منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الربيع النبوي ربيع الأمة؛ إيجاد الأمة

محمد عبد الرحمن بن الطالب

0

الربيع النبوي ربيع الأمة

إيجاد الأمة

محمد عبد الرحمن بن الطالب

1- مقدمة:

نستفتح بشاهدين قرآنيين من رب العباد فيهما معاني ومباني، لم يعتبر من أولي البصيرة والأبصار:

  • قول الله عز وجله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ[1].
  • قوله سبحانه وتعالى:﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[2].

فيهما تأكيد على التكامل بين الإرادة الفردية في التغيير النفسي، والإدارة الجماعية في التغيير النفيس. أو بالأحرى الصناعة الذاتية للتغيير، والصياغة الموضوعية للتغيير. قد نخالف المنطلق الصناعي إذا انتظرنا من مصنع التغيير أن ينتج لنا قوالب بشرية صالحة لكل زمن وكل مكان، بينما نوافق منطق الصياغة المواكبة والبرمجة المتقدمة. هناك على مستوى البيئة، او الوقع المعيش، مسلكين: رياح التغيير الواردة من الأغيار، وأنوار التغيير الصادرة من الأخيار. الأولى تقليد يجمد الإرادة، والثانية اقتباس يجدد الإدارة. يحسن بنا تبني عن تجديد التغيير.

لقد عصفت رياح التغيير بجمهور الأمة، إلى براري استنساخ العقائد الغريبة الفاسدة، وإلى قيعان محاكاة الأفكار المغربة البليدة. حاشا جواهرها الذين انحنوا للرياح الجاثية حتى لا تحجب عنهم صفاء رؤية الأنوار الساطعة، ولا تمنعهم من الاقتباس من مشكاة النبوة؛ السراج المنير، والبشير النذير، والهادي النصير سيدنا ومولانا محمد ﷺ القائل: «رأَتْ أُمِّي كأنَّهُ خرجَ منها نور، أضاءَتْ منه قصورُ الشامِ»[3]، كانت طلائع الميلاد النبوي، بل الربيع النبوي أنوارا ساطعة، لذلك تحققت رؤيته بالأبصار من أبعد الأمصار، وكان نداء هاديا استجابت له بصيرة أمة الاستجابة ثم أمة الدعوة في كل وقت وحين، قال صاحبها ﷺ:« يا أيُّهَا النّاس إنما أنا رحمةٌ مُهداةٌ»[4]. بأبي وأمي أنت يا رسول الله ﷺ الرحمة المهداة والنعمة المسداة، نقتبس من ربيعك الزاهر، لإيجاد الإزهار، ونستضئ بنورك لإمداد الازدهار.

نتطرق في هذا البحث إلى سنة الله تعالى في التغيير، وسنة رسوله ﷺ في تجديد التغيير؛ فالتغيير بدأ بالبعثة النبوية، أو الربيع النبوي، الموافقة لإيجاد الأمة التي حباها الله تعالى بالجمع بين القدوة التربوية الحسنة المستلهمة انطلاقا من العزلة المأذونة بغار حراء بمكة، والقيادة السياسية العادلة المستهلة من الاستتار في غار ثور الفاصل بين الهجرة والنصرة. وبهذا تكتمل آليات التغيير لدى الأمة، تحتاج إلى تجديد الوسائل وتجويد الأساليب لتحقيق الأهداف من تجديد التغيير، من خلال الإمداد الدائم للأمة، التي لا بد لها ربيع تتضح فيه الرؤية، وتزدهر فيه البيئة، وتنكشف فيه الحقول، بل الحقوق. وتشذّب فيه الأشجار، أقصد الأفكار. وتتلقح فيه الأزهار، أقول تنقية الأوكار.

الربيع النبوي إيجاد للأمة:

سخّر الخالق غيران الجبال للمخلوقات؛ فقد اتخذ منها قوم صالح-عليه السلام- بيوتا للسكن، كما أخبر عنهم الحق تعالى:﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ[5]، فكان جزاء كفرهم بنعم الله الهلاك المبين. في حين ربط الله على قلوب الفتية المؤمنة من أصحاب الكهف:﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا[6]، هؤلاء الذين ذكرهم الله فيمن عنده، وهم قلة اعتزلوا الفتنة، فروا بدينهم من بطش الطغاة. وهل اتاك حديث النفر الثلاثة الذين:« فأوَوْا إلى غَارٍ في جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ علَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَانْطَبَقَتْ عليهم، فَقالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ، فَادْعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهَا، لَعَلَّ اللَّهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ…»[7]، فكان التوسل إلى الله بصالح الأعمال وشكره موجبا لنجاتهم، بعد الاعتراف بالتقصير وقلة الحيلة، في عزلة عن المؤثرات الخارجية، وخلوة بالنفس.

