الطريق إلى المدينة
بقلم: عبد الباري الحساني
أكان عبثا أن يختار الله تعالى يثرب من بين القبائل والمدن لتكون دار هجرة الرسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم الرسل والرسالات.
أكان عبثا أن يجد الأحبار والرهبان والقساوسة في كتبهم صفات النبي وصفات الرسالة وصفات الأتباع وصفات المبعث وكذالك صفات دار الهجرة؟
بما تمتاز هذه المدينة من غيرها من الأحياء والقبائل التي هي أقرب إلى مكة وأشد صلة وربما أكثر عدداً وسلاحاً.
أم أن الأمر فاق القرب والعدد والسلاح إلى مناح أخرى رأت في المدينة وأهلها وترابها أن يكون خصبا لاستقرار معاني الدين الحنيف والرسالة العالمية.
يقولون أن أهل المدينة ألين قلوباً وأرأف طباعاً وأنقى عقولاً وأبعد تعصباً وهم أقرب لقبول الرسالة الخاتمة ونبيها وأصحابها.
نعم كانت يثرب تحمل مقومات دار الهجرة، إذ كانت تحتوي على قبيلتين من أشهر قبائل العرب وهما: ( الأوس والخزرج )، قوم مرسوا التعايش مع أجناس شتى من نصارى ويهود، وتمرينوا كذالك على القتال وذاقوا من ويلاته وضجروا من نتن التعصب والحمية الجاهلية ورفع الريات الهوجاء للقتال فيما بينهم، فقد كان يوم بعاث يوما بئيسا لكلا الطرفين، قتل فيه من الجانبين العدد الكبير وقيل فيه من شعر الحماسة والهجاء والرثاء ما تدمع له الأعين وتحترق من ناره الأكباد، حتى إنه ما خلا بيت في يثرب من قتيل أو جريح أو عليل على الفراش طريح.
حروب الاوس والخزرج
كثرت الحروب بين الأوس والخزرج ومنها:
- حرب صفينة.
- حرب أصم بني قينقاع أو حصور بني قينقاع.
- حرب يوم الرحابة.
- حرب السرارة.
- ربيع الظفري.
- حرب سمير وهي أول حرب وقعت بين قبيلتي الأوس والخزرج.
- حرب الحصين.
- فارع حصن لبني النجار.
- البقيع وهو بقيع الغرقد الشهير.
- الفجار الأول: وسميت بذالك لقتلهم الغلمان 11 الفجار الثاني
- بعاث.
يوم بعاث
” بعاث ” هو موضع يقع بالقرب من المدينة المنورة وهي كانت آخر معركة بين الأوس والخزرج وكانت قبل الهجرة بخمس سنوات.
لقد خاض الأوس والخزرج إثنا عشر معركة ولم تنتهي الحرب بينهما إلا بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تكن المدينة في استقرار ونظام لأن المكونين الرئيسين دائما في حروب ومعارك، ولذا كانوا لا يشتغلون بالتجارة كما هو حال قريش.
كان زعيم الخزرج يوم بُعاث هو: عمر بن النّعمان بن صلاءة بن عمرو بن أميّة بن عامر بن بياضة، وساعد الخزرج يومها الأشجع من قبيلة غطفان وجهينة من قبيلة قضاعة، بينما كان زعيم الأوس يوم بُعاث حُضير الكتائب بن سمّاك بن عتيك بن امرؤ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، وعاونهم مزينة من أحياء طلحة بن إياس، وتحالفوا أيضاً مع بني قريظة وبني النضير، وانتهت الواقعة بانهزام الخزرج وانتصار الأوس، وتم قتل زعيم الخزرج عمرو بن النّعمان، وقُتل كذلك زعيم الأوس حُضير الكتائب بن سمّاك.
انهزمت الخزرج في بعاث ولكنهم تصالحوا وتفقوا على نبذ الحرب والقتال.
إن قوما ببسالتهم وفطرتهم العربية السليمة وامتداد أصلهم العريق يئسوا التنافر والتنابز وطمعوا في لمِّ ما تفرق وتوحيد ما تمزق ورمي وطرح كل دعوى الجاهلية وما يتبعها أو يتعلق بها.
بعد بعاث وضعوا السلاح وقرروا الصلح والسلام والمهادنة تحت راية واحدة رغم عللها إلا أنه يبقى حلا مفروضا طالما يقي من شر الصارم البتار ومن شر تقاتل أبناء العم والجار.
