منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الهجرة النبوية: الأحداث والوقائع، العبر والدلالات

د. المصطفى السماحي

0

الهجرة النبوية: الأحداث والوقائع، العبر والدلالات

د. المصطفى السماحي

أولا: الأحداث والوقائع

     تحتفل الأمة الإسلامية اليوم بذكرى عظيمة جليلة، كان لها الأثر الكبير في تاريخ المسلمين، بل في تاريخ الإنسانية، إنها ذكرى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، فهي ليست مجرد هجرة من مكان إلى مكان في زمن مر عليه التاريخ وأصبح من الماضي، بل إنها ذكرى خالدة متجددة بتجدد الإيمان في قلوب المسلمين.

     لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يبعث إلى الناس رسلا مبشرين ومنذرين، وأن يمحصهم ويبتليهم ومن اتبعهم، فالأنبياء أشد الناس بلاء ثم الذين يلونهم فالأمثل فالأمثل، فاستمرت هذه السنّة – سنة الابتلاء –  لتشمل خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فما إن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام، وسمعت قريش بذلك، حتى بدأت الابتلاءات والمحن، فعذب من عذب، وقتل من قتل، وسجن من سجن. ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وهو لا يقدر أن يمنع عنهم ذلك، أذن لهم بأن يفروا بدينهم ويهاجروا إلى الحبشة، وقال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل لكم فرجا مما أنتم فيه»[1]، فكانت أول هجرة في الإسلام، قال ابن إسحاق: “فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم”[2]، ولم تفلح قريش في إرجاعهم، وفشلت في مساومة النجاشي عليهم، فبقي المسلمون في هذه الأرض الآمنة ريثما يهيئ الله لهم أرضا فيها الأمن والإيمان.

     وبالفعل بدء النبي صلى الله عليه وسلم في الإعداد والتخطيط لذلك، فكان يعرض دعوته على القبائل والوفود من خارج مكة، فكان أن هيأ الله قلوب أهل يثرب – المدينة المنورة – من الأوس والخزرج لقبول هذه الدعوة الجديدة ونصرتها. وبعد أن سمعت قريش بذلك ثارت ثائرتها، فازدادت إيذاء للمسلمين.

     وبعد أن تأكد النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل المدينة مستعدون للإيواء والنصرة، واحتضان دعوة الإسلام، ورسول الإسلام، وأهل الإسلام، كما تم الاتفاق على ذلك في بيعة العقبة الثانية[3]، وأصبح للمسلمين مكان فيه أمن وإيمان، أذن لهم بالهجرة إلى المدينة، قال ابن إسحاق: “أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه، ومن معه بمكة من المسلمين، بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها؛ فخرجوا أرسالا”[4].

     إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم بقي بمكة ينتظر أن يأذن له ربه عز وجل في الخروج إلى المدينة، ولم يتخلف معه بمكة سوى علي بن أبي طالب وأبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، فيقول له عليه الصلاة والسلام: لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا، فيطمع أبو بكر أن يكون هو.

     ولما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فاجتمعوا له في دار الندوة يتشاورون فيها ما يصنعون في أمره … فاتفقوا على أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا، ثم يعطى كل واحد منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه فيتفرق دمه في القبائل. فأتاه جبريل عليه السلام فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: “نم على فراشي وتَسَجَّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم”[5].

     فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب في يده، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات من يس: { يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم} إلى قوله { فأغشيناهم فهم لا يبصرون}[يس:1-9] . حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الآيات، ولم يبق منهم رجل إلا قد وضع على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب. فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون ها هنا؟ قالوا: محمدا، قال خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم، قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش مشجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: والله إن هذا لمحمدا نائما عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علي رضي الله عنه عن الفراش، فقال: والله لقد كان صَدَقَنا الذي حدّثنا. وكان مما أنزل الله عز وجل من القرآن في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك، أو يقتلوك، أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين}[الأنفال:30][6].

     فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج أتى أبا بكر فخرجا معا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار ثور فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبي بكر أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر. وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما يأتيهما إذا أمسى في الغار. وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما[7].

     ذكر ابن هشام: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وصلا إلى الغار ليلا، فدخل أبو بكر رضي الله عنه قَبْل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمس الغار لينظر أفيه سبع أو حية يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، فأقاما في الغار ثلاثا[8].

