منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حلاوة الإيمان (1) محبة الله ورسوله

حلاوة الإيمان (1) محبة الله ورسوله/ حسنة المصطافي

0

حلاوة الإيمان (1) محبة الله ورسوله

بقلم: حسنة المصطافي

ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن للإيمان طعما وأن له حلاوة، يتذوقها من تشرب معاني حب الله وحب رسوله ومعاني الحب في الله وبُغض الكفر وكراهية العودة فيه؛ إذ يقول عليه الصلاة والسلام: ” ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، أن يحب العبد لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار”.[1]

في هذا الحديث العظيم الذي وصفه النووي بأنه “أصل من أصول الإسلام”[2]، علّق الرسول صلى الله عليه وسلم حلاوة الإيمان بثلاث خصال عظيمة وقد جاءت في عبارات وجيزة، ولكنها تحمل دلالات عميقة وتستلزم إعطاء براهين الصدق عليها.

يمرض الجسد فلا يجد للطعام حلاوة ولا مذاقا، وكذلك إذا اعتل القلب لم يجد للإيمان حلاوة وإن قام صاحبه بأعمال ظاهرها الإيمان والإسلام، يقول ابن القيم:” وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: «إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحا، فاتهمه، فإن الرب تعالى شكور «، يعني أنه لا بد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه، وقوة انشراح وقرة عين. فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول.” [3]

وعرَّف العلماء حلاوة الإيمان بأنها” استلذاذ الطاعات وتحمل المشاق في رضي الله عز وجل ورسوله صل ى الله عليه وسلم وإيثار ذلك على عرض الدنيا”[4]، وسنتناول في هذه المقالة الخصلة الأولى التي تحصل بها حلاوة الإيمان، ونترك باقي الخصال لمقالات أخرى.

الخَصلةُ الأُولى: أنْ يكونَ اللهُ ورسولُه أحَبَّ إليه ممّا سِواهما

“أما محبة العبد لله تعالى، فحالة يجدها العبد من قلبه تلْطف عن العبارة”، تحمله على الاتصاف بما يرضيه، واجتناب ما يسخطه؛ ويقتضي ذلك أمرين لا بد منهما معا، وهما الانفصال والاتصال؛ “فالانفصال: انقطاع قلبه عن حظوظ النفس المزاحمة لمراد الرب منه، وعن التفات قلبه إلى ما سوى الله، خوفا منه، أو رغبة فيه، أو مبالاة به، أو فكرا فيه، بحيث يشغل قلبه عن الله، والاتصال: لا يصح إلا بعد هذا الانفصال. وهو اتصال القلب بالله، وإقباله عليه، وإقامة وجهه له، حبا وخوفا ورجاء، وإنابة وتوكلا”[5]

اجتهد العلماء في تعريف محبة العبد لله ورسم حدودها لأنها سبيل إلى محبة الله لعبده، فما من مؤمن محسن إلا ويسعى للوصول إلى هذه المنزلة، فكما قال عنها ابن القيم، “هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون. وإليها شخص العاملون. وإلى علمها شمر السابقون. وعليها تفانى المحبون. وبروح نسيمها تروح العابدون. فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون…، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة. إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب. وقد قضى الله -يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة -: أن المرء مع من أحب، فيا لها من نعمة على المحبين سابغة”[6]

وما أجمل قول الجنيد وأجمعه حينما سُئل عن معنى حب العبد لربه، يقول وقد أطرق رأسه، ودمعت عيناه: “عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، أحرقت قلبه أنوار هيبته. وصفا شربه من كأس وده. وانكشف له الجبار من أستار غيبه. فإن تكلم فبالله. وإن نطق فعن الله. وإن تحرك فبأمر الله. وإن سكن فمع الله. فهو بالله ولله ومع الله. ” [7]

تبقى محبة الله ادعاء إن لم تترجم إلى أعمال يرضاها الله “فلا ينبغي أن يَغْتَرّ الإنسان بتلبيس الشيطان وخِدَعِ النفس مهما ادعت محبة الله تعالى ما لم يمتحنها بالعلامات، وما لم يُطالبها بالبراهين والأدلة”[8]، وما البرهان إلا أن يجد الله عبده حيث يحب ويرضى، وما الميزان إلا اعتبار الأمر والنهي الوارد في الشرع، فإن قصَّر العبد في واجباته واقترف المنكرات كان ذلك خللا ونقصا في محبته لله عز وجل وحُرم لذة الإيمان وحلاوته، لأن المحبة تستوجب ترك المعصية ومن أحب الله لم يعصه، ولقد صدق القائل حين قال:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه … هذا لعمري في الفعال بديع

لو كان حبك صادقا لأطعته … إن المحب لمن يحب مطيع

لا تنفصل محبة الرسول صلى الله عليه وسلم عن محبة الله عز وجل، فقد قرن الله محبته ونيل مغفرته باتباع رسوله الكريم؛ يقول عز وجل:﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾[آل عمران: 31] ويقول عليه الصلاة والسلام: “أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي”.[9]

يُقدَّم حب رسول الله على حب النفس والوالد والولد والناس أجمعين[10]، فحقه آكد وأرجح على جميع الحقوق لأن به صلى الله عليه وسلم استخرجنا الله من الظلمات إلى النور، ولنا في صحابته إسوة حسنة إذ فدوه بالمُهج واسترخصوا كل غال تفانيا في محبته؛ تعلق قلبي وجداني وامتثال لأوامره صلى الله عليه وسلم، بهما استحقوا أن يكونوا خير القرون، وما علينا إلا نقتفي أثرهم في حبهم وولائهم له صلى الله عليه وسلم لننال ما نالوا من الأجر، واله يضاعف لمن يشاء.