ولكن أنى لهذه الهدنة أن تستمر أو تطول مع مثل هذا حل، ولا سيما مكان متأجج من يثرب بنخوة أهلها وقوة سواعدهم وسرعة حميتهم وفصاحة ألسنتهم وسوء جوارهم من اليهود الذين كانوا يشعلون نار الفتن والجولات من الحرب كلما أرادوا ببيت من الشعر يغضب هذا ويؤجج حمية ذاك.
نعم مع تلك الإجابيات لسكان يثرب كان هناك عقبات تحتاج ليد خبيرة لطيفة حكيمة ولرابط قوي يربط بين هاته القلوب المتنافرة.
اليهود في المدينة
وكانت يثرب “المدينة المنورة” تضم تجمعا يعد من أكبر تجمعات اليهود في شبه الجزيرة، ويتوزع في ثلاث قبائل:
بني النضير،وبني قريظة، وبني قينقاع.
الأولى والثانية كانتا من الكهنة ويقال لهما بنو هارون.
ورغم ذلك لم يكن عددهم كبيرا، فلم يكن يتجاوز عدد المقاتلة في القبائل الثلاث ألفي شخص، مما يعطينا صورة تقريبية عن عددهم الكلي.
وهذا ما يفسر خسارتهم السيادة والنفوذ لصالح القادمين الجدد من الأوس والخزرج.
كان اليهود تجار سلاح، وكانوا يربحون أموالاً طائلة من الحرب بين الأوس والخزرج، ودخلوا في تحالف مع الاوس والخزرج فدخلت بنو قريظة وبنو النضير في حلف الأوس، ودخلت بنو قينقاع في حلف الخـزرج.
فإذا قامت الحرب بين الطرفين تقاتل اليهود مع بعضهم، وفي التورية نهي عن أن يقاتل اليهودي أخاه، فكانوا يشتركون في القتال فإذا انتهت الواقعة ووقع بعض اليهود في الأسر بادروا إلى افتدائهم وهذا من التلاعب الكثير الذي كان عند اليهود.
قال تعالى:
وإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. البقرة
لم يكن في مصلحة اليهود أن يتصالح الفريقان، ولذا كانوا لا يفترون من إشعال فتيلها وإثارة الفتن بينهم وهذا مان يشكل عقبة كؤوداً أمام أهل يثرب في تحقيق التعايش السليم.
في المقابل كانت صفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم وبجانبه صفات دار هجرته باعتبار أن لكل نبي هجرة تفرضها طبيعة الدعوة والرسالة ومبدأ التدافع بين الحق والباطل، وإصرار الكفر ببغيه والإيمان بثباته.
كان أهل يثرب من الأوس والخزرج كثيراً ما تتراشق هاته النبوءات إلى أسماعهم على وقع التهديد والوعيد من طرف اليهود الذين كانوا يلعبون على أوتار الصراع بين الطرفين قائلين:
” ويل لكم من نبي يبعث في آخر الزمان نتبعه نقتلكم معه قتل عاد وإرم “
” نبي” ” نبي ” كلمات جديدة تقرع أسماع أهل يثرب من كلا الطرفين.
في ” بعاث ” لقي صناديد الأوس والخزرج مصارعهم وقتل زعيم الأوس وكذالك زعيم الخزرج، قال ابن كثير في البداية والنهاية:
( يوم بعاث: وقعة عظيمة، قُتل فيها خلق من أشراف الأوس والخزرج وكبرائهم، ولم يبق من شيوخهم إلا القليل).
لقد رحلوا ورحلت معهم رايات العصبية والحمية الجاهلية وحب السيادة والزعامة والمزايدة على أبخس الأشياء ليظل من الجانبين من حسنت معادنهم وصفت عقولهم وارتفعت أخلاقهم وترفعت سواعدهم من أن تزهق دما بغير ثمن مستحق.
قلوب عاشقة للحق تبتغيه وترتبط به بفطرتها، نجزم بهذا بشدة سرعتهم بقبولهم للإسلام واعتناقهم للدين الحنيف.
أستأنس بهذا الخبر أنه صلى الله عليه وسلم قال:
” أسلمت الملائكة طوعا، والأوس والخزرج طوعا وجميع العرب كرها “
( ذكره الهيثمي في المجمع وعزاه للطبراني عن شيخه علي بن معين وقيل فيه لين وبقية رجاله ثقات ).
عن عائشة رضي الله عنها قالت: ” كان يوم بعاث يوماً قدمه الله لرسوله، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد افترق ملؤهم وقتلت سرواتهم – يعني: وجرحوا – قدمه الله لرسوله في دخولهم في الإسلام “. [ أخرجه البخاري]
في مكة كان هناك الداعية المجاهد يكابد سياط الجلاد، ويبني الرجال، في مكة كان صلى الله عليه وسلم كل حين يخرج داعيا ومبشراً ونذيراً يلتقي بالأفراد والجماعات، يقمع هنا ويسب ويشتم هناك، ويطرد من هذا الحي وذاك.