     وأما المشركون فقد انطلقوا ينتشرون في طريق المدينة، ويبحثون عنه حتى وصلوا إلى غار ثور، وسمع خفقان أقدامهم فأخذ الروع أبا بكر وهمس  للنبي صلى الله عليه وسلم يحدثه: “لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا”. فأجابه عليه السلام: “يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما”[9]. فصرف الله أبصار المشركين عنهما. حتى إذا مضت الثلاث، وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه، وهو عبد الله بن أرقط، فسلك بهما طريق الساحل.

     ولما كانت قريش قد جعلت مائة ناقة لمن يأتيها بمحمد وأبي بكر، طمع سراقة بن مالك بن جعشم في الفوز بهذه الجائزة، فخرج في طلبهما، حتى إذا دنا منهما عثرت به فرسه فخرّ عنها، ثم ركبها ثانية وسار حتى صار يسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، فساخت قائمتا فرسه في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخرّ عنها ثم زجرها حتى نهضت، فلم تكد تُخرج يديها حتى سطع لأثرهما غبار ارتفع في السماء مثل الدخان، فعلم سراقة أنه ممنوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخله رعب عظيم، فناداهما بالأمان، فوقف عليه السلام ومن معه حتى وصل إليهما، فاعتذر إليه، وسأله أن يستغفر له، ثم عرض عليهما الزاد والمتاع، فقالا له: لا حاجة لنا، ولكن عمّ عنا الخبر، فقال: كُفيتم[10]. فعاد سراقة أدراجه إلى مكة وهو يصرف أنظار الناس عن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه بما يراه من القول، وهكذا انطلق إليهما في الصباح جاهدا في قتلهما، وعاد في المساء يحرسهما ويصرف الناس عنهما.

     ثم واصل الرسول صلى الله عليه وسلم السير حتى وصل قباء فاستقبله من فيها وأقام فيها بضعة أيام، حيث أدركه علي رضي الله عنه بعد أن أدى عنه الودائع إلى أصحابها، وهنا أسس النبي صلى الله عليه وسلم مسجد قباء. ثم واصل سيره إلى المدينة فدخلها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، فالتفّت من حوله الأنصار، كل يمسك زمام راحلته يرجو النزول عنده.

     وكان أول ما قام به صلى الله عليه وسلم أن أقام الأسس الهامة للدولة الإسلامية المتمثلة في الأعمال التالية:

أولا: بناء المسجد.

ثانيا: المؤاخاة بين المسلمين عامة، وبين المهاجرين والأنصار خاصة.

ثالثا: كتابة وثيقة – دستور – حددت نظام حياة المسلمين فيما بينهم، وأوضحت علاقتهم مع غيرهم بصورة عامة، واليهود بصورة خاصة.

ثانيا: العبر والدلالات

  1. ذكرى الهجرة دلالة على أن الأعمار تطوى في سجل الأعمال:

     دخول سنة هجرية جديدة دلالة على أنه قد مرت سنة، وقبلها سنوات، من أعمارنا وطويت في سجل أعمالنا، تَذَكّر، ونفسي أقصد، أن أناسا كانوا معك في السنة الفارطة وهم اليوم تحت التراب، وأن الله قد أمد في عمرك. افترض أن أجلك قد وصل فقلت:{رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ}[63/10] فاستجاب لك وأخّرك فكن من الصالحين، وبادر بالتوبة والرجوع إلى الله، فإن من معاني الهجرة التوبة والرجوع إلى الله.

  1. الهجرة هجر ما نهى الله عنه بالتوبة والرجوع إليه:

     وهي بهذا المعنى هجرة مستمرة متجددة لا تنقطع ما لم يغرغر الإنسان، أو تطلع الشمس من مغربها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها”[11]. وفي حديث آخر: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه”[12]. فالبدار البدار بالإقلاع عن الذنوب، والمسارعة المسارعة بالتوبة إلى الله قبل فوات الأوان، فقد كان عبد الله بن عمر يقول: “إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك”[13] هكذا علّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وعلى مثل هذا ينبغي أن نعض، والبداية مع:

  1. هجر الصحبة السيئة وأماكن السوء: 

     إن من معاني الهجرة هجر الصحبة السيئة إلى الصحبة الصالحة، وهجر أماكن السوء إلى أماكن العبادة ومجالس الذكر والعلم ومجالسة الصالحين. يدل على هذا المعنى ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: « كان فيمن كان قَبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة فقال: لا. فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة، فقال: نعم ومن يحول بينه وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب؛ فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط. فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له. فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة»[14].

  1. الهجرة بذل وعطاء:

     فهذا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يهاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأخذ كل ماله معه لخدمة الدعوة دون أن يترك لأهله شيئا، بل إن كل المهاجرين الذين هاجروا إلى المدينة خلّفوا وراءهم ما يملكون من أموالهم، كل ذلك في سبيل الله.