وتأسيسا عليه، فإن الغيران كانت عبر التاريخ أوكارا للاستقرار لسكونها، وأماكن لاستمرار الأفكار لأمانها، قال فيها تعالى:﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ[8]؛ مع اختلاف نوايا الناس منها. بالله عليك، أنظر إلى الصفوة المرابطين في أنفاق غزة وثغور العزة، لتجديد ربيع الأمة، في أكناف بيت المقدس، حملوا هم الأمة ونعوشهم على اكتافهم، وتحملوا همومهم وأكفانهم بأيديهم. أي ناس هؤلاء دُمّرت مساكنهم وهم صامدون، ورملت نساؤهم وهم محتسبون، ويتم أطفالهم وهم صابرون، وجوعوا قصدا وعطشوا قصرا وجرحوا عنوة وهم ثابتون؟ بل أي ناس نحن نتلذذ بفرجة التشفي على المجازر، وننتظر فرج العاجز في الميدان؛ هم صناع الموت بفخر وصاغة التاريخ بعزة؟ يا قوم لنبحث رغبة في كيفية تجديد الإيمان في جولات الربيع النبوي، ونسأل الله رهبة في الخلوات أن يجدده في قلوبنا. إذ اشقنا إلى رواية أفعال الصحابة وأقوال التابعين، اتينا قادة ربيع الأمة بعزة في غزة.

نركز في هذا المبحث الأول، على القدوة الدعوية الحسنة والقيادة النبوية الربانية؛ تم اكتساب الأول من الرؤية التدبرية في العزلة المحمدية المأذونة بغار حراء، والمؤيدة بالرؤيا الصالحة في المنام، والتي كانت معالم واضحة لتدبر مآل شؤون الدعوة في مكة المكرمة (المطلب1). وأمام إيذاء الدعاة احتاجت الدعوة إلى النصرة عبر الهجرة إلى يثرب، بعد اعتماد القيادة الربانية القادرة على تجاوز هذه المرحلة الانتقالية، انطلاقا من غار ثورة الذي تم فيه وصل الصحبة النبوية بالخلافة الراشدة (المطلب 2).

أولا: القدوة الحسنة:

شهد غار حراء أمرين متلازمين ومتكاملين في حياة النبي ﷺ، أحدهما يتعلق بأحداث الاختلاء الإعدادي بالتعبد لصقل القلب وطرد الهوى، والتفكر لصفاء العقل لاستقبال الوحي. كانت مرحلة للتدبر الوجداني (الفقرة الأولى). وهي أيضا فترة للتنظير ”الاستراتيجي”، بل التدبير البنيوي والاستبصار النبوي للصدع بالدعوة للناس وإنذار العشيرة استجابة لنداء الله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ [9] (الفقرة الثانية).

  • الفقرة الأولى: العزلة تدبر.

قَالَتْ أُمِّا عَائِشَةَ-رضي الله عنها-:« أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ»[10]. الرؤيا الصالحة وحي للأنبياء تلقاها النبي ﷺ في اختلائه المعلوم وفراغ ذهنه من المشاغل، وهي بشارة ربانية وتزكية للنبوي عن طهارة نفسه ونقاء قلبه ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ[11]. هي بشارات غيبية لاستئناسه، وإشارات ليستنسخها إلى مشاهد عينية.

من شأن الرؤيا النبوية الإعداد القبلي لصاحبها، والتزود الروحي، استعدادا لاستقبال النزول القوي للوحي على قلب الرحمة المهداة ﷺ. فهاك حاله أثناء النزول:« فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي» فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي»»[12]. وقد سئل النبي ﷺ، من بعد، كيفَ يأتيكَ الوحيُ؟ قالَ ﷺ: «أحيانًا يأتيني فِي مثلِ صلصلةِ الجرَسِ، وَهوَ أشدُّهُ عليَّ، فيَفصِمُ عنِّي، وقد وَعَيتُ ما قالَ؛ وأحيانًا يتمثَّلُ ليَ الملَكُ رجلًا، فيُكَلِّمُني فأعي ما يقولُ»[13]. مصداقا لقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[14].

ويا لروعة أمنا خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِد-ٍرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- سيدة بيت في الدعوة، في احتضان زوجها إمام الدعاة! خففت روعه بالقول« كَلَّا، أبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ [يفضحك] اللَّهُ أبَدًا؛ إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ [زيارة القرابة]، وتَحْمِلُ الكَلَّ [الذي لا يستقل بأمره]، وتكسب المعدوم [تعطي الناس مالا يجدونه عند غيرك] تَقْرِي الضَّيْفَ [تكرمه]، وتُعِينُ علَى نَوَائِبِ [حوادثه] الحَق»[15]. وساندته بالفعل لما رافقته إلى العارف بالله-حينئذ- ابن عمها ورَقَةَ بنَ نَوْفَلِ بنِ أسَدِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ قُصَيٍّ، الذي قال بعد إحاطته بالعلم: «هذا النَّامُوسُ الذي أُنْزِلَ علَى مُوسَى، يا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، أكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ…»[16].

