منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عبد السلام “صوت غزّ-ة الصدّاح”.. وتسألني ما العمل؟!

عبد الرحمن خيزران

0
عبد السلام “صوت غزّ-ة الصدّاح”.. وتسألني ما العمل؟!
بقلم: عبد الرحمن خيزران
قطعا سيكون من أوائل المبكِّرين غدا الأحد إلى باب الأحد، لا ليصطف في صف من صفوف مسيرة الرباط مشاركا وصادحا ومنددا فقط، بل ليعتلي منصته التي ألفها وألفته “فوق الهوندا”، رافعا الشعار، مُحفّزا مشجعا على المشاركة بقوة، متزعما متقدّما مشهد التضامن.
هكذا هو، وهذا ما اختاره لنفسه منذ انطلق الحراك المغربي الداعم لمعركة طوفان الأقصى، لم يهدأ ولم يتخلف وما لانت له قناة؛ أمس الجمعة كان في موقعه الطبيعي، أمام المسجد الكبير بالحي المحمدي يُنظّم وينسق ويرفع الشعار والدعاء، وقبل أسبوعين -يوم منع الإفطار المقدسي بعين السبع- كان متقدما مجادلا ثابتا مواجها عسف السلطة وشطط قواتها.
عبد السلام فهيد، شاب مغربي بسيط في الثلاثينات من عمره، يحمل بدوره هم أسرة وولد ومشاغلهما، ويقع تحت ضغط الحياة الاجتماعية التي يقع تحتها كل شاب مغربي، لكن سكَنَه هم الأمة وفلسطين، وأعمل في ضوء الإبادة الجارية فقه الأولويات، واستجاب لداعي الله بالنصرة والأخوة والذود عن المستضعفين، حتى سطع كواحد من أبرز “أيقونات” منطقة الحي المحمدي بمدينة الدار البيضاء في دعم غزة وفلسطين، رافضا المحرقة والإبادة، مواجها الاستسلام لمؤامرة الصمت وتواطؤ التعوّد، ومجابها نغمة التصهين التي تريد أن تجعلنا مسخا آخر.
استوقفني أنه طيلة هذا العام وتسعة أشهر واصل سيره القاصد وسعيه الحثيث، لم يتراخ البتة بل كان دائما في المقدمة، هو ورفيقه الآخر صاحب الصوت الجهور والكلمة القوية حسن أبو القاسم، حتى إنه:
– فقد والده، ورغم ألم المصاب سرعان ما عاد ليقود المسير، ثم لم تستطع أمه الصبر على فراق زوجها فالتحقت به في زمن لا يتعدى الأربعين يوما، فما فتح للحزن كُوّة إلى داخله تُبطِّئه عن الفعل وتدعوه إلى التراخي ولو لبعض الوقت، بل لملم الجراح راضيا بقضاء الله وقدره، حاملا حزنه في قلبه ميمّما وجهته صوب الساحات والشوارع والمساجد، يواصل أداء الواجب، ويقيم الحجة على كثير من المتثاقلين والمتباطئين.
– وفور عودته من أداء مناسك الحج قبل أسابيع (ويا للعجب كيف ساقه المولى الكريم إليه من غير سابق سعي ولا استعداد، كأنه بعضُ جزاء على صنيعه الكبير!)، انسلك سريعا في المشهد الاحتجاجي، وذهب رأسا إلى مكبر الصوت وسط الجموع، ليملأ مكانه الذي ظل شاغرا، وليرسم مجددا رسالته البليغة: يمكنك أن تواصل سيرك وحياتك، ستأكل وتسافر وتفرح وتحزن… ولكن، لا تنس أن لك واجبا صوب إخوانك المحاصرين المقتّلين، وأنك مسؤول بين يدي الله عن ماذا قدمت لهم ولمسرى نبيك وقبلتك الأولى، وأنك أمام الاختبار والاختيار، فاختر لنفسك.
عبد السلام رافع الشعارات، وحسن صاحب الكلمات، وزكرياء حامل المصوّرة، وأيوب الملوّح بالأعلام، ورشيد الذي سخّر سيارته البسيطة جدا جدا جدا لحمل اللافتات ومكبر الصوت لم يمنعه صغرها ولا شكلها ولا إمكانية توقيفها عند كل حاجز…. ومثلهم مئات بل آلاف الشباب والشابات لم يرتضوا كرسي السلبية، ولا شُرفة المشاهدة، لم تخوفهم التهديدات الأمنية الصريحة والمبطنة، ولم تشغلهم مشاغلهم الحياتية اليومية عن واجبهم (وهو أقل الواجب) الديني والأخلاقي والإنساني تجاه فلسطين وغزة والقدس والأقصى.
عبد السلام، وهؤلاء جميعا، من عرفناهم ومن لم نعرفهم، يقدمون جوابا عمليا عن السؤال المستسلم: ما العمل؟
العمل كثير، قد يبدأ من شاب يقود التظاهرات والشعارات اسمه عبد السلام فهيد، ولا ينتهي عند شاب طبيب يلج غزة ومستشفياتها لعلاج الأطفال والتخفيف عن عذاباتهم اسمه أنس شباعتا. وبينهما مساحة واسعة جدا من الفعل الذي يمكن أن تُحدثه والوسع الذي تبذله، لعلك ولعلي ننجو من خصومة أبي عبيدة وأطفال ونساء غزة وفلسطين بين يدي الحكم العدل في يوم العرض العظيم.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.