منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مراتب العباد في الصلاة 

مراتب العباد في الصلاة /الأستاذ إسماعيل هادي  

0

مراتب العباد في الصلاة

بقلم: الأستاذ إسماعيل هادي

 تقديم

   الصلاة من أفضل ما يتقرب به العبد إلى مولاه، فهي مبنية على الخضوع والذلة والحب لله وطلب رضاه. شُرِعت لذكره عز وجل، وجُعِلت على المؤمن كتاباً موقوتاً؛ يبادر بها طوعا وخشوعا، مستعملا جميع أعضائه؛ من قلب، ولسان، وجوارح، منتهيا عن الاشتغال بغيرها أثناء أدائها. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي ﷺ: (أيُّ الأعمال أقرب إلى الجنَّة؟ قال: الصلاةُ على مواقيتها…)[1].

   والصلاة جامعة لشروط التربية. فهي ذكر ومع الخشوع صدق، ومع الجماعة صحبة. والصلاة في المسجد إقبال على الله. وهي معراج المومن إليه، أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.

   حثَّ النبيّ ﷺ أمته أن تقتدي بصلاتِهِ، ففي حديث أبي سليمان مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: أتينا رسول الله ﷺ ونحن شبَبَة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيماً رفيقاً، فظن أنا قد اشتقنا أهلنا، فسألَنَا عمن تركنا من أهلنا، فأخبرناه، فقال:{ ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم ومروهم، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم}[2].

    والعباد في صلواتهم على مراتب، بحسب أحوال خشوعهم وحضورهم فيها.

1- مرتبة النبوة:

    كانت حال رسول الله ﷺ في صلاته ليلا: خاشعا بكاءً مطيلا متدبرا، لا يفتر. وردت أحاديث كثيرة تبين أحواله في صلاته، أكتفي ببعضها تحفيزا للهمم.

1- يقول حذيفة رضي الله عنه: “صليتُ مع النبيِّ ﷺ ذاتَ ليلةٍ، فافتتحَ البقرةَ، فقلتُ: يركعُ عند المئةِ، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعةٍ، فمضى فقلتُ: يركعُ بها، ثم افتتحَ النساءَ فقرأَها، ثم افتتحَ آلَ عمرانَ فقرأَها، يقرأُ مترسلاً: إذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبَّحَ، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوذٍ تعوذ، ثم ركعَ فجعل يقولُ: سبحانَ ربي العظيمِ، فكان ركوعُه نحوًا من قيامِه، ثم قال: سمعَ اللهُ لمن حمدَه، ربَّنا لك الحمدُ، ثم قامَ طويلاً قريبًا مما ركعَ، ثم سجدَ فقال: سبحانَ ربي الأعلى، فكان سجودُه قريبًا من قيامِه”.[3]

2-  عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: “رأيت رسول الله يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء”، وفي رواية: “وفي صدره أزيز كأزيز المرجل” [هو الصوت الذي يصدره الوعاء عند غليانه][4].

3- عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: “قَامَ النبيُّ ﷺ حتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فقِيلَ له: غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ، قالَ: أفلا أكُونُ عَبْدًا شكورا”[5].

4- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ” صليتُ مع النبيِّ ﷺ ليلةً، فلم يزل قائمًا حتى هممتُ بأمرِ سوءٍ، قيل: وما هممتَ؟ قال: هممتُ أن أجلسَ وأدعَه”[6].

5- عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ أنَّه سألَ عائشةَ:”  كيف كانت صلاةُ رسولِ اللهِ ﷺ في رمضان؟ قال: فقالت: ما كان رسولُ الله ﷺ يزيدُ في رمضان ولا في غيرِه على إحدى عشرة ركعةٍ، يصلي أربعًا فلا تسألْ عن حسنهِنَّ وطولهِنَّ، ثم يصلي أربعًا فلا تسألْ عن حسنهِنَّ وطولهِنَّ، ثم يصلي ثلاثًا، قالت عائشةُ: فقلت: يا رسولَ الله أتنامُ قبل أن توترَ؟ فقال:يا عائشةُ إنَّ عينيَّ تنامانِ ولا ينامُ قلبي”[7].