لقد تألم حال النبي ﷺ من نزول الوحي وهو بشر، وتأمل مآل دعوته وهو بشر يوحى إليه؛﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا[17]. لقد مكنته الرؤيا الصالحة، وساعدته خلوته المعتادة في تدبر المعاني الوحي، والتي أسس عليها مباني دعوته، بعد تدبر في سكون الليل عند خلوته بربه وأثناء قيامه الليل:﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا[18]. قيام الليل والناس نيام، مقدمة لقومته ﷺ لإيقاظهم بالنهار من الغفلة ويضيء لهم طرق الظلمة؛ قدوة حسنة لهم في صفاء الباطن، وطهارة الظاهر، والتخلي عن الرجس والمن، والتحلي بالصبر في الإخلاص في العبادات والإحسان في المعاملات، كما قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ. وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ[19]. قيام بالليل بسبب هم الشأن الخاص، وقومة بالنهار للاهتمام بالشأن العام، هكذا يدبر الأمر بالليل ليتدبر بالنهار!

  • الفقرة الثانية: الدعوة تدبير:

استغرب النبي ﷺ، الذي أوحي إليه حديثا، في حواره مع ورقة بن نوفل من إخراجه من البلد الأمين وهو الصادق الأمين في قومه، متسائلا: «أوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ فَقالَ ورَقَةُ: نَعَمْ؛ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بمِثْلِ ما جِئْتَ به إلَّا عُودِيَ، وإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا»[20]. نعم ما من نبي مرسل بالرسالة ولا وارث نبوة مجدد، ولا مصلح مبشر بالهداية، إلا عدي بالمقاطعة والحصار واخرج من قومه بعد الإيذاء والتشهير:﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ[21]. بسبب أفكار دسها السفهاء في العقول، وعقائد فاسدة زينها الوصوليون في القلوب: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ[22]. هذه هي سنة الخالق في ابتلاء الخلق؛ تمحيصا للإيمان، واختبارا لإخلاص القول والفعل، وامتحانا للصبر في السراء والضراء، وتثبيتا للأقدام في طريق الحق، استجابة لنداء الله تعالى:﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ[23].

لقد دبر النبي ﷺ الشأن الدعوي بحكمته المعهودة في السلم والحرب، وبأخلاقه المجبولة مع الصديق والعدو، وباستشارته الدائمة في صغار الأمور وعظمها؛ بالاستطلاع الواسع لرأي الصغير والكبير، والمرأة والرجل، والحسم في المسائل المصيرية بإقرار فضل ذوي السابقة في الدعوة وأصحاب الخبرة في الميدان :﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ[24]. ومن تمام توكله على الله أخذه بالأسباب، في الشأن الدعوي المكي، باتخاذه مجموعة من التدابير والاجراءات:

  • ترتيب البيت الداخلي لجماعة المسلمين؛ بحسن معاشرة الأهل، وإنذار العشيرة، وحسن اختيار الأشخاص والاجتهاد في انتقاء الاشراف للدعوة الإسلامية. وتحصين أتباعه الأوائل بالتربية الإيمانية « يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، تُفْلِحُوا»[25]، وبالتربية الأمنية في بيت الدعوة، دار الأرقم ابن أبي الأرقم، فكان الجمع بين الأمان الروحي والأمن الاجتماعي كافيا لضمان المرحلة السرية للدعوة.
  • تكوين النواة التنظيمية لكتائب الدعوة، والتوازن الدعوي؛ تكثير سواد الجماعة الموازي لتعزيز الصف بالنخبة والصفوة، يؤيد ذلك قوله ﷺ: «اللهمَّ أعِزَّ الإسلامَ بأحبِّ هذين الرجُلين إليك بأبي جهلٍ أو بعمرَ بنِ الخطابِ فكان أحبُّهما إلى اللهِ عمرَ بنَ الخطابِ»[26]. فكما أن الدعوة تحتاج إلى السند من المال والأعمال، فهي أحوج إلى ترميز أعضائها لمناظرة فصحاء كلام العرب ومجادلي عقائد اليهود.
  • تفعيل فقه الأولويات في سنة التدافع، بين صدع الصحابة بالدعوة والتصدي لصناديد قريش؛ تقديم المهادنة على المواجهة بين القلة الحديثة العهد بالإسلام القانعة بقسمة الله، والكثرة المتشبعة بالشرك من الأوثان باسم هبل واللت والعزى ومناة الثالثة، والمتخمة من ريع ”رحلتي الشتاء والصيف”. كانت المعركة في البداية حقوقية، اضطر فيها المستضعفون الرضى بأنصاف الحلول، للمحافظة على الدين مقابل الصبر على الإيذاء في الأبدان، وبذل المال على حساب الحرية وصيانة النفس.
  • التفاعل مع الواقع باقتراح البدائل الممكنة للمضطهدين، واستثمار الوسائل المتاحة للتواصل، واغتنام الفرص السانحة لولوج النوادي، وانتقاء الأساليب المميزة للخطاب الدعوي، والملائمة للفعل المرحلي لتجاوز الأزمة؛ بتحقق مقصدين متكاملين: تجويد الآثار الدعوية على الأفراد بعتق الرقاب، وجني الثمار الدعوية من الهجرة إلى الحبشة قصد المساندة، والهجرة إلى المدينة لأجل النصرة.

