الحلقة العاشرة: “عام الحزن والإسراء والمعراج… الابتلاء يصنع القائد”
د. ابراهيم بومسهول
الحلقة العاشرة: “عام الحزن والإسراء والمعراج… الابتلاء يصنع القائد“
د. ابراهيم بومسهول
مشهد من مكة: عام الحزن
كانت السنوات تمرّ ثقيلة على رسول الله ﷺ وأصحابه. بعد حصار الشعب القاسي، جاء ابتلاء أشد: وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها، التي كانت سنده وملاذه الأول، ثم وفاة عمه أبي طالب الذي كان يحميه من أذى قريش.
خسر النبي ﷺ في عام واحد أعظم سندين له: الزوجة المؤمنة التي تثبّته، والعم الذي يدافع عنه. لم يكن ذلك مجرد فقدٍ عاطفي، بل كان انهيارًا للسند الاجتماعي والسياسي الذي يحمي الدعوة. لذلك سُمّي ذلك العام بـ عام الحزن.
ولم يقف الأمر عند ذلك، بل حين خرج ﷺ إلى الطائف يلتمس النصرة، استقبلوه بالاستهزاء ورموه بالحجارة حتى أدموا قدميه. جلس حزينًا يدعو ربه:
“اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي…”.
مشهد السماء: الإسراء والمعراج
في قمة هذا الانكسار، شاء الله أن يمنحه رحلة خاصة، يكرمه بها ويهيئه للمرحلة القادمة: رحلة الإسراء والمعراج.
أُسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى السماوات العلا، فرأى من آيات ربه الكبرى، وفرضت عليه الصلوات الخمس. كانت رحلةً ربانيةً تعيد للنبي ﷺ التوازن، وتثبت قلبه، وتقول له: “مهما ضاقت بك الأرض، فإن أبواب السماء مفتوحة.”
القيمة القيادية
- الابتلاء مدرسة القيادة: القائد لا يُصنع في أوقات الرخاء، بل في أشد لحظات الانكسار.
- فقد السند لا يعني نهاية الطريق: حتى لو غاب الأقربون، يبقى الله هو الحامي والناصر.
- التوازن الروحي: رحلة الإسراء والمعراج تعني أن القائد يحتاج تغذية روحية عميقة ليواصل الطريق رغم الجراح.
إسقاط معاصر
- كثير من القادة والمصلحين يمرّون بلحظات انكسار: فقد سند، خذلان، أو حصار شديد. لكن التجارب الكبرى تقول: هذه اللحظات تصنعهم ولا تكسرهم.
- في حياتنا اليومية، حين نخسر دعمًا كنا نظنه أساسًا، أو نواجه فشلًا كبيرًا، يجب أن نتذكر أن الله قد يفتح لنا بابًا أعظم بعد الانكسار.
- القيادة ليست في أن تتجنب الألم، بل في أن تجعل من الألم منبعًا للقوة، ومن الهزيمة مؤذنًا لبداية جديدة.
خاتمة
عام الحزن لم يكن نهاية الدعوة، بل كان بداية مرحلة جديدة. الإسراء والمعراج كان إعلانًا ربانيًا أن الأرض كلها ساحة للرسالة، وأن القائد يجب أن يرفع بصره إلى السماء ليستمد منها قوته.
إذن، رسالتنا من هذه الحلقة:
القائد الحقّ هو من يجعل من الابتلاء مدرسةً للتزكية،
ومن الانكسار منطلقًا لمرحلة أعظم، مستمدًا قوته من الإيمان واليقين بالله.