أمام هذا القمع والشتم والطرد سار صلى الله عليه وسلم مسيرة ثابت ثابر موجها النداء للقبائل يدعوهم فيه إلى الله تعالى.
بدأ صلى الله عليه وسلم بعرض نفسه على القبائل في السنة الرابعة للبعثة، واستمر في عرض الدعوة على القبائل في مواسم الحج مستفيداً من تجمعهم، حيث تأتي القبائل إلى مكة للحج وتحصيل المنافع من تجارة وغيرها، وفي كل موسم يجدد الدعوة لهم، فكان يأتيهم قبيلة قبيلة يعرض عليهم الإسلام، ويقول: (يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي، وتصدقوا بي، وتمنعوني، حتى أبين عن الله ما بعثني به)
ولم يكن صلى الله عليه وسلم يسمع بقادم إلى مكة من العرب له اسم وشرف، إلا تصدى له، فدعاه إلى الله وعرض عليه ما عنده.
و كانت قريش تستقبل القبائل والقادمين بسب رسول الله وتوهين أمره حتى لا يقبلوا دعوته للإسلام، وكان عمه أبو لهب يتبعه ويلاحقه ويرد عليه ويصرف الناس عنه وكانوا ينشرون بين الناس والقادمين أنه ساحر وكاهن ومجنون.
ومن تلك القبائل التي دعاها النبي صلى الله عليه وسلم: بنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة، وفزارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، وسليم، وعبس، وبنو نصر، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعذرة.
وكان صلى الله عليه وسلم حكيما يخرج إلى القبائل في ظلام الليل، بعيدا عن عيون مشركي مكة المعادين للدعوة، مجداً في عرضه للدعوة، حيث يمهد لذلك كما فعل مع بني كلب فبدأ بقوله: (يا بني عبدالله، إن الله قد أحسن اسم أبيكم)
وعند أحمد عن جابر قال: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقول: (هل من رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي)، فأتاه رجل من هَمْدان فأجابه، ثم خشي ألا يتبعه قومه فجاء إليه فقال: آتي قومي فأخبرهم ثم آتيك من العام المقبل، قال: (نعم)، فانطلق الرجل وقد جاء الأنصار في رجب، وفي منى يروي علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: لما أمر الله نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى، حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، وتقدم أبو بكر وكان نسَّابة فقال: من القوم؟ فقالوا: من ربيعة، فقال: من أي ربيعة أنتم؟ قالوا: من ذهل، وكان معهم لقاء لم يثمر، كما روي أنه التقى بوفد لبني شيبان، فكان جوابهم بأنهم يمنعون رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب، ولا يستطيعون أن يمنعوه من الفُرس، فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه لا يقوم بهذا الدين إلا مَن يحوطه من كافة جوانبه)، وذكر ابن الأثير أسماء عدد من القبائل التقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: كندة ممثلة بسيدها مليح، فأبوا قبول دعوته وحمايته، وعرض الدعوة على قبيلة كلب، فلم يقبلوا ما عرض عليهم، وأتى بني حنيفة فكان ردهم عليه أقبح رد، وأتى بني عامر فقال رجل منهم: أرأيت إن نحن تابعناك فأظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء)، فقال: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا ظهرت كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك، ولما رجعت بنو عامر إلى ديارهم وأخبروا شيخهم خبر النبي صلى الله عليه وسلم ونسبه، وضع يده على رأسه، ثم قال: يا بني عامر، هل من تلاف؟ والذي نفسي بيده، ما تقوَّلها إسماعيليٌّ قط وإنها لحق؛ فأين كان رأيكم عنه؟
ولعل أقسى رحلة ومواجهة مع القبائل كانت مع الطائف والتي أمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها خيرا ورجا منها استجابة ولكن لم يكن الامر كما أحبه ورجاه صلى الله عليه وسلم.
خرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف في شوال سنة عشر من البعثة بعد وفاة عمه أبي طالب وزوجته أم المؤمنين خديجة- رضي الله عنها- فأقام بها عشرة أيام فلم يجيبوه وآذوه وأخرجوه، وقاموا له سماطين فرجموه بالحجارة حتى أدموا كعبيه، فانصرف عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى مكة. وفي طريقه لقي عداسا النصراني فآمن به وصدقه. وفي طريقه أيضا بنخلة صرف الله إليه نفراً من الجن سبعة من أهل نصيبين، فاستمعوا القرآن وأسلموا. وفي طريقه تلك أرسل الله إليه ملك الجبال يأمره بطاعته، وأن يطبق على قومه أخشبي مكة وهما جبلاها إن أراد فقال: لا بل أستأني بهم، لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا. وفي طريقه وهو مستظل بظل شجرة دعا الله بدعاء خاشع خاضع قائلا:
” اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، ياأرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين، إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني، أو إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.”
