منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اليومان المكفران عرفة وعاشوراء

الدكتور رامي بن محمد الدالي

0

اليومان المكفران عرفة وعاشوراء
بقلم: الدكتور رامي بن محمد الدالي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد..

فإن تخصيص يومين من السنة كلها قائمَين على مناسبتين منفصلتين لتكفير الذنوب ليوحي بعِظَم هاتين المناسبتين ورمزيتهما الدينية المهمة وكذلك بوجود رابط ما بينهما.

فيوم عرفة مرتبط بذلك الجمع المهيب المبارك على الجبل، وهذه المناسبة المباركة هي الوقوف بباب الرحمن جل وعلا للتطهر والتأهل قبل أن يؤْذَن لهم بزيارة الرب سبحانه في اليوم التالي؛ ولذلك كان هذا التطهر الذي يؤهل صاحبه لزيارة رب السماوات والأرض سبحانه هو أعظم تأهل يرفع صاحبه إلى مقام القرب من الله تعالى على الإطلاق.
وإذا تأملنا ما شُرع في هذا اليوم من الدعاء والإكثار من التهليل سنجد أن المعنى ينصبُّ في مقصد ترسيخ التوحيد الخالص لله تعالى؛ لأن أعظم مظاهر هذا التوحيد هو الإقرار باللسان بكثرة التهليل وشدة الخضوع والذل والافتقار له وحده سبحانه الذي يمنع من الالتفات إلى غيره والتجرد له، ويظهر ذلك في لباس الإحرام المتجرد من الدنيا وفي الدعاء الباكي المحترق الذي تتجسد فيه أسمى مظاهر الذل والافتقار له وحده سبحانه دون سواه فالقلب لا يلتفت لسواه بل لا يرى أصلا سواه لأن كل ما سواه يتلاشى وينخنس إلى أصله الذي هو العدم ولا يبقى في القلب ما يستحق التوجه إليه إلا الحق سبحانه ولا أحد يستحق أن يوقَف ببابه ويُعبد ويُسأل إلا الحي القيوم الملك الوهاب سبحانه.
فهذا التوحيد والتجرد هو أعظم ما يصلح القلب على الإطلاق، وأعظم تجلياته تكون في الحج في يوم عرفة، ولذلك إذا تحقق هذا المقصد على أكمل وجه فإنه كفيل بإبراء القلب وإصلاحه صلاحا لا ينكسر بعده أبدا، ولذا كان الحج المبرور عبادة العمر إذ إنه يُصلح ما فات ويقيل العثرات ويصلح ما هو آت فيكون وقودا لا ينفذ.
ولكن رحمة الله تعالى تأبى أن تتجاوز غير الحاج في هذه المناسبة الجليلة المباركة فشرع له الصوم لأنه أقرب عبادة تتحقق فيها تلك المعاني من التوحيد ـ إذ لا يكون الصوم إلا لله ـ والتجرد لله من كل ما يَلفت عنه من الدنيا وشهواتها، ولكن الصوم لا يقوى على ما يقوى عليه الحج؛ فجُعل كل سنة ليقوم في السنة مقام الحج في العمر.
وهذا التوحيد هو المقصود الأعظم من الخلق لأنه لب العبادة التي خلقنا من أجلها.

ولكن مفهوم التوحيد والعبادة يبقى أوسع من دائرة الشخص نفسه وإن كانت هي الأساس؛ إذ هو الخلافة التي تقتضي أيضا توحيدَ الله تعالى وإقامةَ أمره ونشرَ نوره وإحقاق الحق وإبطال الباطل في الأرض كلها، لكن دائرة النفس هي الأصل وبقدر إحكام التوحيد في النفس بقدر إحكامه في الأرض، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: “المجاهد من جاهد نفسَه في ذات الله”.
ولذلك جاء يوم عاشوراء ليذكرنا الله تعالى من خلاله بتمام هذه المهمة التي خلقنا من أجلها، والتي لخصها قول نبينا صلى الله عليه وسلم لليهود الذين رآهم يصومون عاشوراء لأنه اليوم الذي نجى الله تعالى فيه موسى عليه السلام وأغرق فيه فرعون: “نحن أَولى بموسى منكم”، فإن هذه الكلمات القليلة تعني انتقالَ الخلافة والأفضليةَ على العالمين إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهم الذين تُناط بهم مهمة الخلافة والرسالة وإقامة التوحيد في الأرض إلى قيام الساعة.
واختيار موسى عليه السلام بالذات لأنه أول رسول تتجسد فيه الخلافة على أكمل وجه بنزول كتاب وشريعة متكاملة عليه وهي التوراة لتأهل البشرية لذلك، وكل مَن بعده من الأنبياء تبع له؛ فاستلم الراية محمد صلى الله عليه وسلم من بعده.

ولذلك جاء صوم عاشوراء بعد عرفة؛ ليتمم معنى التوحيد ويذكرَ بالمهمةِ العظمى التي أُنيطت بهذه الأمة المباركة والمسؤوليةِ العظمى الملقاة على كاهلها.
ولذلك أيضا جاء أجر عاشوراء على النصف من عرفة؛ لأن المعنى الذي يرسخه عرفة هو الأصل وذلك فرعه.

والله تعالى أعلم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.