علّم الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته، ويعلمنا كذلك أن استكمال الإيمان معلق بتقديم محبته على النفس، وأن يكون هوانا تبعا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؛ لذلك لما قال عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: “يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ‘لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك’ فقال له عمر: “فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي”، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ‘الآن يا عمر’.[11]

ومن علامات محبته -صلى الله عليه وسلم -نصر سنته وإحيائها والشوق لرؤيته وتمني لو كان معه فيبذل ماله ونفسه دونه، وينبه القرطبي إلى أن المسلم الغافل والمستغرق في شهواته قد تأتي لحظة يُذكر فيها اسم الحبيب صلى الله عليه ف”يهتاج لذكره ويشتاق لرؤيته بحيث يؤثر رؤيته بل رؤية قبره ومواضع آثاره على أهله وماله وولده ووالده ونفسه والناس أجمعين، وسلم يخطر له هذا ونحوه وجدانا لا شك فيه، غير أنه سريع الزوال والذهاب؛ لغلبة الشهوات وتوالي الغفلات، ويخاف على من هذا حاله ذهاب أصل تلك المحبة” [12]، أي أن المحبة شجرة تسقى بماء  الخشية والطاعة والمتابعة للمحبوب، فيحرص المحب على معرفة سننه والبحث عنها والعمل بها والدلالة عليها.

إن المحبة وحلاوة الإيمان من المعاني القلبية التي تتشرب من القلوب، ولا تكفي فيها قراءة الكتب، “فما الأمر معلومات وإقناع فكري، بل هو إقناع قلبي عقلي وِجداني أفاضه جيل على جيل، وجليس على جلساء، ومحبوب في الله على محبين في الله”[13]، وحب الله المنعم على عباده بنعم لا تعد ولا تحصى وحب رسوله صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة “مغروزٌ في الفِطَرِ الكريمةِ الـمَعْدِنِ، تَطْمِرُه الطّوامر وتُبرزه من مكامنه صحبة من «ينهض بك حاله، ويدلك على الله مقاله».”[14]

ومما يبعث على حب الله ورسوله؛ كثرة ذكرهما ودوامه باللسان والقلب والعمل “لأن كثرة ذكره[المحبوب] تُعلق القلوب به”[15]، ومعرفة ما منَّ الله علينا من نعم باطنة وظاهرة، والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، ومن مننه العظمى أن أرسل فينا رسولا منا يزكينا ويعلمنا كتاب ربنا، رسولا رحيما رؤوفا بأمته، فلا تملك النفس السوية إلا أن تحبه لما آتاه الله من مكارم الأخلاق ومحاسنها.

ومن أعظم ما يوصل العبد إلى هذه المحبة العظمى، الدعاء والتذلل بين يديه سبحانه وتعالى أن يذيقه حلاوة الإيمان ولذة العبودية وأن يوفقه لطاعته واتباع سنة نبيه والثبات على ذلك إلى أن يلقاه، فمن كرم الله أن أمر عباده بالدعاء ووعدهم بالاستجابة فقال:﴿ ادعوني أستجب لكم﴾[غافر:60]، فاللهم ارزقنا حبك وحب من ينفعنا حبه عندك وحب كل عمل يقربنا من حبك.


[1] – أخرجه البخاري (16)، ومسلم (43)، والترمذي (2624) واللفظ له، والنسائي (4987)، وابن ماجه (4033)، وأحمد (12021).

[2]  المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، النووي، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط. 2/1392ه، 2/ 14

[3]: مدارج السالكين في منازل السائرين، ابن القيم،

[4] المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، 2/ 14

[5]–  بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، الفيروزآباد، المحقق: محمد علي النجار، الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية -لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، 2/ 324

[6] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن قيم الجوزية، المحقق: محمد المعتصم بالله البغدادي، الناشر: دار الكتاب العربي – بيروت، ط. 3/ 1416ه-1996م، 3، 8-9

[7] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، 3/18

[8] – إحياء علوم الدين، الغزالي، الناشر: دار المعرفة – بيروت، 4/ 329-330

[9] – أخرجه الترمذي -وقال حسن غريب -والطبراني، والحاكم، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس

[10]– قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين”. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب: وجوب محبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم -أكثر من الأهل.

[11] أخرجه البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب عمر بن الخطاب، وفي الاستئذان، باب المصافحة، وفي الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم

[12] المفهم لما أشكل من كتاب تلخيص مسلم، أبو العباس الأنصاري القرطبي، 1/ 227.

[13]تنوير المؤمنات، عبد السلام ياسين، 2/19

[14]   الإحسان، عبد السلام ياسين، 1/ 146

[15] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 1/95

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.