عبودية الجوارح في شهر رمضان
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى ءاله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
شهر رمضان هو شهر القرآن، شهر الدعاء والرجاء، والتوبة والإنابة؛
وهو شهر الاستغفار والعتق من النار، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا جاء شهر رمضان يُنادي منادٍ كل ليلة: يا باغي الخير هلمَّ، ويا باغي الخير هلمّ، ويا باغي الشر أقصر، هل من داع يُستجاب له؟ هل من سائلٍ فيُعطى؟ هل من مستغفرٍ فيُغفر له؟ هل من تائبٍ فيُتاب عليه؟ ولله تبارك وتعالى فيه عتقاء من النار كل ليلة عند الفطر حتى ينسلخ رمضان)[1].
أولا: عبودية الجوارح.
ونحن مقبلون على شهر رمضان، لابد لنا أن نستثمر هذه الأيام المباركة في طاعة الله والإكثار من الذكر والقيام ومن الأعمال الصالحة، حيث يكون الأجر مضاعفا. وفي هذه العبادات تتجلى عبودية الجوارح، خاصة الصيام الذي نستقبل أيامه المباركة. وقد ورد حديث عظيم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يُـببّن بجلاء عبودية الجوارح.
عن سمرة بن جندب قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وكنا في صُفة بالمدينة. فقام علينا فقال: “إني رأيت البارحة عجبا!
رأيت رجلا من أمتي أتاه مَلَك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه.
ورأيت رجلا من أمتي قد بُسِط عليه عذاب القبر فجاء وضوؤه فاستنقذه من ذلك.
ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاء ذكر الله عز وجل فطرد الشياطين عنه.
ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب، فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم.
ورأيت رجلا من أمتي يلتهب -وفي رواية يَلْهَثُ- عطشا، كلما دنا من حوض مُنِع وطُرِد، فجاءه صيام شهر رمضان فأسقاه وأرواه.
ورأيت رجلا من أمتي ورأيت النبيئين جُلوسا حِلَقاً حِلَقاً، كلما دنا إلى حلقة طُرِدَ، فجاءه غُسْلُه من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي.
ورأيت رجلا من أمتي بين يديه ظُلْمة ومن تحته ظُلمة وعن يمينه ظُلمة وعن يساره ظُلمة ومن فوقه ظُلمة ومن تحته ظلمة وهو متحير فيها، فجاءه حجه وعمرتُه فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور.
ورأيت رجلا من أمتي يتقي بيده وهَجَ النار وشررها، فجاءته صدقته فصارت سُتْة بينه وبين النار وظلَّلت على رأسه.
ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه، فجاءته صلته لِرَحِمه فقالت: يا معشر المسلمين! إنه كان وَصولا لِرَحِمه فكلِّموه! فكلمه المؤمنون وصافحوه وصافحهم.
ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الزبانية، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة.
ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه وبينه وبين الله حجاب، فجاءه حُسن خُلقه فأخذ بيده وأدْخَلَه على الله عز وجل.
ورأيت رجلا من أمتي قد ذهبت صحيفته من قِبَل شِالِه، فجاءه خوفه من الله عز وجل فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه.
ورأيت رجلا من أمتي خَفَّ ميزانه، فجاءه أفراطُه (من مات من أطفاله( فثقلوا ميزانه.
ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم، فجاءه رجاؤه في الله عز وجل فاستنقذه من ذلك ومضى.
ورأيت رجلا من أمتي قد أهْوى في النار فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله عز وجل فاستنقذته من ذلك.
ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرُتعَدُ كما ترُتعَدُ السَّعَفَةُ (جريدة النخل) في ريح عاصف، فجاءه حسن ظنه بالله عز وجل فسكَّن رعدته ومضى.
ورأيت رجلا من أمتي يزحف على الصراط، ويحبو أحيانا، ويتعلق أحيانا، فجاءته صلاته عليَّ فأقامته على قدميه وأنقذته.
ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة”[2].
وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يعظم شأن هذا الحديث، وقال ابن القيم رحمه الله: “هذا الحديث العظيم الشريف القدر ينبغي لكل مسلم أن يحفظه”[3]؛ حيث يأتي ربُّنا عز وجل بأعمال العبادة لتشفع للعباد يوم القيامة؛ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، هذه القلوب السليمة التي برهنت على سلامتها بصلاح الأعمال.
