منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الخطوات الشيطانية التي سلكها إبليس اللعين مع أبينا آدم عليه السلام لإضلاله | سلسلة خطبة الجمعة

بن سالم باهشام

0

الخطوات الشيطانية التي سلكها إبليس اللعين مع أبينا آدم عليه السلام لإضلاله | سلسلة خطبة الجمعة

بن سالم باهشام

خطيب الجمعة بمسجد أم الربيع خنيفرة المغرب سابقا

عباد الله، لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام من طين، ونفخ فيه من روحه، ليكون خليفة في الأرض، وشرفه على الملائكة بالعلم، وأسجدهم له سجود تكريم فسجدوا، لأنهم (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6]، ظهر على الساحة إبليس الذي لم يكن من الملائكة، وإنما كان من الجن، وحظي بصحبة الملائكة نتيجة مرتبة عبادته، إلا أنه اغتر بنفسه، وغلبته أنانيته، فرفض الانصياع لأمر الله بالسجود لآدم، فردّ الأمر على الآمر، وأظهر عداوته لبني لآدم، وأعلن بها؛ فأخرجه الله من جنته، وطرده من رحمته.. فأقسم اللعين من حينها بعزة الله، ليُضلّن بني آدم أجمعين، وليُغوينهم، وليقعدنّ لهم بكل طريق مستقيم، وليسلُكن في إضلالهم كل السبل التي في إمكانه، قال تعالى في سورة ص: ( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [ص: 82، 83]، وقال في سورة الأعراف: (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) [الأعراف:16،17]، وقال في سورة النساء: (لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا. وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) [النساء:116، 117].
عباد الله، من رحمة الله بعباده، أنه سبحانه وتعالى علم أن الكثير من الناس قد تغيب عنهم عداوة إبليس لهم، وتربصه بهم، وخطواته الماكرة، فذكّرهم بها في القرآن الكريم في آيات عديدة؛ قطعا للمعاذير، وإقامة للحجة على الخلق أجمعين، فقال سبحانه في سورة فاطر: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [فاطر:6]، وقال سبحانه لآدم عليه السلام في سورة طه: (إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ) [ طه:117].

عباد الله، لم يكن توعد الشيطان لبني آدم مجرد تهديد كلامي، وإنما كان لعنه الله خبيثا في إغوائه، ماكرا في إضلاله، يستعمل الأيمان الكاذبة، والمقاييس الفاسدة، والمداخل المحبَّبة إلى النفوس، مع خبرة عجيبة بمكامن ضعف الإنسان، وتدرج مذهل للإيقاع به خطوة خطوة، وبهِمّة لا تعرف الكلل، وصبر لا يعرف الملل، فهو يوسوس ويُسوّل، ويخوف ويزين، ويُنسي ويُمَنّي؛ حتى يوقع العبد في شراكه، ثم يُحكم عليه نصب شباكه، فلا يستطيع منه فكاكا إلا أن يشاء الله.

عباد الله، لقد حكى الله لنا في القرآن الكريم الخطوات الخبيثة التي سلكها اللعين مع أبينا آدم؛ وأمنا حواء عليهما السلام، حتى حقق مراده، ونجح في خطته، فأخرجهما بمكره وخديعته من الجنة، فما هي هذه الخطوات الماكرة التي سلكها لعنه الله حتى نكون حذرين من الوقوع في شباكه، والكيس من اتعظ بغيره؟.

عباد الله، إن الله تعالى أسكن آدم وحواء الجنة ليتمتعا بنعيمها، وليختبرهما في مدى أخذ الحيطة من مكر الشيطان، فقال سبحانه وتعالى ممتنا عليهما ومحذرا لهما في سورة البقرة: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ، وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) [البقرة: 35 -–37]. أي؛ وقال الله: يا آدم اسكن أنت وزوجك حواء الجنة، وتمتعا بثمارها؛ تمتعًا هنيئًا واسعًا في أي مكان تشاءان فيها، ولا تقربا فقط هذه الشجرة، حتى لا تقعا في المعصية، فتصيرا من المتجاوزين أمر الله. فأوقعهما الشيطان في الخطيئة: بأنْ تدرجا معهما في خطواته حتى أكلا من الشجرة، فتسبب في إخراجهما من الجنة ونعيمها. فقال الله لهم بعد هذه التجربة الميدانية: اهبطوا إلى الأرض، يعادي بعضكم بعضًا – أي آدم وحواء والشيطان- ولكم في الأرض استقرار وإقامة، وانتفاع بما فيها إلى وقت انتهاء آجالكم.

عباد الله، عندما قال سبحانه وتعالى: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ)، فإنه سبحانه وتعالى اقتصر لنا على ذكر الخطوة الأخيرة من خطوات الشيطان الماكرة، والتي جاء تفصيلها في آيات أخرى، وهي خمس خطوات يجب أن نعلمها ونستوعبها ونحذر من الوقوع فيها، وهي النزغ، والوسوسة، والمس، والاستحواذ، والزلل.

