فضل ليلة القدر، وما ينبغي فعله في هذه الليلة المباركة (5) سلسلة مقالات الصيام ورمضان وعبودية الجوارح؛
الدكتور أحمد الإدريسي
فضل ليلة القدر، وما ينبغي فعله في هذه الليلة المباركة(5)
سلسلة مقالات الصيام ورمضان وعبودية الجوارح؛
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي، وعلى ءاله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ليلة القدر هي أفضل الليالي، وقد أنزل الله فيها القرآن، وأخبر سبحانه أنها خير من ألف شهر، وأنها مباركة، وأنه يفرق فيها كل أمر حكيم، قال تعالى: “حم. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ”.(الدخان:1-6).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (دخل رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم”).
1- من تفسير سورة القدر:
قال تعالى في سورة القدر: “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر. تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْر. سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ”. ومما جاء في تفسير هذه السورة الكريمة:
– “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ” أَيْ الْقُرْآن جُمْلَة وَاحِدَة مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا “فِي ليلة القدر” أَيْ الشَّرَف الْعَظِيم.
– “وَمَا أَدْرَاك” أَعْلَمَك يَا مُحَمَّد “مَا لَيْلَة الْقَدْر” تَعْظِيم لِشَأْنِهَا وَتَعْجِيب مِنْهُ.
– “لَيْلَة الْقَدْر خَيْر مِنْ أَلْف شَهْر” لَيْسَ فِيهَا ليلة القدر فَالْعَمَل الصَّالِح فِيهَا خَيْر مِنْهُ فِي أَلْف شَهْر لَيْسَتْ فِيهَا.
– “تَنَزَّل الْمَلَائِكَة” بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ مِنْ الْأَصْل “وَالرُّوح” أَيْ جِبْرِيل “فِيهَا” فِي اللَّيْلَة “بِإِذْنِ رَبّهمْ” بِأَمْرِهِ “مِنْ كُلّ أَمْر” قَضَاهُ اللَّه فِيهَا لِتِلْكَ السَّنَة إِلَى قَابِل وَمِنْ سَبَبِيَّة بِمَعْنَى الْبَاء.
– “سَلَام هِيَ” خَبَر مُقَدَّم وَمُبْتَدَأ “حَتَّى مَطْلَع الْفَجْر” بِفَتْحِ اللَّام وَكَسْرهَا إِلَى وَقْت طُلُوعه. جُعِلَتْ سَلَامًا لِكَثْرَةِ السَّلَام فِيهَا مِنْ الْمَلَائِكَة تَمُرّ بِمُؤْمِنٍ وَلَا بِمُؤْمِنَةٍ إِلَّا سَلَّمَتْ عَلَيْهِ.
2- فضل ليلة القدر:
– هي الليلة التي تنزل فيها القرآن الكريم.
– روي أن ليلة القدر هي التي تُقدّر فيها الآجال والأرزاق. وقيل في ليلة النصف من شعبان.
– العبادة والدعاء في هذه الليلة تفوق عبادة ألف شهر في الثواب.
– تتنزل فيها الملائكة بأمر من الله حاملين الرحمات والخير والبركة.
– يغفر الله لقائم ليلة القدر ما تقدم من ذنبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه.” (متفق عليه).
– قال رسول الله ﷺ: “من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه”. (متفق عليه). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من يقم ليلة القدر إيماناً واحتسابا غفر لله ما تقدم من ذنبه.
وقيامها يكون بالصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن وغيرها من أعمال البر.
3- كيف كان النبي ﷺ يحيي ليلة القدر؟
كان النبي ﷺ يخص هذه الليالي بمزيد من الاجتهاد؛ مما قد لا يفعله في العشرين الأوّل. ومن الآثار الواردة في ذلك:
– قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: (كان النبي ﷺ إذا دخل العشر أحيا ليله وأيقظ أهله وجد وشدَّ المئزر وكان يعتكف فيها عليه الصلاة والسلام غالبًا).
– عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر).
– عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي ﷺ: يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها).
– عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان قال نافع وقد أراني عبد الله رضي الله عنه المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد.
– كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكثر من هذا الدعاء في ليلة القدر؛ “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني“، لما رُوي عن أمنا عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله: إن وافقت ليلة القدر فما أقول فيها، قال: قولي: “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”.
4- الحكمة من تخصيص هذه الليلة بطلب العفو من الله:
قال ابن كثير رحمه الله: (والمستحب الإكثار من الدعاء في جميع الأوقات، وفي شهر رمضان أكثر، وفي العشر الأخير منه، ثم في أوتاره أكثر، والمستحب أن يكثر من هذا الدعاء: “اللهم أنك عفو تحب العفو فاعف عني”. وسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر؛ لأن العارفين يجتهدون في الأعمال، ثم لا يرون لأنفسهم عملا صالحا، ولا حالا ولا مقالا، فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر).
ومما قيل في الحكمة من تخصيص هذه الليلة بطلب العفو من الله تعالى:
– الدعاء بهذا اللفظ يتضمن أدبا من آداب الدعاء المهمة: وهو الثناء على الله تعالى بما هو أهله، وبما يناسب مطلوب الداعي؛ أي تمجيد وثناء العبد على ربه، والآخر: سؤال من العبد لربه.
– حاجة العبد وفقره إلى عفو الله تعالى.
– حسن الظن بالله تعالى: فيعمر قلب المؤمن بالرجاء.
– أن العبد يسير إلى الله سبحانه بين مشاهدة منته عليه، ونعمه وحقوقه، وبين رؤية عيب نفسه وعمله وتفريطه وإضاعته، فهو يعلم أن ربه لو عذبه أشد العذاب لكان قد عدل فيه، ولهذا كان في حديث سيد الاستغفار: “أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي”، فلا يرى نفسه إلا مقصرا مذنبا، ولا يرى ربه إلا محسنا”.
– يسر الإسلام: وتسري دلائل هذا التيسير وأماراته في جميع مناحي التشريع، ومنها الأدعية الواردة في الكتاب والسنة، قالت أمنا عائشة: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك”.
5- ما ينبغي علينا فعله في ليلة القدر:
الواجب أن نتأسّى بنبيهم ﷺ وبأصحابه الكرام وبالأخيلر من هذه الأمة، فنُحيي هذه الليالي بالصلاة، وقراءة القرآن، وأنواع الذكر والعبادة، إيمانًا واحتسابًا، حتى نـفوزوا بمغفرة الذنوب، وحط الأوزار، والعتق من النار، فضلًا منه سبحانه ومنة.
ومن ذلك أن نكثر من دعاء ليلة القدر؛ “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”.
وكان أصحاب النبي ﷺ، وكان السلف بعدهم، يعظمون هذه العشر ويجتهدون فيها بأنواع الخير. قال ابن رجب: “وأما العمل في ليلة القدر، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” متفق عليه. وقيامها إنما هو إحياؤها بالتهجد فيها والصلاة. وقد أمر عائشة بالدعاء فيها… وأما العمل والعبادة في ليلة القدر، فقد كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يتهجد في ليالي رمضان، ويقرأ قراءة مرتلة، لا يمر فيها رحمة إلا سأل، ولا بآية فيها عذاب إلا تعوذ، فيجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر، وهذه أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها والله أعلم. وقال الشعبي في ليلة القدر ليليها كنهارها”.
قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد المئزر”. (متفق عليه). وشد المئزر كناية عن اعتزاله النساء واجتهاده في العبادة.
والحمد لله رب العالمين.