ثم دخل مكة في جوار المطعم بن عدي.
كانت تجربة الطائف قاسية ولكنها درس بليغ لكل داعية ناصح أن الدعوة تجارب وخطوات ثابتة وقلب نابض بالإيمان ويقين صادق مع الله تعالى.
الدعوة لا تقاس بالأرقام، فقد كان الجهد مضاعفا في الطائف والحصيلة الدعوية شخص واحد الغلام عداس.
إن التجارب تبني الرجال وتؤسس الدعوة.
” من يحملني إلى قومه فإن قومي منعوني أن ابلغ رسالة ربي ” بهذه الكلمات كان صلى الله عليه وسلم يخاطب الوافدين من القبائل إلى مكة في مواسم الحج.
في العام الحادي عشر من البعثة، وفي موسم الحج بالتحديد التقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشباب من الخزرج ودعاهم إلى الإسلام، فأخبروه أن بينهم وبين إخوانهم من الأوس حروباً ونزاعاتٍ، لعلّ الله يجمع كلمتهم بهذه الدعوة المباركة.
وقف هؤلاء النفر ليجمعوا الكلمات التي وخزت مسمعهم واستقرت في ذاكرتهم لتستدعي تلك النبوءات التي كانت اليهود في يثرب تتنبأ بها.
تناجوا وأسروا النجوى فيما بينهم قائلين: ” هذا النبي الذي كانت تتوعدكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه “
يا الله ما هذه السلامة في الفطرة وأي رقي فكري هذا؟ عربي خرج من توِّه من بعاث يتسابق لكي يتبع هذا النبي دون أن يعرف أصله وفصله وآباءه وأجداده وأعمامه وأخواله ليرى بأي منهم سيرتبط به ليكون ذالك فخراً له ومدعاة لحميته.
يا من له أدنى معرفة في الجاهلية ومدى افتخارهم بهذا الشيء واعتدادهم به، أما ترى هذا عجباً، ومع ذالك كان للنبي صلى الله عليه وسلم ارتباط دم بيثرب وأهلها فإن أخواله كانوا من بني النجار حي من أحياء يثرب.
بيعة العقبة
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب، كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيراً… فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن… فقال بعضهم لبعض: ياقوم، تَعَلَّمُوا والله إنه للنبي الذي تَوَعَّدكم به يهودُ، فلا تسبقنكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه».
[سيرة ابن هشام:ج 2 ص 428 و 429]
قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرثد بن عبدالله اليزني، عن عبدالرحمن بن عسيلة الصنابحي، عن عبادة بن الصامت، قال : ” كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلا، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف . فإن وفَّيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله عز وجل إن شاء عذب وإن شاء غفر.”
إلتقى هذا النفر من الخزرج بالنبي صلى الله عليه وسلم وقبلوا دعوته ومضوا وأمضى معهم من يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم كسفير للإسلام ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه مصعب بن عمير، ثم استقبلهم في العام المقبل وهم أكثر عدداً واستعداداً وفهماً وفقهاً وشوقاً ومعرفةً ونضجاً وقبولاً لضرورة الهجرة والرحيل، وهي ما تسمى ببيعة العقبة الثانية، وحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها على توطيد القول وتوضيح المطلب، وكذالك صنع عمه العباس إذ خاطب القوم بكلام مسؤول وكبير.
” حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عمه العباس، حيث أحب أن يستوثق منهم لابن أخيه؛ لذلك كان أول المتكلمين، فقال: يا معشر الخزرج، إن محمدًا منا حيث علمتم في عز ومنعة، وإنه أبى إلا الانقطاع إليكم، فإن كنتم ترون أنكم وافُون له بما دعوتموه إليه ومانعوه، فأنتم وذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلِموه فمن الآن فدعوه؛ فإنه في عز ومنعة، فقال الأنصار: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، وخذ لنفسك وربك ما أحببت.”
فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلا القُرْآن ورغب في الإسلام، قال: ( تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم)، ثم أخذ البراء بن معرور بيده وقال: والذي بعثك بالحق، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن أهل الحرب.
