علم عَدِّ الآي، تعريفه وأهميته وفوائده
أولا: تعريفه:
أ- لغة: العد إحصاء الشيء، عدَّهُ يعُدُّه عدّاً، وتعدادا، يقول ابن فارس: العين والدال أصلٌ صحيحٌ واحدٌ لا يخلو مِن العدّ الذي هو الإحصاء”[1]، والعد: مقدار ما يُعدُّ أو مبْلغُه، والجمع أعداد، والمعدُودُ ما وقع عليه العدُّ، تقول: عددتُ الشيء أعُدُّه عدّاً فأنا عادٌّ، والشيءُ معدودٌ، قال الأخفش: “ومنه قوله تعالى: “جمع مالا وعدده “[الهمزة:2]، أي: جعله ذا عدد”.[2]
والآي: جمع آية، وهي العلامة، وسميت الآية من القرآن آية؛ لأنها علامةٌ لانقطاع كلام من كلام،[3] وتطلق على الجماعة، تقول: جاء القوم بآيتهم، أي: بجماعتهم، قال الجوهري: “ومعنى الآية من كتاب الله تعالى جماعةُ حُروفٍ”[4]، وهي: قرآنٌ مركَّب مِن جملٍ ولو تقديراً ذو مبدأ ومقطع مندرج في سورة.[5]
ب-اصطلاحاً:
علم عدِّ الآي: “فنٌّ يُبحث فيه عن سور القرآن وآياته من حيث بيان عدد آي كلِّ سورة ورأسِ الآية ومبدئها، وما اختلف في عدِّه منها، معزواً لمذاهب أهله”.[6]
ثانيا: أهمية علم عدِّ الآي، وفوائده وآثاره:
عِلم عدِّ الآي عِلمٌ يُبنى عليه معرفةُ مواضع رؤوس الآيات القرآنية وتعدادها، وما اتفق وما اختلف عليه منها، فهو متعلِّق بالقرآن الكريم، وكلُّ علمٍ يشرُف بشرف متعلَّقه، فهو مِن أعظم الوسائل لحفظ كتاب الله عز وجل، إذ هو اشتغال بحصر آيات القرآن الكريم وإحصاء عددها، وبيان مواضعها.
اهتم به صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ثم مَن بعدهم مِن التابعين وأئمة القراءة؛ تعظيماً للقرآن الكريم؛ وصونا له من الزيادة والنقصان.
يقول الإمام الشاطبي:
ولما رأى الحفاظ أسلافهم عنوا بها دونوها عن أولي الفضل والبر
أي: لما رأى حفّاظُ القرآن عظيم اهتمام أسلافهم من الصحابة والتابعين بعد الآي نشطت هممهم لجمع قواعده، وتأليف فرائده.
ويقول أبو عمرو الداني: “وكان الذي دعاهم إلى ذلك مع ما فيه من تعظيم القرآن وتبجيله، وحياطته مِن مدخل الزيادة والنقصان فيه؛ التعريف بما لقارئ القرآن إذا هو تلاه كلَّه، أو بعضه، مِن الحسنات إذ كان له بكلِّ حرفٍ منه عشر حسنات”.[7]
وقد اعتنى أئمة القراءة بعلم عدّ الآي حتى أصبح يشار إليهم بالبنان، وينسب إليهم العدّ في مكة والمدينة والكوفة والبصرة، وفي غيرها من بلدان أهل الإسلام .
ولا غرو في ذلك فقد كان هذا العِلمُ عليه مدار تحديد مقدار التعلّم للآيات إبان التلّقي من النبي صلى الله عليه وسلم فالصحابة كانوا لا يتجاوزون العشر الآيات حتى يتعلّموا ما فيها من العِلمِ والعمل.[8]
وجاءت الإشارة في أحاديث نزول الوحي إلى اعتبار العدد في المنزَّل على النبي صلى الله عليه وسلم، حيث تقول عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك: “فأنزل الله تعالى: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم﴾ [النور: 11] العشر الآيات كلَّها”.[9]
وكان الصحابة الكرام يقدِّرون توقيت عبادات النبي صلى الله عليه وسلم بقدر عدد الآيات، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “تسحّرنا مع رسول الله ثم قام إلى الصلاة، فقيل: كم كان بين الآذان والسَّحور؟، قال: قدرُ خمسين”[10].
وفي السنة المطهرة ورد تحديد الأجر والثواب بقراءة عدد من الآيات معين، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة فقال: “أيّكم يحبّ أن يغدو كلَّ يوم إلى بُطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كَوْمَاوَيْنِ في غير إثمٍ ولا قطع رحِم، فقلنا يا رسول الله نحبُّ ذلك، قال: “أفلا يغدو أحدُكم إلى المسجد فَيَعْلَمَ أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خيرٌ له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومِن أعدادهِنّ من الإبل”.[11]
وورد اهتمام الصحابة بالعدّ بعقده بالأصابع في الصلاة، فقد ورد عن ابن عمر وابن عباس وعائشة أنهم كانوا يعدُّون الآي في الصلاة[12].