    وهؤلاء الأنصار آووا ونصروا وقسموا كل ما يملكون من أموال مع إخوانهم المهاجرين، بل آثروهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.

     فهؤلاء الصحابة الكرام – الأنصار منهم والمهاجرون – فهموا أن انتصار الدعوة الإسلامية متوقف على البذل والعطاء، وأن المال عصب الدعوة فسارعوا إلى ذلك واشتروا به ما عند الله في الآخرة، قال تعالى: { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه أعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، ذلك الفوز العظيم }[التوبة:100].

     وهكذا فنصرة الدعوة إلى الله تعالى في كل زمان وفي كل مكان متوقفة على البذل والعطاء والإنفاق من المال والوقت، والنفس والنفيس، فلينظر كل واحد ما يقدم لآخرته، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة.

  1. الهجرة ولاية ونصرة:

     كان أول ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعد وصوله إلى المدينة وبناء المسجد هو الإخاء بين المهاجرين والأنصار، لأن المؤمنين كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ولا يمكن أن يكونوا قوة على عدوهم إلا بالتراحم بينهم، قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ}[الأنفال:72].

     فلا تكن الولاية بين المؤمنين والتضامن والتعاون بينهم أقل مما عليه أعداؤهم، قال الحق سبحانه:{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أوليَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}[الأنفال:73].

     ولا شك أن ميزان ومقياس هذا الولاء والمحبة بين المؤمنين هو مدى حبهم لله ورسوله وإيثار حبهما على حب ما سواهما، قال تعالى: { قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}[التوبة:24]

     وقد قدم الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في هذه الهجرة أروع الأمثلة في ذلك، ابتداء بالمهاجرين الذين فرّوا بدينهم وتركوا كل ما يملكون، مرورا بمغامرة علي رضي الله عنه بحياته وتعرضه للموت المحقق بنومه في فراش النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي غامر في رحلته مع رجل طُلب رأسه ومن معه مقابل مائة ناقة، ودخوله أولا للغار لينظر أفيه سبع أو حية يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه منها، ونهاية بالأنصار الذين آووا ونصروا وقسموا كل ما يملكون مع إخوانهم المهاجرين، بل آثروهم على أنفسهم بالنصيب الأوفر، فاستحقوا ثناء الله عليهم:  { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[الحشر:9].

  1. الهجرة توكل على الله مع اتخاذ الأسباب:

     إن سنة الله لا تحابي أحدا، فقد أمر الله تعالى باتخاذ الأسباب في الأمور كلها مع التوكل عليه لا على الأسباب، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم – مع عصمة الله له من الناس – اتخذ جميع التدابير والاحتياطات اللازمة التي من شأنها تحقيق النجاة، فقد أمر عليا بأن ينام في مكانه ليوهم العدو، وخرج متخفيا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته، واتخذ عبد الله بن أرقط من المشركين دليلا، فسلك بهما طريقا غير معروف وهو طريق الساحل، ثم بقي في الغار ليالي حتى رجع القوم، ولم يخرج جهارا كما فعل عمر، لأنه يشرع لأمته كيف تتخذ الأسباب.

     إلا أنه لم يعول على هذه الأسباب، ولم تحجبه الأسباب عن مسبب الأسباب، فقد تقف الأسباب عاجزة أحيانا، فقد وقف العدو على باب الغار، كما قد أدركه سراقة بن مالك في الطريق، وهنا تتدخل معية الله، وتظهر ثمرة التوكل على الله.

  1. الهجرة استجلاب لمعية الله:

    كن مع الله تجده معك، هكذا تنال معية الله، وهكذا شعر النبي صلى الله عليه وسلم بمعية الله في غار ثور والعدو أمام الغار، ويُطَمْئن صاحبه “يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما”، ثم ينزل في ذلك قرآن يتلى: {إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا}[التوبة:23]، وهي نفس المعية التي شعر بها الأنبياء قبله، فهذا موسى عليه السلام حينما أدركه فرعون بجنوده وقال أصحابه :{إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}، كان الجواب مباشرة ودون تردد: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}، فجاءت نتيجة المعية في الحين: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ، فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ، وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ}[الشعراء:61-66].

     وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نحقق معية الله فينا، حينما قال لابن عباس، ومن خلاله لأمته كلها: “يا غلام إني أعلمك كلمات؛ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف”[15]. فما أحوجنا اليوم إلى استجلاب هذه المعية وأمتنا قد توالت عليها النكبات، وتكالبت عليها الأمم من كل حدب وصوب.

