منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دعاء السفر زاد السالكين إلى الله

خالد اعليوات

0

دعاء السفر زاد السالكين إلى الله

خالد اعليوات

يلتقي سماع دعاء نبوي – او قراءته – بساعة صفاء، فإذا بصدق الكلمات، وحلاوة التعبير، وعمق المعنى، تسري إلى الفؤاد فتملكه وإلى العقل فتأسره.

الدعاء النبوي من جوامع كلم نبينا محمد ﷺ؛ إذ جمع مبناه بين فصاحة الألفاظ، وبلاغة العبارات، وعذوبة البيان، وجمال الأداء، وجمع معناه بين الأدب والثناء، والتذلل والإنكسار، والإلحاح واليقين، وشمول أمر الدنيا والآخرة.

قال مصطفى صادق الرّافعي رحمه الله: “ومِن كمال تلك النَّفس العظيمة، وغلبة فكره ﷺ على لسانه، قلَّ كلامُه، وخرج قصدًا في ألفاظه، محيطًا بمعانيه، تحسب النَّفس قد اجتمعت في الجملة القصيرة والكلمات المعدودة بكل معانيها، فلا ترى من الكلام ألفاظًا، ولكن حركات نفسية في ألفاظ، ولهذا كثرت الكلمات التي انفرد بها دون العرب، وكثرت جوامع كلمه”[1].

دعاء السفر شاهد على ذلك كله؛ فهو دعاء موجز المباني عظيم المعاني، يتضمن نسبة النعمة الى مسديها، وهو الله تعالى، ويجسد معنى التوكل عليه في حفظ المسافرين، وحفظ أهليهم وأموالهم، وفيه اقرار العبد بضعفه، واعترافه بحاجته الملحّة الى ربه.

روى الإمام  مسلم في صحيحه عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر، كبر ثلاثا، ثُمَّ قال: سُبحانَ الذي سَخَّرَ لَنا هذا وما كُنَّا له مُقرِنينَ وإنَّا إلى رَبِّنا لَمُنقَلِبونَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ في سَفَرِنا هذا البِرَّ والتَّقوى، ومِنَ العَمَلِ ما تَرضى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ علينا سَفَرَنا هذا، واطوِ عَنَّا بُعدَه، اللَّهُمَّ أنتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ، والخَليفةُ في الأهلِ، اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِن وَعْثاءِ السَّفَرِ، وكَآبةِ المَنظَرِ، وسوءِ المُنقَلَبِ في المالِ والأهلِ، وإذا رَجَعَ قالهُنَّ، وزادَ فيهنَّ: آيِبونَ تائِبونَ عابِدونَ، لرَبِّنا حامِدونَ.

سمع المؤمن قول النبي ﷺ : “كن في الدنيا كأنك غريب او عابر سبيل”[2]، فتنبه الى أن الدنيا رحلة عابرة الى الدّار الآخرة، واتخذ مما تضمّنه دعاءُ السفر من معاني اليقين بالله، والتوكّل عليه، وطلب العون منه زادًا له فيها.

يزداد حضور هذه المعاني في قلوب السالكين إلى الله إلحاحًا؛ لأن مقصدهم أسمى وأعظم: القرب من الله. هذا القرب لا يُنال بمجرد الأخذ بالأسباب، على ضرورتها، بل لا بد فيه من توفيق كبير من الله، واستحضار دائم لمعِيّة الله في كل حركة وسكون. قال الإمام عبد القادر الجيلاني رحمه الله: “بك لا يجيء شيء، ولا بد منك.”[3].

سبحان الذي سخر لنا هذا وماكنا له مقرنين

ثناء على الله سبحانه وتعالى بتسخيره نعمة المركب، سواء أكان دابة ام آلة، مع الإقرار والإعتراف بأن هذه النعمة في حقيقتها لم تتحقق بحول الإنسان وقوته، بل هي من عطايا الله التي سخرها لعباده. فهو سبحانه الذي ذلل الدواب، وعلّم الإنسان صنعة المركب، وهو الذي أَنزل الحديد، وهو الذي أودع في الكون سننه المحكمة؛ فلولا ما سنه من قوانين، كقانون الجاذبية، ما استقام سير على الأرض ولا طيران في السماء، ولولا ما أودعه من خصائص، كخاصية الكثافة، ما طفت السفن على سطح الماء.

السالك الذي وفقه الله لتوبة قلبت أولوياته، وغيرت مجرى حياته؛ لا يرى إلا جميل صنع الله فيه، إذ يسر له سبل الهداية، وخصه بتمام العناية، وحفه بكريم الرعاية، وساقه الى منازل الولاية، وجعل فؤاده يهوى الإخوان بمحبة صافية، ويسترشد بالصالحين في محضن الصحبة الوافية.

شعاره في البداية والنهاية: “والله لولا الله ما اهتدينا، ولا صدقنا ولا صلينا”. وقدوته في ذلك سيدنا محمد، صلوات ربي وسلامه عليه، الذي قام حتى تورمت قدماه شكرا لربه على عظيم النعمة، ودوام المنة.