6- عن عطاء بن أبي رباح رحمه الله قال: “دخلت أنا و عمير على عائشة…، فقال عبيد بن عمير: أخبرينا بأعجب شيء رأيتِه من رسول الله، قال: فسكتت، ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي، قال: (يا عائشة، ذريني أتعبد الليلة لربي)، قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما يسرُّك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بلَّ حجره، قالت: وكان جالسًا، فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، ثم بكى حتى بل الأرض، فجاء بلال يؤذِنُه بالصلاة، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ لقد نزلت عليَّ الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: (إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ[8] ﴾[9].

     وأما هديه ﷺ في صلاة الفريضة إذا أمَّ المسلمين في المسجد، فكان ﷺ أخفّ الناس صلاةً على الناس، وكان ﷺ يراعي مصلحة المصلين خلفه فيرحمهم ويرفق بهم، وقد أوصى بذلك فقال ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ«[10].

2- مرتبة المحسنين من الصحابة والتابعين:

    اهتم الصحابة الكرام والتابعين بالصلاة اهتماماً كبيراً، معظمين إياها ومهيئين أنفسهم، وينتظرون الصلاة بعد الصلاة متسابقين إلى الصف الأول، لِما ذاقوا من حلاوة الإيمان ولذة المناجاة والتقرّب إلى الله تعالى، اقتداءً وتأسياً برسول الله ﷺ، إمام العابدين وسيد الخاشعين. نعيش لحظات عجيبة مع أحوالهم المثيرة.

1-  روي أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان تحت عينيه خطان أسودان من كثرة البكاء، وكان يقوم الليل ويوقظ أهله، ويقرأ قوله تعالى: “وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها”. وذات مرة قرأ سورة الطور حتى إذا وصل إلى قوله تعالى: “إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع”، سقط مغشيا عليه مريضا، فظل الصحابة يعودونه شهرا لا يدرون ما به[11].

2- رأى عبد الله بن عمر رؤيا فقصَّها على أخته حفصة، فقصَّتها حفصة على رسول الله ﷺ فقال: (نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل)، قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً.[12] وكان إذا فاتته صلاةُ العشاءِ في جماعةٍ أحيا بقيةَ ليله، وكان رضي اللهُ عنه: “كلما استيقظَ من الليلِ صلى”[13].

3- وكان ابنُ مسعودٍ رضي اللهُ عنه إذا هدأت العيون قام فيُسمعُ له دويٌّ كدوي النحل حتى يصبح.[14]

4- وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما، إذا دخل في الصلاة ارتعش واصفرّ لونه.
فإذا سئل عن ذلك قال: أتدرون بين يدي من أقوم الآن.[15]

5- كان للحسنِ بنِ صالحٍ جاريةٌ فباعها من قومٍ، فلما كان في جوفِ الليلِ قامت الجاريةُ فقالت: يا أهلَ الدارِ الصلاةَ الصلاةَ، فقال: أصبحنا؟ أطَلَع الفجرُ؟ فقالت: وما تصلون إلا المكتوبةَ؟ قالوا: نعم، فرجعَتْ إلى الحسنِ فقالت: يا مولاي بعتني من قومٍ لا يصلون إلا المكتوبةَ؛ رُدَّني، فرَدَّها.[16]

6-  عن سعيد بن المسيب أنه قال: ما فاتتني الصلاة في الجماعة منذ أربعين سنة.  وعنه قال: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة: إلا وأنا في المسجد[17].

7- وسُئل حاتم الأصم رحمه الله كيف تخشع في صلاتك؟ قال: بأن أقوم فأكبر للصلاة، وأتخيل الكعبة أمام عيني، والصراط تحت قدمي، والجنة عن يميني، والنار عن شمالي، وملك الموت ورائي، وأن رسول الله يتأمل صلاتي، وأظنها آخر صلاة، فأكبر الله بتعظيم، وأقرأ وأتدبر، وأركع بخضوع، وأسجد بخضوع، وأجعل في صلاتي الخوف من الله، والرجاء في رحمته، ثم أسلم ولا أدري أقبلت أم لا؟[18]