  1. الهجرة تذكرنا بأن بعد العسر يسرا، وبعد الضيق فرجا:

     لقد كانت الهجرة مرحلة فاصلة في تاريخ المسلمين، وعهدا فاصلا بين مرحلتين؛ مرحلة الاستضعاف والاضطهاد، ومرحلة التمكين وتأسيس الدولة الإسلامية، ولذلك استحقت أن يؤرخ بها للمسلمين.

     فلا ينبغي للمسلم أن يقنط من رحمة الله مهما بدا له الأفق مظلما، فبعد العسر يسرا، وبعد الضيق فرجا، وبعد الشدة رخاء، وهذه هي سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا }[يوسف:110].

  1. الهجرة تذكرنا بفضل جيل الصحابة وما تحمله في سبيل الدعوة:

     الصحابة الأجلاء كان لهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه من جاء بعدهم، فرضي الله عنهم وأرضاهم، فهم جيل البناء والتأسيس، وقد أثنى الله تعالى على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار فقال:{ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى }[الحديد:10]، وقال أيضا: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}[الواقعة:10]. فينبغي أن نعرف فضلهم، وأن لا نخون العهد بعدهم، ومن دعائنا لا ننساهم؛ طمعا في ربط الصلة بهم، وتجديد العهد معهم، فقد نقل أبو نعيم في حلية الأولياء عن عبدة بنت خالد بن معدان قالت: “قلّما كان خالد يأوي إلى فراش مقيله إلا وهو يذكر فيه شوقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار، ثم يسميهم ويقول: هم أصلي وفصلي وإليهم يحن قلبي طال شوقي إليهم فعجل ربي قبضي إليك، حتى يغلبه النوم وهو في بعض ذلك”[16]

خاتمة:

     في الختام نقول إن الهجرة بسبب الاضطهاد في الدين والعقيدة لم تكن خاصة برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، بل هي سنة محتومة، وقاعدة مطردة في كل الدعوات الحقة عبر تاريخ الأنبياء، فلا يكاد رسول من الرسل ينجو من ذلك كما تشير إليه الآية: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا}[إبراهيم:13]، وكما أخبر بذلك ورقة بن نوفل رسولنا صلى الله عليه وسلم منذ اللحظة الأولى لنزول الوحي، قال له: “هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعا، أكون حيا حين يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أومخرجي هم» فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي..”[17]. لكن العاقبة تكون حسنى، حيث تتوج هذه الهجرات، دائما، بانتصار الحق على الباطل.

     وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين.


[1] – السيرة النبوية لابن هشام، المكتبة العصرية، بيروت لبنان، ط 2، 1419هـ 1999م، 1/238.

[2] – نفسه 1/238-239.

[3] – ينظر تفصيل ذلك في السيرة النبوية لابن هشام 2/76-77.

[4] – نفسه 2/96.

[5] – السيرة النبوية لابن هشام 2/106 وما بعدها.

[6] – نفسه 2/109.

[7] – نفسه 2/111.

[8] – السيرة النبوية لابن هشام 2/112.

[9] – أخرجه البخاري؛ محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، في الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه = صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط 1/ 1422هـ: كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}[التوبة:40] رقم 4663. ومسلم؛ مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (ت: 261هـ) في: المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم = صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي– بيروت: كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه رقم 2381.

[10] – أخرجه البخاري في: كتاب المناقب، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة رقم 3906. ومسلم في: كتاب الزهد والرقائق، باب في حديث الهجرة ويقال له حديث الرحل بالحاء رقم 2009.

[11] – أخرجه أبو داود؛ سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني(ت:275هـ)، في السنن = سنن أبي داود؛ تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت: كتاب الجهاد، باب في الهجرة هل انقطعت؟ رقم 2479.

[12] – أخرجه البخاري في: كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده رقم 10.

[13] – أخرجه البخاري في: كتاب الرقاق، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: “كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل” رقم 6416.

[14] – أخرجه مسلم في: كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله رقم 2766.

[15] – رواه الترمذي؛ محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (ت:279هـ)، في السنن= سنن الترمذي، تحقيق وتعليق:إبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، ط 2/ 1395هـ -1975م: أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب بدون ترجمة رقم 2516. وقال: هذا حديث حسن صحيح.

[16] – حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (ت:430هـ)، السعادة – بجوار محافظة مصر، طبعة: 1394هـ- 1974م، 5/210.

[17] – أخرجه البخاري في: كتاب التعبير، باب أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة رقم 6982.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.