الدعاء بصيغة الجمع وروح الجماعة

صيغ معظم دعاء السفر بضمير الجمع، حيث يُسند الفعل إلى ضميرٍ مستترٍ تقديره “نحن”، كما في قوله: “نسألك”، أو يأتي الضمير متصلًا كما في نحو: “سفرنا” و”اطوِ عنا”. وفي ذلك توجيه نبويّ نفيس يُنمّي روح الخلاص الجماعي، ويُربي النفس على طلب السلامة والحفظ والبر لأنفسنا ولمن نلقاهم في أسفارنا، بل في مسيرة الحياة كلها؛ إذ ما الحياة إلا تنقّلٌ وسفر.

صيغة الجمع في الدعاء برهان على صدق المحبة؛ إذ من لوازمها الوقوف مع من تُحب في أوقات الحاجة والشدّة، وهي كذلك تجسيد عملي لقول النبي الكريم ﷺ: “لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه”.[4].

وليس المسافر مع الأخيار طلبا لوجه الله الرحيم الغفّار بمعزل عن هذه الروح الجماعية الواردة في الدعاء، بل هو سالك محب لإخوانه الى النخاع؛ تفيض هذه المحبة على جوارحه، فيكرس حياته لإماطة الأذى – بمعناه الشامل الواسع – عن طريقهم، فيسعى الى إزالة الشهوات والشبهات والعقبات، وكل ما يصد من يحبهم في الله عن طريق الله. ولا تزيده طول مدة الرحلة، التي تمتد العمر كله، إلا وفاء؛ فلا يزال واضعا يده في أيديهم، بانيا صرح الامة، لتتحقق فيها الخيرية من جديد.

بل أكثر من ذلك، فهم حتى في غيابهم ماثلون بين عينيه؛ روحه مرتبطة بأرواحهم، يحمل همومهم، ويتفكر في أحوالهم، ويدعو لهم في ظهر الغيب.

ولقد حاز سادتنا الأنصار رضي الله عنهم القدح المعلّى في شعبة الحب في الله؛ إذ أحبّوا إخوانهم المهاجرين – وقد كانوا في فقر وفاقة – فقاسموهم، عن طيب نفس، أموالهم وديارهم، وعلّموهم الزراعة، وفتحوا لهم أبواب الاسواق للتجارة.

وهكذا إنجلى عنهم شبح الفقر، فتحولوا من محتاجين غرباء الى شركاء في الإنتاج، وأصحاب مورد رزق كريم.

يقول اللهُ سبحانه وتعالى، واصفًا هذا المشهدَ الخالدَ من المحبّة والإيثار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [سورة الحشر].

ولهذا أحبَّ رسولُ الله ﷺ الأنصار، وقال فيهم: “من أحبَّ الأنصارَ أحبَّه الله، ومن أبغضَ الأنصارَ أبغضَه الله”[5].

اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل

عَلِم التّائب الى الله، السّالك سبيل الرجوع إليه، أن زاده قليل لا يكفيه لسفر طويل يستغرق العمر كله. وعلم كذلك أن الطريق خطرة، محفوفة بالمكاره، تعترضها عقبات صعبة الإقتحام، وتكتنفها حجب صادة عن القصد لا تحصى ولا تعد. وسمع شهادةَ عدلٍ ثقةٍ خبيرٍ بالطريق يقول: “كم فيها من قتيل وسليب وجريح وأسير وطريد!”[6]، فاستيقن أن مشروعَه مُفلس، وأملَه خائب، وأنه قد بادَ وهلك.

تنحّى صاحبنا إلى جانب الطريق وجلس مطأطئ الرأس، مبلسا حزينا خائر القوى حائرا. وهو على تلك الحال، إذ سمع حسيسًا يدنو منه، فرفع رأسه ورمق ثم حدّق، فإذا بالصحبة والجماعة تهرول إليه؛ فما فتئت تسير حتى وقفت أمامه، ثم على القيام أعانته، ثم احتضنته وبشرته: لا تحزن ياولدي، فإن الحزن من الشيطان، خذ لك من الصدق والذكر زادا وأكمل الطريق، فالله معك يهديك، وبالخلاّن ينصرك ويحميك.

في دهشة ورعشة تعتريانه، لا يدري أيركض فرحا أم يتدثر، والعين تتلألأ فرحا، والدمع الساخن ينساب على خديه، يمخر تعاريج وجهه؛ إذا بالكلمات، بل الصرخات، تنفلت من فيه دون استنطاق: الله اكبر، الله اكبر… سبحان الذي سخّر لنا هذا… سبحان الذي سخّر لنا هذا، وما كنا له مقرنين… اللهم أنت الصاحب في السفر، اللهم أنت الصاحب في السفر…

ثم سكن روعه واطمئن قلبه، فرفع يديه الى السماء مناديا:

“ربي إني لما أنزلت الي من خير فقير… ربي إني لما أنزلت الي من خير فقير.”

ثم جدد عزمه، واكمل طريقه، ولسان حاله يقول: “وعجلت إليك ربي لترضى.”

والحمد لله رب العالمين


[1] مصطفى صادق الرّافعيّ، إعجاز القرآن والبلاغة النّبويّة

[2]  رواه الإمام البخاري في صحيحه من حديث سيدنا  عبدالله بن عمر رضي الله عنه

[3] عبدالقادر الجيلاني، الفتح الرباني

[4] رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه

[5] رواه الإمام البخاري في صحيحه من حديث سيدنا البراء بن عازب رضي الله عنه

[6] ابن القيم، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.