ثانيا: آداب الصيام.
الصيام عبادة من أفضل القربات، شرعه الله تعالى ليهذب النفس، ويعودها الخير. فينبغي أن يتعفف الصائم من الأعمال التي تخدش صومه، حتى ينتفع بالصيام، وتحصل له التقوى التي ذكرها الله في قوله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون”.
وليس الصيام مجرد إمساك عن الأكل والشرب، وسائر ما نهى الله عنه. فعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)[4]. وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل: إني صائم.. إني صائم)[5].
وبذلك تكون الجوارح كلها في عبادة أثناء الصيام، وخاصة فس شهر رمضان المبارك.
ثالثا: أحوال السلف الصالح في رمضان[6].
كان السلف الصالح رحمهم الله يحرصون على الاجتهاد في شهر رمضان، وكانوا يحذرون من تضييع الزمان المبارك، وفيما يلي بعض النماذج للتأسي:
– ذكر الإمام الذهبي عن أبي محمد اللبان أنّه كان يُصلي التراويح بالناس في جميع شهر رمضان المبارك، فإذا انتهت التراويح وانصرف الناس بقي يُصلي إلى أذان الفجر، فإذا صلّى الفجر جلس إلى أصحابه يُدرّسهم.
– قال ابن القيم رحمه الله يرى أن من أعظم ما يضيّـعه الإنسان؛ “إضاعة القلب وإضاعة الوقت، فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعة الوقت من طول الأمل، فاجتمع الفساد كله في اتباع الهوى وطول الأمل، والصلاح كله في اتباع الهدى والاستعداد للقاء، ولكن إذا مات القلب لم يشعر بمعصيته”[7].
– قال داود بن الحصين إنّ القراء كانوا يقومون بسورة البقرة في ثمان ركعاتٍ، ولو جعلوها في اثنتي عشر ركعةً لرأى الناس أنّ في ذلك تخفيفاً عنهم.
– قال الحسن البصري رضي الله عنه: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك”. وقال أيضا: “أدركت أقواما كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصا على دراهمكم ودنانيركم”.
– كان سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنه لا يُفطر إلّا مع المساكين، ولو جاء سائلٌ أثناء تناوله لطعامه لأعطاه نصيبه من الطعام.
– قال سيدنا عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه: “ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي”.
خــاتمـة:
إن المؤمن بحاجة إلى أن يتأمُّل هذا الحديث لتجديد العزم، وتجديد النية، وليحتاط مع نفسه من أن يدخله الغرور بأعماله فيعتمد عليها، ويتسرب إليه الرياء فيحبط عمله.
وإن مما يؤسف له ما نجده في هذا الشهر الكريم من مظاهر تضييع الأوقات وقَتْل لها من قِبَلِ كثير من الناس؛ وذلك بقضاء الليالي في اللهو والسهر والجلوس أمام الشاشات، وقضاء النهار في النوم، في حين ينبغي أن نستغل كل لحظة من رمضان، وأن يحدث أثرا على سلوك كل مسلم، وزيادة الأعمال التي تقربها إلى الله، وتدارك الأخطاء والتقصير، فإن الوقت إذا لم يُقضَ بالخير قُضي بضده ولا بد.
لذلك يجب على كل واحد منا أن يُـراجع نفسه ويقف معها موقف الجد والحزم ليستثمر كل لحظة من لحظات هذا الشهر الكريم في الطاعة وما يقرب من الله تعالى، فإن أيام الشهر قصيرة وساعاته محدودة سرعان ما تنقضي، ويندم عليها ولا ينفع حينها الندمم، إلا من تاب وعمل صالحا واستدرك ما فات.
والحمد لله رب العالمين.
[1]– أخرجه الإمام الترمذي، حديث رقم: 682. والإمام ابن ماجه، حديث رقم: 1642.
[2]– الحديث أخرجه الحافظ أبو موسى المديني بإسناد حسن جدا. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: شواهد الصحة عليه.
[3]– ابن القيم. الوابل الصيب. الصفحة:77.
[4] – رواه النسائي وابن ماجه وغيرهما.
[5] – رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
[6] – يُـنظر: كتاب “قيمة الزمن عند العلماء”، للعلامة عبد الفتاح أبو غدة.
[7] – ابن قيم الجوزية. “الفوائد”. الصفحة: 112.