8- وهذا سيد التابعين أويس بن عامر القرني رحمه الله تعالى يحن إلى الصلاة حتى لا يكاد يفارقها، فقد ذكر الربيع بن خيثم، قال: أتيت أويسًا القرني فوجدته قد صلى الصبح وقعد، فقلت: لا أشغله عن التسبيح، فلما كان وقت الصلاة قام فصلى إلى الظهر، فلما صلى الظهر صلى إلى العصر، فلما صلى العصر قعد يذكر الله إلى المغرب، فلما صلى المغرب صلى إلى العشاء، فلما صلى العشاء صلى إلى الصبح، فلما صلى الصبح جلس فأخذته عينه، ثم انتبه، فسمعته يقول: اللهم إني أعوذ بك من عين نوّامة وبطن لا تشبع. وعن أصبغ بن زيد قال: كان أويس إذا أمسى يقول: هذه ليلة الركوع، فيركع حتى يصبح، وكان إذا أمسى قال: هذه ليلة السجود، فيسجد حتى يصبح، وكان رحمه الله يقول: لأعبدن الله في الأرض كما تعبده الملائكة في السماء.[19]

   هذا حال المحسنين؛ يطيلون صلاتهم، فهي قرة أعينهم، وعصام يقينهم، ومعراجهم إلى حبيبهم، لأنهم ذاقوا طعم القرب فيها، فعرفوا ولزموا. وكان أحدهم لا يكاد يخرج من صلاته إلا وهو مشتاق إليها، قلبه معلق بالمسجد.

قال ابن القيم: ” الصلاة قرة عيون المحبين، وسرور أرواحهم، ولذة قلوبهم، وبهجة نفوسهم، يحملون هَمّ الفراغ منها إذا دخلوا فيها كما يحمل الفارغ البطال همها حتى يقضيها بسرعة …وبالجملة: فمن كان قرة عينه في الصلاة، فلا شيء أحب إليه، ولا أنعم عنده منها، ويودّ أَن لو قطع عمره بها، غير مشتغل بغيرها، وإنما يسلي نفسه إذا فارقها، بأنه سيعود إليها عن قرب، فهو دائماً يثوب إليها، ولا يقضي منها وطراً . فلا يزنُ العبد إيمانه ومحبته لله بمثل ميزان الصلاة، فإنها الميزان العادل”[20].

   أقول: إنه لا يخلو زمان من مثل هؤلاء، لأن الله تعالى جعل لنفسه أولياء وأصفياء، متبتلين خاشعين خاضعين، بهم تُرحم الأمة، ولكن قليل ما هم.

3- مرتبة المؤمنين:

     حال المؤمنين في صلاتهم أقل بكثير من سابقتها، إذ المحسن استغرق نفسه في الصلاة، ولا يبالي بغير حضوره مع الله تعالى، فهو مع الله وإلى الله، خارجا من صلاته ومنتظرا نوبته إليها.

    أما المؤمن فهو في جهاد نفسه وشيطانه، يصارعهما في صلاته، فهو بين الحضور والغفلة.

    يتم الوضوء إلى أماكنه، ثم يقوم إلى الصلاة في وقتها، جامعا همّته، معرضا عما سواها، يتكلف التدبر فيما يجري على لسانه من القراءة والذكر، فيؤديها لله عز وجل، لم ينقص من وقتها، وركوعها وسجودها، وينوي بها الطاعة والتقرب إلى مولاه، يقف بين يديه يطمح الخشوع والخوف والسكون. يحاول عدم الالتفات. يمسك أطرافه عن العبث بشيء من جسده، ففي حديث أبي ذر عن النبي ﷺ قال: (لا يزال الله مقبلًا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه)[21].

    والأحاديث النبوية في حض المؤمن على الحضور في الصلاة والخشوع فيها كثيرة ومؤثرة. أقتصر هنا على حافزين اثنين: عمارة المساجد، وتدبر القرآن، أختار من الحديث ما يلي:

 أ- عمارة المساجد:

1- قال ﷺ: (من ألف المسجد ألفه اللَّهُ تَعَالَى)[22].

2- وَقَالَ ﷺ:( لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ)[23].

3- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول اللهِ ﷺ: ( إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ [24])[25].

4- ومن حديث سلمان مرفوعا أن النبي ﷺ قال:  “من توضأ في بيته فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد فهو زائر الله تعالى، وحق على المزور أن يكرم الزائر”[26].

5-  وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  “مَنْ غَدَا إلى المسجدِ أو رَاحَ، أَعَدَّ اللهُ له في الجنةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أو رَاحَ[27]”.

6- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال:  »ما توطَّنَ رجلٌ مسلمٌ المساجدَ للصلاة والذِّكر، إلا تَبَشْبَشَ اللهُ له، كما يَتَبَشْبَشُ أهلُ الغائب بغائبهم إذا قَدِمَ عليهم[28] « .

أحاديث تشهد لمعمر المسجد بالإيمان، وتحفز المؤمن على مداومة إقامة الصلاة فيه. فعمارة المساجد تجعلُ العبدَ على دوام الصّلة بِربِّه، وسببٌ لاستقامته، وصلاحه وصلاحِ أخلاقه، وسلامةِ قلبه وعقله. … تُزيلُ الحقدَ والبغضاء بين أفراد المُجتمع من خلال اصطفافِهم وتلاصُقهم بِجانب بعضهم في الصلاة، وتَزيدُهم قوّة من خلال التغيير الذي يَحصل بأدائِها في جماعة[29]

ب- تدبر القرآن:

    لا شكّ أن تدبُر القرآن الكريم في الصلاة يجلبُ الخشوع، ويُبعدُ الغفلة، وهو العلاج الأعظم للقلوب، ومن أحبَّ القرآن وتدبَّره، وأقبل على التلذذ بتلاوته، فذاك دليل على محبته للمتكَّلم به سبحانه؛ فإن تدبر المصلي لما يقرأه مطلوب شرعا.

 1- قال أبو عمر ابن قدامة في مختصر منهاج القاصدين: ويتدبر كلامه، فإن التدبر هو المقصود من القراءة، ….. وينبغي للتالي أن يستوضح من كل آية ما يليق بها، ويتفهم ذلك. ولهذا قال ابن القيم: ( إن تدبر القرآن مع الخشوع عند قراءتهِ هو المقصود والمطلوب، فبهِ تنشرحُ الصدور، وتستنير القلوب، وقال أيضاً رحمه الله: “إذا أردت الانتفاع بالقرآن فأجمع قلبك عند تلاوته، وسماعهِ وألقِ سمعك، واحضُر حضور من يخاطبه به من تكلم به منه إليه، فتمام التأثير موقوف على: مؤثر مقتضٍ، ومحلٍ قابلٍ، وشرطٍ لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه، وقد تضمن ذلك كله قوله تعالى: “إنّ في ذلكَ لذكرى لمن كان لهُ قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد.” [30][31].

2- ويوجهنا الإمام عبد السلام ياسين إلى بذل الجهد في ذلك: (ويحمل كل امرئ نفسه على الحضور في كل صلاته ما أمكن. فإنه لا يكتب له من صلاته إلا ما حضر فيه بقلبه ونيته مع الله عز وجل. والغفلات من طبيعتنا. فأدنى ما علينا، وأقصى ما نستطيع، أن نجتهد لنذكر الله كلما نسينا. ونستغفر الله ثلاث مرات دبر الصلاة ليجبر غفلاتنا ويغفر تقصيرنا)[32].

    كما رأينا؛ إنها أحاديث ترفع همم المؤمن، وتقوي عزائمه وتربط على قلبه، عسى أن يرتقي في سلم الإحسان في صلاته، حتى يصير إلى ما صار إليه السادة الأولياء والأصفياء من خلق الله، جعلنا الله منهم ومعهم.

4- مرتبة عامة المسلمين

    يتفاوت الناس في صلاتهم تفاوتا كبيرا، حيث يصلي رجل بجانب آخر، وقد وقف هذا بين يدي الله مخبتا متواضعًا، مخلصا لربه راغبا. ووقف ذاك بجسمه لا بقلبه، غافلا في صلاته، مخلا بخشوعها وواجباتها. ملتفتا بقلبه عن الله، وجسمه مع المصلين. أتى بصلاته صورة لا حقيقة.

