منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحقيقة بين التجلي القرآني وطاقة الاحتمال الإنساني دراسة فلسفية – قرآنية في حدود المعرفة والهداية

يحيى عباسي بن أحمد -الجزائر

0

الحقيقة بين التجلي القرآني وطاقة الاحتمال الإنساني

دراسة فلسفية – قرآنية في حدود المعرفة والهداية

يحيى عباسي بن أحمد -الجزائر

الملخص

ينطلق هذا البحث من إشكالية مركزية في الفكر الديني والفلسفي، مفادها: كيف يمكن للحقيقة المطلقة أن تُعطى لكائن محدود دون أن تؤدي إلى انهياره المعرفي أو الوجودي؟ ويقارب البحث هذه الإشكالية من خلال تحليل مفهوم التجلي في القرآن الكريم، وربطه بمفهوم طاقة الاحتمال الإنساني، بوصفه المحدِّد الحقيقي لإمكان المعرفة والهداية. ويبيّن البحث أن القرآن لا يهدف إلى كشف الحقيقة الإلهية في تمامها، بل إلى تنظيم عملية انكشافها بما يتناسب مع هشاشة الإنسان الشعورية والمعرفية. يعتمد البحث المنهج التحليلي الفلسفي، مع توظيف التفسير الموضوعي والمقارنة المفهومية، ليخلص إلى أن التدرج، والرمز، والزمن النفسي، ليست آليات تعليمية فحسب، بل استراتيجيات وجودية لحماية الإنسان من ثِقَل الحقيقة.

الكلمات المفتاحية: الحقيقة، التجلي، القرآن، الاحتمال الإنساني، المعرفة، الهداية.

مقدمة

تمثل العلاقة بين الحقيقة الإلهية المطلقة والقدرة الإنسانية المحدودة على إدراكها إحدى أعقد الإشكاليات في تاريخ الفكر الديني. ففي حين تُعرَّف الحقيقة الإلهية في القرآن بوصفها كلية، مطلقة، وغير مشروطة بالزمان أو الإدراك البشري، يُقدَّم الإنسان في المقابل بوصفه كائنًا ضعيفًا، جزئيًا، ومقيّدًا بطاقة نفسية ومعرفية محدودة.

ينطلق هذا البحث من فرضية مفادها أن الإشكال ليس في نقص الحقيقة، بل في محدودية قابلية الإنسان لاحتمالها، وأن القرآن الكريم قد قدّم معالجة عميقة لهذه الإشكالية، ليس عبر تقليص الحقيقة، بل عبر إعادة تنظيم طريقة انكشافها. ومن هنا يسعى البحث إلى الإجابة عن السؤال التالي: كيف تعامل القرآن مع عدم قدرة الإنسان على احتمال الحقيقة كاملة؟

أولًا: الحقيقة المطلقة وحدود الاحتمال الإنساني

الحقيقة بوصفها كثافة وجودية

لا تُقدَّم الحقيقة في القرآن بوصفها مجرد معطى معرفي، بل بوصفها كثافة وجودية، أي واقعًا إذا انكشف بتمامه تجاوز قدرة الكائن المحدود على الاحتمال. ويتجلى ذلك بوضوح في قصة موسى عليه السلام:

﴿فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا﴾ الأعراف: 143

يرى الرازي أن هذا النص يؤسس لمبدأ أن التجلي الإلهي ليس مجرد رؤية حسية، بل انكشاف وجودي لا تحتمله الموجودات المخلوقة (مفاتيح الغيب).

نفي الإحاطة لا نفي المعرفة

يؤكد القرآن:﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (طه: 110)

فالآية لا تنفي إمكان المعرفة، بل تنفي الإحاطة الشاملة، ما يعني أن المعرفة الإنسانية معرفة تقاربية لا امتلاكية، تقوم على الاقتراب لا على الاحتواء.