ثالثا: فوائد علم عدِّ الآي:
- معرفة عدِّ الآي يوصل إلى إدراك الأجر والثواب المترتب على قراءة عدد معين من الآيات القرآنية، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال”.[13]
- معرفة عدّ الآي يوصل إلى اتّباع السنة فيما جاءت به من تحديد قراءة عدد معين من آيات القرآن في بعض العبادات كالصلاة والأذكار وغيرها، فعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة آية”.[14]
رابعا: آثار علم عدّ الآي:
أ-في علم القراءات:
تظهر صلته به جليّة في باب الإمالة، عند إمالة رؤوس الآي في السور الإحدى عشرة المفصّلة في بابها لأبي عمرو البصري، وورش عن نافع، حيث من أصول قراءتهما تقليل رؤوس آي هذه السور قولاً واحداً، فلو لم يعرف القارئ رؤوس الآي، والعدد المعتمد في رواية ورش، وهو العدد المدني الثاني، ويعرف العدد المعتمد في قراءة أبي عمرو؛ وهو العدد البصري، أو المدني الأول لما استطاع معرفة ما يقلَّل باتفاق أو باختلاف.[15]
ب-في الأحكام الفقهية:
عدّ الآي ارتبط بأحكام تتعلق بفقه الصلاة، وفريضة الجمعة، واعتبرت صحتها بقراءة عدد معين مِن آي القرآن، وهي كالتالي:
- اعتبار العدد في صحة خطبة الجمعة، وقراءة آية كاملة في إحدى الخطبتين، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن قراءة القرآن في الخطبة ركن لا تصح إلا بها، واختلفوا في مقدار القراءة، فأوجب المالكية[16] والشافعية[17] ورواية عن أحمد[18] وهو الصحيح عند أصحابه، قراءة آية تامة في الخطبة سواء كانت طويلة أو قصيرة، مستدلين بحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: “كانت صلاة رسول الله قصداً وخطبته قصداً يقرأ آيات مِن القرآن، ويذكَّر الناس”[19]؛ وذهب الحنابلة إلى أنه يجزئ ما دون آية إذا استقلَّ بمعنى،[20] وذهب الحنفية إلى أن أقله ثلاث آيات، أو آية طويلة،[21] وعلى هذا فكيف يستطيع الخطيب أن يطبق ذلك دون التيقن من معرفة عدّ الآي.
- اعتبار العدد في معرفة ما تجزئ قراءته بعد الفاتحة في الصلاة، حيث ذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، إلى أنه يسن للمصلي أن يقرأ شيئاً من القرآن بعد الفاتحة، ونص بعضهم على تعيين قراءة آية واحدة، بشرط أن تكون طويلة، أو قراءة سورة قصيرة قدرها ثلاث آيات.[22]
ج-في علوم القرآن:
اعتبار العدد في تحديد القدر المعجز من القرآن الكريم، حيث نص عدد من العلماء على أن الإعجاز لا يقع بأقل من ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة تعادلها، فما لم تعرف الآية لا يمكن أن نقف على القدر المعجز من القرآن.[23]
[1] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 4/29.
[2] لسان العربـ ابن منظور، 4/2833.
[3] العين، الخليل، 8/441.
[4] الصحاح في اللغة، الجوهري، 6/2275.
[5] عزاه السيوطي للجعبري في الإتقان، 1/230.
[6] الميسر في عد آي القرآن، أحمد شكري، ص10.
[7] البيان في عد آي القرآن، أبو عمرو الداني، ص75.
[8] مسند أحمد، 38/466.
[9] صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، 6/101.
[10] صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر، 2/29.
[11] صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن في الصلاة وتعلمه، 1/552.
[12] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، 13/577.
[13] صحيح مسلم، كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت الظهر عند الزوال، 1/114.
[14] صحيح البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت الظهر عند الزوال، 1/114.
[15] النشر في القراءات العشر، ابن الجزري، 2/48.
[16] حاشية الدسوقي، 1/379.
[17] المجموع للنووي، 3/375.
[18] المغني لابن قدامة، 2/226.
[19] صحيح مسلم، كتاب صلاة الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، 3/11.
[20] المغني لابن قدامة، 2/226.
[21] المبسوط للسرخسي، 2/26.
[22] مغني المحتاج للشربيني، 1/162.
[23] إعجاز القرآن للباقلاني، ص254، مناهل العرفان للزرقاني، 2/334.