  • فما صفة المسلم في هذه المرتبة؟

1- قال ابن القيم عن العبد في هذه المرتبة: والعبد إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه، فإنه قد قام في أعظم مقام، وأقربه وأغيظه للشيطان، وأشد عليه، فهو يحرص ويجتهد كل الاجتهاد أن لا يقيمه فيه، بل لا يزال به يعده ويمنِّيه وينسيه، ويجلب عليه بخيله ورجله حتى يهوِّن عليه شأن الصلاة، فيتهاون بها فيتركها. فإن عجز عن ذلك منه، وعصاه العبد، وقام في ذلك المقام، أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بينه وبين نفسه، ويحول بينه وبين قلبه، فيذكِّره في الصلاة ما لم يكن يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي الشيء والحاجة، وأيس منها، فيذكره إياها في الصلاة ليشغل قلبه بها، ويأخذه عن الله عز وجل، فيقوم فيها بلا قلب، فلا ينال من إقبال الله تعالى وكرامته وقربه ما يناله المقبل على ربه عز وجل الحاضر بقلبه في صلاته، فينصرف من صلاته مثل ما دخل فيها بخطاياه وذنوبه وأثقاله، لم تخفف عنه بالصلاة، فإن الصلاة إنما تكفر سيئات من أدى حقها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه.[33]

2- وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ رأى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال :” لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه”.[34]

3- عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد.[35]

4- عن عطاء بن أبي رباح قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ‎: انّ العبد إذا قام إلى الصلاة فإنّه بين عينيّ الرّحمان عزّ وجلّ فإذا التفت قال له الربّ: إلى من تلتفت؟ إلى من هو خير لك منّي؟ ابن آدم أقبل إليّ فأنا خير ممّن تلتفت إليه.[36]

5- قال الله عز وجل: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ)[37]. قال رسول الله ﷺ:  “هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها”[38].

6- وقال رسول الله ﷺ: (يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقاً حلقاً ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة)[39].

    يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: (فما صلاة الفذ عند العذر، وما صلاة المرأة في بيتها إلا استثناء من القاعدة، وهي صلاة الجماعة)[40].

     وهذا حال المسلم الغافل في صلاته لا يخشع. وبمجرد تكبيرة الإحرام؛ يهيم في خواطره ووساوسه وشكوكه وحديثه مع نفسه، فيخرج من صلاته كما دخلها. وأحيانا ينسى كم صلى، وكيف صلى، وماذا قرأ، فلا يتدبر القراءة، ولا يستحضر عظمة الله تعالى، ولا يستجمع همّته عند كل ذكر، أو تسبيح، أو تشهّد، أو قراءة.

    والغفلة عن الصلاة مجلبة للشيطان، مسخطة للرحمن، همٌّ وغمٌّ في القلب، بعدٌ عن اللّه، وتيسير للمعاصي. عافانا الله وإياكم.

5- مرتبة النفاق

قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾[41]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه: (إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما، لأتوهما ولو حبوًا)[42].

    يقول القرطبي رحمه الله تعالى معلقاً على قول النبي ﷺ في الحديث:( وذلك لأن صلاة العشاء تأتي وقد أتعبهم عمل النهار، فيثقل عليهم القيام إليها، وصلاة الصبح تأتي والنوم أحب إليهم من مفروح به، ولولا السيف ما قاموا)[43].

   قال أبي هريرةَ رضي الله عنهُ: » إنّ الله يبغضُ كلّ جعظريّ جواظٍ سَخّابٍ بالأسواقِ جيفةٍ بالليلِ حمارٍ بالنّهار عالمٍ بأمرِ الدنيا جاهلٍ بأمرِ الآخرةِ[44]«.

جيفةٍ بالليلِ: لا يصلي عشاء ولا فجراً، ولا يهمه أن يغنم ليله من الصّلوات ويتزودَ منَ الطاعاتِ، بل يستغرِقُه في النّوْمِ. ويمضي نهاره في الإكثارِ منَ الملذّاتِ. ويتَزايد شرُّهُ حين يكون عارفًا بأمرِ الدّنيا جاهِلا بأمر الآخرةِ.

   المنافق لا يرجو من الصلاة ثواباً، ولا يخشى من تركها عقاباً؛ لأن النفاق يورث الكسل في العبادة لا محالة، ولا يدفعهم إلى الصلاة إلا الرغبة في إرضاء الناس، والتظاهر بالإيمان.

    وخير ما أختم به مقالي هذا؛ حديث رسول الله ﷺ، إذ قال: ( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات.. قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرابط فذلكم الرباط)[45].


[1] – رواه مسلم، في صحيحه، رقم: 85.