ركزت قواعد الربيع النبوي المكية، على استخلاص الدعاة للأسس التربوية من العزلة المثمرة لتدبر الآيات الكونية للاقتداء بها. والأصول الدعوية لتتأسى بها الأمة في تدبير شؤون المجتمع المستضعف الغارق في الفتن. ف” ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة كيف يشرف قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته؟ أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته؟ أم كيف يطمع أن يدخل حضر الله ولم يتطهر من جنابة غفلاته؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟”[27].

ثانيا: القيادة الربانية:

تمت الهجرة المدنية، بل النبوية الشريفة، بإذن من الله تعالى وتحت إشراف النبي ﷺ. فإذ كان القرآن الكريم قد أجمل الأسباب الظاهرة الداعية إلى أمر الهجرة في قوله: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ[28]، فإن السنة النبوية الشريفة قد فصلت في مقاصدها المنشودة، بل تسابقت في إعداد وسائل نجاحها وخطة تنفيذها؛ ففي المقاصد العامة أخبرنا بها جابر بن عبد الله وغيره – رضي الله عنهم- قائلا:« مكَثَ ﷺ عَشْرَ سِنينَ يَتتبَّعُ الناسَ في مَنازلِهم في المواسمِ بمِنًى وغيرِها، يقولُ: مَن يُؤويني؟ مَن ينصُرُني حتى أُبلِّغَ رسالةَ ربِّي وله الجنَّةُ؟ حتى بعَثَنا اللهُ إليه مِن يَثرِبَ، فذكَر الحديثَ. وفيه: وعلى أن تنصُروني إذا قَدِمتُ عليكم بيثربَ، فتَمنَعوني ممَّا تَمنَعونَ منه أنفُسَكم وأزواجَكم وأبناءَكم ولكم الجنَّةُ»[29].

ما اختار الله تعالى لهذه المهمة السامية إلا الأنصار، الذين قال فيهم سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[30]. لقد عرفنا الأسباب الظاهرة للهجرة، وفهمنا المقاصد المنشودة؟ أمَا وقد تم الإفصاح عن وجهتها، فكيف نجحت الإدارة النبوية في تأمين هجرة المستضعفين من فقراء المهاجرين من مكة المكرمة، إلى المدينة المنورة (الفقرة الأولى)؟ بل أين كسب الأنصار الإرادة السامية، وحظوة النصرة الدعوية، التي أنْزَلوا فيها المهاجرين منزلة الأخوة في المحبة ومقام الأبوة في الاحتضان (الفقرة الثانية)؟

  • الفقرة الأولى: الهجرة إرادة.

لم تكن الهجرة المدنية واقعة تروى أحدثها للاتعاظ وتطوى أسبابها تفاديا للتكرار، بل للهجرة معاني متعددة ومباني معتمدة، ولا تعارض بين قوله ﷺ: «لا تنقطعُ الهجرةُ حتى تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطعُ التوبةُ حتى تطلعَ الشمسُ من مغربِها»[31]. وقوله ﷺ: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا»[32]. من السهل إزالة توهم التعارض في النصيين، إذا بحثنا في أسباب ورود الحديثين من رواية سادتنا المحدثين، وكانت لدينا الدراية من أئمتنا في أصول الفقه، الذين أسهبوا في الفرق بين العام والخاص. فلنحفظ للمفاهيم الشرعية قدسيتها، وللمصطلحات النبوية هيبتها، وإلا فإن الناس قد اختلفت نوياهم فهي الهجرة والهجران، كما أخبرنا ﷺ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى فمن كانت هجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ فَهجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ ومن كانت هجرتُهُ إلى دنيا يصيبُها أو امرأةٍ ينْكحُها فَهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليْهِ»[33]. شتان بين مهاجر أم قيس للنكاح، ومهاجر أم القرى للكفاح!