ثانيًا: التجلي القرآني بوصفه حدثًا مُقنّنًا

التجلي الصادم والتجلي الرحيم

يميّز القرآن ضمنيًا بين نوعين من التجلي:

  • تجلي مباشر صادم (كما في قصة الجبل)
  • تجلي رحيم مُقنَّن عبر الوحي واللغة والقصص

وهذا يدل على أن التجلي، إذا لم يُضبط، يتحول من هداية إلى فناء.

التجلي عبر الوسائط

لم يُعطَ الإنسان الحقيقة عارية، بل عبر وسائط:

  • الوحي
  • اللغة
  • الرمز
  • المثل

﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ (العنكبوت: 43)

والمثل، بحسب ابن عاشور، أداة نقل للمعنى الثقيل بصورة يمكن للعقل والقلب احتمالها (التحرير والتنوير).

ثالثًا: التدرج القرآني كاستراتيجية وجودية

نزول القرآن منجّمًا

يثير المشركون سؤال النزول دفعة واحدة، فيأتي الرد:

﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ الفرقان: 32

التثبيت هنا ليس معرفيًا فقط، بل شعوريًا ووجوديًا، إذ إن الحقيقة إذا نزلت دفعة واحدة قد تُربك الوعي بدل أن تهديه.

الزمن النفسي للإنسان

يراعي القرآن ما يمكن تسميته بـ”الزمن النفسي”، أي سرعة تَشكُّل الوعي وقدرته على الاستيعاب، وهو ما يفسّر:

  • تدرج التشريع
  • تصاعد الخطاب من الإيمان إلى التكليف
  • الانتقال من القصص إلى الأحكام

رابعًا: المشاعر بوصفها آلية ضبط للحقيقة

الخوف كإنذار أنطولوجي

أول لحظة وحي اقترنت بالخوف:

“زملوني زملوني” (البخاري)

الخوف هنا ليس ضعفًا، بل إشارة إلى أن الإنسان دخل مجالًا أكبر من طاقته، وهو ما يمنع الغرور المعرفي وادعاء الامتلاك الكامل للحقيقة.

الحزن بوصفه كسرًا للادعاء

الحزن في القرآن يؤدي وظيفة معرفية، إذ يمنع تحوّل المعرفة إلى يقين مغلق. فالحزن يذكّر الإنسان دائمًا بمحدوديته وبأن الحقيقة أكبر منه.

خامسًا: من امتلاك الحقيقة إلى السَّير معها

يؤسس القرآن تصورًا مختلفًا للهداية:

  • ليست امتلاكًا للحقيقة
  • ولا وصولًا إلى يقين نهائي

بل:

سيرٌ تدريجي مع الحقيقة دون أن يُفني الإنسان نفسه فيها

ولهذا يُرفع الخوف والحزن في النهاية:

﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

لا لأنهم لم يمرّوا بهما، بل لأنهم استوفوا وظيفتهما.

خاتمة

يخلص هذا البحث إلى أن القرآن قدّم معالجة وجودية عميقة لإشكالية العلاقة بين الحقيقة المطلقة والطاقة الإنسانية المحدودة. فبدل أن يُسقِط الحقيقة على الإنسان دفعة واحدة، نظّم انكشافها عبر التدرج، والوسائط، واللغة الرمزية، والمشاعر، بما يضمن الهداية دون الفناء. ومن ثمّ، فإن الحقيقة في المنظور القرآني ليست ما يُمتلك، بل ما يُسار معه بقدر الطاقة الإنسانية، في علاقة تواضع معرفي دائم.


المراجع

  • ابن عاشور، محمد الطاهر. (2000). التحرير والتنوير. تونس: الدار التونسية للنشر.
  • الطبري، محمد بن جرير. (2001). جامع البيان عن تأويل آي القرآن. القاهرة: دار هجر.
  • الرازي، فخر الدين. (2004). مفاتيح الغيب. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  • الغزالي، أبو حامد. (2013). إحياء علوم الدين. بيروت: دار المعرفة.
  • Heidegger, M. (1962). Being and Time. New York: Harper & Row.
  • (2008). Republic. Oxford: Oxford University Press.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.