[2] – أخرجه البخاري، كتاب الأذان، (1/ 128)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، (1/ 465).

[3] – أخرجه ابن أبي شيبة 1/248، ومسلم (772)، وابن ماجه (1351)، والنسائي 2/190.

[4]– كتاب شرح سنن أبي داود للعباد، ص: 26. المكتبة الشاملة.

[5]– أخرجه البخاري (4836)، ومسلم (2819).

[6]– أخرجه البخاري، كتاب التهجد، برقم (1135). ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم (773).

[7]– صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها (حديث رقم: 1723 )

[8]–  سورة: آل عمران: 190.

[9]–  صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان (620).

[10]– شرح رياض الصالحين» (2/ 555 – 556). أخرجه البخاري (703)، ومسلم (467)، وأبو داود (794).

[11] – رواه الإمام مالك في الموطإ.

[12] – أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب المناقب؛ ج3، ص 30.

[13] – حلية الأولياء لأبي نعيم ج 1 / ص 163.

[14] – كتاب أولئك الأخيار، ص18، أخي الحبيب، المكتبة الشاملة.

[15] – طبقات ابن سعد ج 5 / ص 216. ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق؛ ج41/ ص 378.

[16] – صفة الصفوة لابن الجوزي؛ ج3، ص114.

[17] – التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء، المجلد 1، الصفحة 221، جامع الكتب الإسلامية.

[18] – أرشيف ملتقى أهل الحديث، كيف تخشع في صلاتك، ص 30، المكتبة الشاملة الحديثة.

[19] – كتاب دروس الشيخ خالد الراشد، في رياض العابدين ص12.

[20] – طريق الهجرتين لابن القيم، ص 307.

[21] – سنن أبي داو، كتاب الصلاة، باب الالتفات في الصلاة، حديث رقم: 909.

[22] – أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد بسند ضعيف.

[23] – أخرجه الدارقطني من حديث جابر وأبي هريرة، والحاكم من حديث أبي هريرة. ص151، كتاب إحياء علوم الدين.

[24] – سورة التوبة، الآيَةَ: 18.

[25] – رواه الترمذي (2617)، وأحمد في مسنده (27325).

[26]أرشيف ملتقى أهل الحديث، حديث اختصام الملأ الأعلى؛ ص194، المكتبة الشاملة الحديثة.

[27] – أخرجه أبو نعيم في (حلية الأولياء) (3/229) واللفظ له، وأخرجه البخاري (662)، ومسلم (669).

[28] – أخرجه ابن ماجه (800)، وأحمد (8350) باختلاف يسير.

[29] – مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، صفحة 131، جزء 30. بتصرّف.

[30] – سورة ق، الآية 37.

[31] – الفوائد لابن القيم، المجلد 1، ص 3، جامع الكتب الإسلامية.

[32] – المنهاج النبوي، عبد السلام ياسين، ص: 160-161.

[33] – كتاب الوابل الصيب من الكلم الطيب، ابن القيم الجوزية، ج 1، ص34.

[34] – الجامع الصغير للسيوطي، ص: 7429.

[35] – سنن أبي داود باب تفريع أبواب الركوع والسجود باب الالتفات في الصلاة (حديث رقم: 910 )

[36] – كنز العمّال: ج7، ص: 505.

[37] – سورة الماعون، الآية 5.

[38] – أخرجه المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (42)، وابن أبي حاتم في «العلل» (536)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (2276).

[39] – فأخرجه الطبراني في الكبير (10/ 198 برقم 10452)، وأبو إسحاق المزكي في الفوائد المنتخبة:(1/ 49 / 2).

[40] – المنهاج النبوي، عبد السلام ياسين، ص: 160.

[41] – سورة النساء، الآية: 142

[42] – أخرجه البخاري (615)، ومسلم (437)، والنسائي 1/ 269 و 2/ 23

[43] – كتاب لماذا نصلي المقدم، موقف المنافقين من صلاة العشاء والفجر، ص8، المكتبة الشاملة.

[44] – أخرجه البيهقي في “السنن الكبرى” (10/194 ح19119)، وابن حبان في “صحيحه” (1/273 ح72).

[45] – أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، (1/ 119) رقم: (574). ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، (1/ 440) رقم: (635).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.