لسنا مجبرين على شق القلوب للكشف عن طبيعة النية، ومرمى الهجرة الدنياوي الزائل، أو الأزلي الدائم. فلا نضيق واسعا، فالأولى رحلة مشروعة إذ كان الهدف منها جلب المنافع وتجنب المفاسد، والثانية شرعية إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ، قالها الله تعالى على لسان لوط عليه السلام قبل نبينا ﷺ: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[34]، فالهجرة الشرعية ليست مجرد سفر الأبدان إلى مختلف البلدان، بقدر ماهي انتقال من زمن العادة إلى زمان العبادة، وتدرج في مدارج التوبة من إسلام العموم، إلى إيمان الخصوص، إلى إحسان خصوص الخصوص، كما قال قائد المهاجرين وإمام الأنصار ﷺ:« المهاجرُ مَن هجَر السَّيِّئاتِ والمسلِمُ مَن سلِم المسلِمون مِن لسانِه ويدِه»[35].

تحققت الهجرة الذاتية والمعنوية لرسول الله ﷺ طيلة محنته في الغار، بل منحته في العزلة، تنفيذا لأمره الله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ[36]، وقد تأسى به الصحابة-رضوان الله عليهم- فهجروا فيها السيئات وكل ما نهى الله عنه، بعد الامتحان العسير الذي خففوا فيه مرارة العذاب بحلوة الإيمان. أُولَئِكَ الصَّادِقُونَ ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا[37]، كانت إرادتهم قوية وعزيمتهم أكيدة، فأرهم الله تأييده لعباده ونصره لدينه، وأبدلهم دارا خيرا من ديارهم في الإيواء، وأهلا خيرا من أهلهم في الإيثار. فالذي ينبغي أن يرسخ، اليوم، في الاذهان أن الهجرة ما كانت” حدثا تاريخيا فريدا انقضى، بل هي معنى وسلوك واختيار. هجرة الأفراد الإيمانية الخلقية الإرادية، تتبعها هجرة كل منهم نحو إخوته، وانضمامه إليهم، وانتظامه معهم. ويتكون صف الجهاد لإعادة الخلافة على منهاج النبوة”[38]. إعادة الخلافة على منهاج النبوة بشارة لا ريب فيه، واسترجاع الأمة لربيعها على هدي الربيع النبوي شرف لا مناص منه. الهجرة إرادة في الانضمام باختيار، والنصرة إدارة لانتظام الأخيار.

  • الفقرة الثانية: النصرة إدارة.

قال الله تعالى، ناصر المستضعفين وقاصم الجبارين:﴿ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[39]. تجمع هذه الآية الكريمة بين التأييد الرباني الراعي لعلانية الدعوة، والتدبير النبوي المواكب لعالمية الدعوة. أمّن النبي ﷺ وصول قاعدة المهاجرين إلى مجتمع الأنصار، بعد أن دبّر أمر الهجرة من غار تور مع أبي بكر-رضي الله عنه- خلفته من بعد، واستمال عيون قريش بوعد المخبر سرقة بن مالك بحيازة سواري الامبراطور كسرى. آنى لمحاصر في غار صحراوي أن يستبصر سقوط إيوان كسرى في المدائن، بل يلبس سواريه مشرك طامع في قتله!؟ إلا أن يكون الصادق المصدوق، والنبي الخاتم واعد وأوفى خليقته الفاروق في القادسية من بعده، وأبرأ الموعود له الذمة: «الحَمدُ للَّهِ، سِوارَى كِسرَى بنِ هُرمُزَ في يَدِ ‌سُراقَةَ بنِ مالكِ بنِ جُعشُمٍ؛ أعرابِىٍّ مِن بَنى مُدلِجٍ»[40].

سبق سلاسة النصرة في المدينة المنورة، سلسلة من الإجراءات الاحتياطية للمهاجرين من مكة، والتدابير الأمنية للأنصار في المدينة، بموجب بنود بيعتي العقبة الأولى[41] والثانية[42]. كانت بيعة العقبة برمتها بمثابة الخطوط العريضة لدستور مجتمع المدينة وميثاق اللجنة الدستورية التأسيسية المنتخبة، والمتكونة من إثني عشر نقيب من الأنصار. كلها بوادر الانتقال من جماعة المسلمين المكية إلى دولة الإسلام المدنية، ومن القبيلة المتنافرة إلى الأمة الموحدة. مجتمع جبل على التنازعات القبلية والتنابز بالألقاب، والاضطرابات التاريخية، والأطماع السياسية، والجشع الاقتصادي تجارية، احتاج تنظيم مكوناته، المتباينة، وضبط تصرفات أفراده المنحرفة، واستقرار أوضاعه الاجتماعية، إلى إدارة حكيمة، وآليات حازمة، ومؤسسات حاسمة، تلك هي الأركان المعنوية والحسية لاستقرار الدولة:

