن، التذكير بموعود الآخرة، “المسرح يحشد الانفعالات ويدفعها في الآفاق الطبيعية والاجتماعية، فيجعل الإنسان واعيًا لحب الخير العام وكراهية الضرر العام”.[14]