عباد الله، إن آدم وحواء عليهما السلام، لم يُخلقا ليبقيا في الجنة، وإنما خلقا ليقوما بمهمة الخلافة في الأرض كما أخبر الله بذلك الملائكة مسبقا، فقال لهم كما جاء في سورة البقرة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة: 30]، وما فترة الجنة إلا فترة تجريبية امتحانية ليُثْبت الله لنا ولأبينا آدم من قبل أن الشيطان لنا عدو فعلينا أن نتخذه عدوا. وأن نحذر من خطواته والتي تبدأ بالنزغ، والنزغ في اللغة: الطعن السريع، فنقول: “نَزَغَهُ إِلَى فِعْلِ الْمَعَاصِي” : أي حَثَّهُ عَلَيْهَا، و”نَزَغَهُ بِكَلِمَةٍ” : أي طَعَنَ فِيهِ. ونَزَغَه حرَّكه أَدنى حركة، فالشيطان اللعين يعطيك في أول خطوة معلومة سريعة ويتركك، وبالنسبة لأبينا آدم عليه السلام، بعد اطلاع الشيطان لعنه الله على جوانب الضعف فيه؛ وجده يحب شيئين: الخلد، والحكم، فبدأه بالنزغ، إذ أعطاه في أول خطوة شيطانية معلومة سريعة بأن في هذه الجنة التي يسكن فيها مع زوجه، شجرة الخلد وملك لا يبلى، يقول سبحانه وتعالى في شأن هذه الخطوة وهو يربينا كيف نتعامل معها في سورة الأعراف: ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) [الأعراف: 200]، وفي سورة فصلت قال سبحانه: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) [فصلت: 36].

عباد الله، إن أكبر انتصار يحققه الإنسان في معركته مع الشيطان اللعين، أنه يدرك هذا النزغ، فيعرف أن هذه طعنة من الشيطان، فيحتمي بالله، ويستعيذ به سبحانه، فيعيذه الله، وينجو بذلك من مكره، أما إذا لم يدرك ذلك، فإنه سينقله إلى الخطوة الثانية والتي هي الوسوسة، ولخطورة الوسوسة، فإن الله سبحانه وتعالى أنزل سورة كاملة في شأنها وهي سورة الناس، وبها ختم القرآن الكريم، فقال سبحانه وتعالى فيها: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [الناس: 1 – 6]، ليقول لنا: انتبهوا من وسوسة الشيطان، والوسوسة عرّفها علماء اللغة بأنها حديث النفس بغير انفعال، والوسوسة: هي الكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع. [لباب التأويل، للخازن، بهامش تفسير البغوي، (6/230)]، من هنا يتبين لنا كيف أن المسألة تمشي بخطوات تبدأ بالنزغ وهي عبارة عن معلومة، وبعدها تكبر لتصبح وسوسة، وتبنى الفكرة، وقد نقل لنا القرآن هذه الخطوة التي مر بها أبونا آدم عليه السلام فقال في سورة طه: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ، قَالَ: يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) [طه: 116 – 120].

عباد الله، بعد الوسوسة تأتي الخطوة الثالثة والتي سماها القرآن الكريم بالمس، وفي هذه الخطوة يعيد الشيطان الفكرة نفسها، حتى تصبح الفكرة انفعالا، وفي هذه الخطوة  يأمرنا سبحانه وتعالى بالمبادرة بالرجوع إليه، وعدم التمادي والاستمرار في خطوات الشيطان، ويمدح الأصناف الذين يفطنون لمكر الشيطان فيتيقظوا، فيقول في سورة الأعراف: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) [الأعراف: 201]، أي إن الذين اتقوا الله مِن خلقه، فخافوا عقابه بأداء فرائضه واجتناب نواهيه، إذا مسهم عارض من وسوسة الشيطان، تذكَّروا ما أوجب الله عليهم من طاعته، والتوبة إليه، فإذا هم منتهون عن معصية الله على بصيرة، آخذون بأمر الله، عاصون للشيطان.

عباد الله، إذا لم يتراجع الشخص عند هذه الخطوة الثالثة، فإن الفكرة تستحوذ عليه، وتبدأ تكبر، وتبدأ الانفعالات، فينتقل إلى الخطوة الرابعة التي هي الاستحواذ، وفي شأن هذه الخطوة قال تعالى في سورة المجادلة: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ) [المجادلة: 19]، وعندما يصل الإنسان إلى هذه الخطوة، ينسى ذكر الله، إذ تغلق عليه نافذة الفكرة (فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ) [المجادلة: 19].

عباد الله، إن هذه الخطوات مثل الحمل، فإذا اكتمل الحمل، لابد أن يصدر من هذا الآدمي فعل. وهي الخطوة الخامسة والتي سماها القرآن بالزلل، قال تعالى في سورة آل عمران: (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) [آل عمران: 155]، أي إنما أوقعهم الشيطان في هذا الذنب ببعض ما عملوا من الذنوب، فالزلل يأتي بعد استحواذ الفكرة على الإنسان، وإذا تكرر الزلل من الإنسان يصبح هوى، وعند مرحلة الهوى، يصبح الشيطان هو الآمر، والشخص هو المستجيب المطيع الذي لا يناقش، مصداقا لقوله تعالى في سورة النور: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [النور: 21]، هنا تتجلى درجة الهزيمة التي يصل إليها الشخص، بحيث أن الشيطان يأمر، والشخص يلبي، وهذه هي العبودية للشيطان والتي نهى عنها القرآن الكريم في سورة يس: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) [يس: 60 – 62].

عباد الله، هذه هي خطوات الشيطان الخمسة والتي هي:  النزغ، والوسوسة، والمس، والاستحواذ، والزلل. فلنأخذ الحيطة والحذر من الوقوع في الخطوة الأولى والتي هي النزغ، ولنحاربها بالمحافظة على الصحبة والجماعة، بحيث لا أفارق صحبة إخوتي في الله مهما كانت الظروف، وعلى الصلوات الخمس في وقتها مع الرواتب القبلية والبعدية، وعلى ورد القرآن وأدعية التحصين وأكل الحلال وغض البصر. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.