منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الهدي النبوي في رجب وشعبان

الدكتور أحمد الإدريسي

0

الهدي النبوي في رجب وشعبان.

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى ءاله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

من الهدي النبوي في رجب وشعبان؛ الاستعداد لرمضان، والإكثار من الدعاء والعبادة، خاصة الصيام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الصيام في شعبان استعدادا لرمضان، ويستحب الدعاء “اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان”.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل شعبان وعليه بقية من صيام تطوع لم يصمه قضاه في شعبان حتى يستكمل نوافله بالصوم قبل دخول رمضان – كما كان إذا فاته سنن الصلاة أو قيام الليل قضاه – فكانت عائشة حينئذ تغتنم قضاءه لنوافله فتقضي ما عليها من فرض رمضان حينئذ لفطرها فيه بالحيض وكانت في غيره من الشهور مشتغلة بالنبي صلى الله عليه وسلم.

أولا: من الهدي النبوي في شهر رجب.

– الدعاء: عند دخول شهر رجب يستحب الدعاء بـ “اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان”، مع عدم اعتقادها سنة لازمة، لكنها دعوة حسنة.

– قال ابن رجب رحمه الله : (… وأفضل التطوع ما كان قريب من رمضان قبله وبعده، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده ، فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة فكذلك يكون صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بَعُد عنه).

– شهر رجب من الأشهر الحرم التي نهانا الله عن ارتكاب المعاصي فيهن، وفضل رجب داخل في عموم فضل الأشهر الحُرُم.

– التوبة والاستعداد: رجب وشعبان فترة للتهيئة النفسية والعزم على استغلال رمضان.

ثانيا: من الهدي النبوي في شعبان.

وردت آثار كثيرة في هدي النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان، منها:

– عن عائشة رضي الله عنها، قالت : (ما علمته –تعني النبي صلى الله عليه وسلم– صام شهرا كله إلا رمضان)[1].

– عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: (كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلا)[2]. وقد رجح بعض العلماء منهم ابن المبارك وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستكمل صيام شعبان، وإنما كان يصوم أكثره.

– قال ابن حجر رحمه الله : كان صيامه في شعبان تطوعا أكثر من صيامه فيما سواه وكان يصوم معظم شعبان.

– عن عائشة رضي الله عنها قالت : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر إلا رمضان وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان)[3].

– عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: (قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟، فقال: “ذاك شهر تغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم”)[4].

فقوله عليه السلام؛ “شعبان شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان”: يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان –الشهر الحرام وشهر الصيام– اشتغل الناس بهما عنه ، فصار مغفولا عنه، وبعض الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيام شعبان لأن رجب شهر حرام، وهو ليس كذلك.

وفيه أيضا  دليل على استحباب عِمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وكذلك فإن العمل الصالح في أوقات الغفلة أشق على النفوس، ومن أسباب أفضلية الأعمال مشقتها على النفوس لأن العمل إذا كثر المشاركون فيه سهُل، وإذا كثرت الغفلات شق ذلك على المتيقظين، وعند مسلم من حديث معقل بن يسار: “العبادة في الهرْج كالهجرة إلي”، ويعني أن العبادة في زمن الفتنة؛ لأن الناس يتبعون أهواءهم فيكون المتمسك يقوم بعمل شاق.

ثالثا: فضائل الصيام في شعبان.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم كثيرا في شهر شعبان، وفي صومه تنبيهٌ للناس إلى فَضل هذا الشهر العظيم؛ حتى لا يغفلوا عنه؛ لأنّه يأتي بين رجب، ورمضان، كما أنّ الأعمال تُرفَع في شعبان، فيُرافق عَرْضها على الله صيام العبد، وفي صيام شعبان تدريبٌ للنَّفس، وإعدادٌ لها لصيام رمضان.

قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم، وأفضل التطوع ما كان قريب من رمضان قبله وبعده، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده، فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة فكذلك يكون صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بَعُد عنه.

ولعل الحِكمة في إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من صيام شعبان، كما قال بعض العلماء، ومنهم ابن بطّال إلى أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم إنّما كان يُكثر من صيام شهر شعبان؛ لانشغاله بسبب سفره، أو نحوه عن صيام الأيّام الثلاثة من كلّ شهر؛ فيصوم الأيّام التي فاتَته كلّها في شعبان، وقِيل إنّ صيامه شعبانَ كان تعظيماً لرمضان، وقِيل إنّه كان يصوم مع زوجاته اللاتي كُنَّ يقضين ما عليهنَّ من رمضان في شعبان.

خاتمة:

لما كان رجب وشعبان كالمقدّمة لرمضان فإنه يكون فيه شيء مما يكون في رمضان من الصيام وقراءة القرآن وذكر الله تعالى، والصدقة، وقال سلمة بن سهيل: شهر شعبان شهر القراء، وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال هذا شهر القراء، وكان عمرو بن قيس المُلائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن.

وفي الختام نذكر؛ من بقي عليه شيء من رمضان الماضي فيجب عليه صيامه قبل أن يدخل رمضان القادم، ويُكره التأخير إلى ما بعد رمضان القادم إلا لضرورة، ومن قدر على القضاء قبل رمضان ولم يفعل فعليه مع القضاء بعده التوبة وإطعام مسكين عن كل يوم[5].

اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان،

ءامين، والحمد لله رب العالمين.


[1] – رواه الإمام مسلم.

[2] – رواه الإمام مسلم.

[3] – رواه الإمامان البخاري ومسلم.

[4] – رواه الإمام النسائي. ويُنظر: صحيح الترغيب والترهيب ص 425.

[5] – وهذا رأي الجمهور؛ ومنهم الأئمة مالك والشافعي وأحمد، وغيرهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.