  • الرعاية الاجتماعية: ذوبت المؤاخاة بين الصحابة-رضوان الله عليهم- الفوارق الاجتماعية، والعرقية السائدة، وقتئذ، قبل البعثة النبوية. أليس قد « حَالَفَ[43] رَسُولُ اللهِ ﷺ بيْنَ قُرَيْشٍ وَالأنْصَارِ، في دَارِهِ الَّتي بالمَدِينَةِ»[44]. فكانوا يتوارثون قبل النسخ بقوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ[45]. المؤاخاة إقرار نبوي بالمواطنة القلبية ونبذ العصبية القبلية.
  • الدستور المدني: حسمت وثيقة المدينة الإخفاقات الواقعة في ”المنظومة الحقوقية” بين أعراف الجاهلية البائدة، وشرائع الطوائف اليهودية السائدة، ودسائس المنافقين المفضوحة، والشريعة الإسلامية الخالدة، فلم تكره الأقلية على اعتناق الإسلام ولم تمنعها من ممارسة معتقداتها، فقد” كتب رسول الله ﷺ كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه اليهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليهم…”[46]. إلا أن اختلالهم للشروط وتهديدهم للنظام العام كان سببا في إجلائهم مع النصارى من بعد، قال ﷺ: «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»[47].
  • البرلمان المسجدي: ربط المسجد بالبرلمان، ربط فطري ووصل بين تدبير شأن العبادة الخاص بشؤون المعاملات العامة. فإذا كان علو ”المئذنة” يدل سمو صلة العبد بربه، فإن صوت الأذان يرمز إلى إعلام الأمة: إعلان لأداء الصلاة، وإخبار بقضايا الجماعة، ونداء للتحريض والاستنفار. أما المحراب فله دلالة على إمامة الأمة، واصطفافها خلف رجل مصطفى منهم، وقبلة توحد مقاصدهم الشرعية وأهدافهم المشروعة، أما المنبر الحر فهو لسان حال الأمة. بينما يعد الصحن وقاعة الصلاة رياضا تربويا وجامعة تعليمية، ومجلس شورى في إدارة السلم والحرب، وقاعة عرض واستعراض. وتلحق به المرافق الاجتماعية لتخزين الذخائر والمؤن، والإطعام والإيواء.
  • القضاء الشرعي: قال تعالى:﴿ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ [48]. أمر بالحكم بشريعة الله تعالى، وإذن بالاجتهاد النبوي بشري قال ﷺ:« إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكونَ ألْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فأقْضِي علَى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فمَن قَضَيْتُ له مِن حَقِّ أخِيهِ شيئًا، فلا يَأْخُذْهُ فإنَّما أقْطَعُ له قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»[49]. اجتمع له ﷺ إصدار الأحكام وتنفيذها، في المرحلة التأسيسية، قبل الواصل بين تخصصات: التقنين التشريعي، والحكم القضائي، والسيادة التنفيذية، لا الفصل النكد بين السلط.

احتاجت الدولة الإسلامية الحديثة النشأة- علاوة على الأركان الحسية للاستقرار النصرة- إلى الأركان المادية لاستمرار الدعوة الإسلامية إلى قيام الساعة، وهذا يتطلب الائتلاف بين انتشار هداية الدين باجتهاد العلماء ورثة الانبياء، وإظهار الدين بانتصار الجهاد بقيادة الأمراء أمناء الرسل، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[50].

