آن للعلماء أن يقولوا كما قال السحرة: فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ
بقلم: د. ابراهيم بومسهول
في زمن تتكالب فيه قوى الشر على الحق، وتستباح فيه الدماء بغير وجه حق، يعلو صوت الضمير الحي مستنهضًا فئةً هم ورثة النبوة، وحملة مشعل الهداية، وهم العلماء.
كيف لا، وهم الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر”؟
لكن أي علم هذا الذي ورثوه؟ وأي ميراث يحملونه؟
إنه العلم النبوي الخالص، الذي جمعه الله في قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157]
فأساس العلم النبوي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أعظم المنكرات التي جاء الإسلام لهدمها قتل النفس بغير حق. قال تعالى:
﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]
فإذا كان قتل نفس واحدة منكرًا عظيمًا، فكيف بإبادة شعب بأكمله؟
إن ما تتعرض له غزة اليوم أكبر منكر وأعظم جريمة وأشنع طغيان، فهي إبادة جماعية مكشوفة على مرأى ومسمع العالم.
وهنا يستحضر المؤمن موقف سحرة فرعون، الذين كانوا بالأمس أدوات في يد الطاغية، فلما رأوا الحق جليًّا، انقلبوا في لحظة إلى أنصاره، متحدّين السلطان الجائر بقلوب ثابتة وألسنة صادعة:
﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: 72]
لم يكونوا أنبياء، ولا علماء شريعة، لكنهم لما تبين لهم الحق، تركوا كل مكاسب الدنيا، واختاروا الموت على أن يركعوا للباطل.
فكيف بالعالم الذي ورث علم النبوة، ويعرف الحلال والحرام، ويدرك الفرق بين الحق والباطل؟
كيف به يسكت أو يبرر، أو يساوي بين الجلاد والضحية، بينما دماء الأطفال والنساء في غزة تصرخ في وجهه؟.
إن العالم الصادق هو الذي يصدع بكلمة الحق، ويقف في وجه الطغيان، ولو أغضب السلطان، أو خالف هوى الجماهير.
أما من يسكت عن إبادة غزة أو يبررها، فإن العلم منه براء، لأنه خان ميراث النبوة، وأضاع الأمانة، وترك السفينة تغرق.
غزة اليوم مرآة لضمائر العلماء: فمن أنكر منكرها فقد صدق ميراثه، ومن سكت فقد خان أمانته.
لقد آن للعلماء أن يقولوا كما قال السحرة للطاغوت:
“فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ”.