وقال ابن التيهان: يا رسول الله، إن بيننا وبين الناس حبالًا، وإنا قاطعوها – يعني اليهود – فهل عسيتَ إن أظهرك الله عز وجل أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: (وبل الدم الدم، والهدم الهدم، أنتم مني وأنا منكم، أسالم من سالمتم، وأحارب مَن حاربتم)، ثم قال: (أخرجوا إليَّ اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم)، فأخرجوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنتم كفلاء قومكم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم)، قالوا: نعم، ثم قال العباس بن عبادة: يا معشر الخزرج، هل تدرون علامَ تبايعون هذا الرجل؟ تبايعونه على الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلًا أسلمتموه، فمن الآن؛ فهو والله خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له فخذوه؛ فهو والله خير الدنيا والآخرة.
قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله؟ قال: (د)الجنة)، قالوا: ابسُطْ يدَك، فبايعوه”.
بنود بيعة العقبة الثانية
كانت بنود العقبة الأولى بنودا بسيطة تتناسب مع القوم ولقاءهم الأول وتعرفهم على الرسول صلى الله عليه وسلم والرسالة الجديدة وكان أهم ما جاء فيها:
البند الأول: على أن لا نشرك بالله.
البند الثاني: ولا نسرق.
البند الثالث: ولا نزني.
البند الرابع: ولا نقتل أولادنا.
البند الخامس: ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا.
البند السادس: ولا نعصيه في معروف.
هذه هي الشروط التي على الصحابة.
والجزاء: (فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله عز وجل، إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم).
أنا بنود البيعة الثانية فكانت بنوداً تحمل هم الرسالة والدعوة والداعية والمشروع الجديد فلذا كانت تحتاج لهمة وعزم وقوة وكان فيها على إجمالها خمسة بنود:
الأول: قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل).
ولاحظ كيف جمع بين السمع والطاعة في النشاط والكسل لأن السمع في النشاط سهل ولكنه صعب في الكسل وغيره.
البند الثاني: (وعلى النفقة في العسر واليسر)، كذلك النفقة في اليسر سهلة، لكن في العسر تحتاج إلى أناس معينين.
البند الثالث: (وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
البند الرابع: (وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم).
البند الخامس: (وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم).
فمن هنا وضع رسول الله مساراً لدعوته وطريقا لهجرته إذ كان يرى أن الحال في مكة بدأ يضيق والدعوة تختنق من كل جهة والقوم بلغ من عنادهم ورفضهم المبلغ الكبير، لذا وجب أن يتخذ لنفسه سبيلا وطريقا، وهذا هو شأن الداعية المربي.
مطلب الهجرة دعت إليه عوامل التضييق على الدعوة وحصارها في مكة، والإسلام رسالة عالمية تحتاج لفضاء فسيح حتى تبلغ للناس ما فيها من سماحة وعدالة و إيمان، وكذالك هي مطلب دعت إليه المحبة والصحبة والشوق والإيثار والفداء من أهل يثرب.
ولكن هذا المطلب أعني الهجرة لا يتأتى إلا بإذن صريح وبتصريح من رب العزة لنبيه بالهجرة، ولكن كان هناك تلميح وتصريح بهجرة الصحابة…
بعد الإجتماع الثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع وفد يثرب تأسست العلاقة واتضحت الرؤيا وعلم الجميع ما له وما عليه، إنه إيواء ونصرة واتباع والتزام وطاعة وفداء.
إنك يا هذا تأوي دعوة رفضتها كبرى قبائل العرب وحاربتها وهي مكة مركز العرب.
إنك تأوي من فر بدينه ورسالته من أمام صناديد العرب وقاداتهم، من يدعون الزعامة في الدين وحماية البيت الحرام.
هناك في مكة وفي العقبة تمت البيعة على هذا ورجع الجميع بما احتمل من هم البيعة ونسؤولياتها ومن ساعتها باشر الداعية الناصح الصابر مهامه ليجعل على أهل العقبة نقباء يرجعون إليهم في أمورهم.
الداعية لا يتوانى في أمور دعوته فهو دائما يباشر ويعمل ويربي ويوجه.
من هناك تكشفت معالم الهجرة وبلاد المهجر، بدى نخيلها مطلا على جبال مكة. وبدى قومها أكثر استعداداً وترحيباً بهذا الدين وهذا النبي الكريم، لذا لا غرو أن يفتح الله لعباده في دعوته مسالك وأبواباً كانت مقفلة، يفتحها بصبرهم وثباتهم وعزمهم، ومهما اشتد الوطئ اقترب النصر والفتح.
قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين ( إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان).
والحمد لله رب العالمين…