  • الاجتهاد الدعوي في الانتشار: لانتشال الناس وتحريرهم من الوثنية، وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. بالاقتداء بالهدي النبوي في الدعوة، فقد كان ﷺ يتحرك إلى مجالس عامة الناس ويغشى نوادي خاصتهم، في توازن بين الكثرة والنوع، وأشعر الصحابة بالهبة الدعوية ومسؤولية التبليغ في قوله ﷺ:«مَن دعا إلى هُدًى كان له مِن الأجرِ مِثْلُ أجورِ مَن تبِعهُ لا ينقُصُ ذلك مِن أجورِهم شيئًا»[51]. وانتدب ﷺ سريا وكتائب الدعوة من العلماء والفقهاء المعروفين بمرونة الخطاب إلى القبائل المجاورة، وخص ملوك الدول، ورؤساء كبار القبائل بالوفود الدبلوماسية بمهمة الدعوة وشؤون الدولة لإقامة الحجة البالغة للعلماء وإظهار قوة السفارة الإسلامية في التبليغ؛ أصالة إلى هرقل ملك الروم الوثنية، والمقوقس عظيم القبط، والنجاشي النصراني ملك الحبشة، ونيابة عن قومهم ورعياهم.
  • الجهاد السياسي في الانتصار: بعد إقامة حجة البالغة، كما في تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ[52]، وتحميل الملوك والأمراء مسؤولية أمانة تبليغ رعياهم كما ورد في الرسالة النبوية إلى عظيم الروم: «أمَّا بعدُ، فإنِّي أدعوكَ بدِعايةِ الإسلامِ، أَسلِمْ تَسلَمْ؛ يُؤْتِكَ اللهُ أجرَك مرَّتينِ؛ فإن تولَّيْتَ فإنَّ عليكَ إثمَ الأريسيِّينَ»[53]. حينها يخير القوم بين: اعتناق الإسلام وتكثير سواد المسلمين، وإما أداء الجزية تحت سيادة المسلمين مع حفظ حق حرية الاعتقاد، وإما القتال للدفاع عن وحدة دين الله وتحرير بلاده من الشرك والاوثان، قال تعالى:﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ[54]. فالجهاد لم يكن إغارة على الغير، ولا استنزافا للموارد المادية، ولا ابتزازا للموارد البشرية. بل شرع لدافعين، ذاتي وموضوعي، فالذاتي يكمن في تمحيص النفس ببذل المال والنفس والطمع في إحدى الحسنيين: النصرة أو الشهادة. بينم تنوع الدافع الموضوعي إلى:
    • فاضح لنويا المنافقين في المجتمع التأسيسي﴿ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ[55].
    • كاشف لمخططات اليهود المخالفين للعهود، والخارقين لقواعد الأخلاق، قال سبحانه: ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ[56].
    • رد عدوان الأغيار، واسترداد أموالهم المنهوبة، والدفاع عن حوزة البلاد وحقوق العباد، وهو أمر مشروع ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ[57].

خاتمة:

كانت البعثة النبوية الولادة الفعلية للأمة الإسلامية. لقد أكرم الله تعالى مكة المكرمة بميلاد خير البرية، وأزهرت أم القرى والبلد الأمين بولادته؛ أضاء الربيع النبوي فأمحى ظلمة مستضعفي مكة، وأزال ظلم مستكبريها. فكان الخروج من كلحة الظلام، والتحرر من قيود الظلم، هو أساس تغيير الأحوال الشخصية لتحرير النفس من الرجس والأهواء، قبل تجديد تغيير الأوضاع العامة بتحرير العباد من الظلم والبلاد من الفساد:

  • تم باعث التغيير بالمشيئة الربانية، بإرسال النبي ﷺ الذي كان الأسوة الحسنة والتي اكتسبها من الوحي في عزلته في غار حراء، والدعم المساند من زوجته أم المؤمنين خديجة بنت خويلد-رضي الله عنها-
  • رافق اعلان الإسلام تلقي أوائل المسلمين الابتلاء والإيذاء من بني جلتهم، لم يثنيهم الابتزاز والاستفزاز والاستنفار عن دينهم، إلا أن قسوة الامتحان وشدة الاختبار، قضت الحكمة النبوية بإعلان الهجرة التي أذن بها الله تعالى، بعد تأمين الصحابة بالنصرة لحفظ النفس وصيانة الدين. تحت إشعاع الربيع النبوي الذي نوّر يثرب لتصبح مدينة منورة. وتكون المقر الرئيسي لجماعة المسلمين
  • احتاجت عالمية الرسالة الإسلامية إلى قيادة نبوية لإدارة مجتمع المدينة، لانتشار الدعوة بالاجتهاد تحت رعاية العلماء، وانتصار الدولة بالجهاد تحت إشراف الائمة.
  • الدعوة أمانة في أعناق خاصة الأمة وعامتها، وشؤون اقامة الخلافة على منهاج النبوة مسؤولية العلماء الصادقين والأمراء الصالحين، وإعداد المسلمين تربويا وسياسيا، واجتماعيا.
  • الاستمداد من الربيع النبوي: ربيع مكة في شأن الدعوة، وربيع المدينة في شؤون الدولة، لأجل استعادة ربيع الأمة وإمدادها بوصل الشأن الخاص في العبادات بالشؤون العامة في المعاملات.
  • إذا قيل متى؟ وأين؟ وكيف؟ تستعد الأمة عافيتها، قلنا متى جفّ نبع التغريب، وانقطع مدد التقليد. فتيبس شجرة التبعية الجبر للغرب؟ وأين تحققت إرادة المستضعفين في الانخراط في التغيير؟ وكيف تجددت آليات التغيير لدى النخب الإدارية؟

[1] – سورة الرعد: 11.

[2] – سورة الانفال: 53.

[3] – أبو سعد، الطبقات الكبر، المجلد الأول: ذكر مولود رسول الله ﷺ، حديث رقم 192.

[4] – الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، كتاب الإيمان، هو ﷺ الرحمة المهداة، حديث رقم 107.

[5] – سورة الشعراء: 149،150،151.

[6] – سورة النساء: 140.

[7] –  رواه البخاري في البيوع (2215) ومسلم في الذكر (2743) كلاهما عن ابن عمر رضي الله عنهما.

[8] – سورة التوبة: 57.

[9] – سورة المائدة: 67

[10] – متفق عليه: أخرجه الإمام البخاري؛ ”صحيح البخاري ”، كتاب بدء الوحي، باب الإيمان، رقم الحديث 3. وأخرجه الإمام مسلم؛ ”صحيح مسلم”، في الإيمان حديث 160 بألفاظ مختلفة.

[11] – سورة النجم: 11.

[12] – أخرجه البخاري في صحيح حديث (2)، ومسلم حديث (2333) باختلاف يسير، وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها.

[13] – أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، رقم الحديث 2101، ومسلم في صحيحه، رقم الحديث 2628.

[14] – سورة الحشر: 21.

[15] – المصدر السابق: حديث بدء الوحي.

[16] – المصدر السابق: حديث بدء الوحي.

[17] – سورة الكهف: 110.

[18] – سورة المزمل: 1-5

[19] – سورة المدثر: 1-7

[20] – المصدر السابق: حديث بدء الوحي.

[21] – سورة محمد: 13.

[22] – سورة النحل: 56.

[23] – سورة البقرة: 214.

[24] – سورة ال عمران: 159.

[25] – أخرجه الإمام أحمد في مسنده، مسند المكيين، حديث عباد الديلي، رقم الحديث 15734.

[26] – أخرجه الترمذي حديث رقم (3681)، وأحمد رقم الحديث (5696) واللفظ له. صححه الالباني رحمه الله.

[27] – الحكمة الثانية عشرة؛ ”الحكم العطائية”، ابن عطاء الله السكندري.

[28] – سورة الحشر: 8.

[29] – أخرجه أحمد في مسنده، حديث رقم (14458) واللفظ له، والبزار كما في ((مجمع الزوائد)) (6/49)، وابن حبان (6274).

[30] – سورة هود: 120.

[31] – أخرجه أبو داود، في سننه، حديث رقم (2479)..

[32] – أخرجه مسلم، في صحيحه، الحديث رقم (1864).

[33] – متفق عليه: أخرجه البخاري، في صحيحه، الحديث رقم(1) والفظ، وأخرجه مسلم، في صحيحه، حديث رقم (1907) بلفظ مقارب.

[34] – سورة العنكبوت: 26.

[35] – أخرجه ابن حبان، في صحيحه، حديث رقم (196). وعند البخاري، في صحيحه، والمُهَاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهَى اللَّهُ عنْه، حديث رقم (10).

[36] – سورة العنكبوت: 26.

[37] – سورة الأحزاب: 8.

[38] – عبد السلام ياسين؛ ”المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا”، ط2، 1994م، ص181.

[39] – سورة التوبة: 40.

[40] – خبر رواه البيهقي في “السنن الكبير” (13 / 317)، وابن عساكر في “تاريخ دمشق” (44 / 338).

[41] – قال رسول الله ﷺ في بيعة العقبة الأولى(=بيعة النساء) للأنصار الأوائل، في السنة الثانية عشرة من البعثة: «بَايِعُونِي علَى أنْ لا تُشْرِكُوا باللَّهِ شيئًا، ولَا تَسْرِقُوا، ولَا تَزْنُوا، ولَا تَقْتُلُوا أوْلَادَكُمْ، ولَا تَأْتُوا ببُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بيْنَ أيْدِيكُمْ وأَرْجُلِكُمْ، ولَا تَعْصُوا في مَعروفٍ». أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب علامة الإيمان حب الأنصار، حديث(18).

[42] – قال رسول الله ﷺ في بيعة العقبة الثانية  للأنصار، في السنة الثالثة عشرة من البعثة : « تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ عَلَى النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللهِ لا يَأْخُذُكُمْ فِيهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِيَ إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ، فَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمُ الْجَنَّةُ».». أخرجه أحمد (14653) واللفظ له، والبزار كما في ((مجمع الزوائد)) (6/49)، وابن حبان (6274) وهو صحيح على شرط مسلم.

[43] – الحِلْفُ: هو العَقْدُ والعَهْدُ، وكان النَّاسُ يَتَحالَفونَ في الجاهليَّةِ على نَصْرِ بَعضِهم بَعضًا في كُلِّ ما يَفعَلونَه، فهَدَمَ الإسلامُ ذلك، إلَّا ما كان عَهْدًا على الحقِّ والنُّصرَةِ على الأخْذِ على يَدِ الظَّالمِ الباغي.

[44] – أخرجه مسلم، في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب مؤاخاة النبي ﷺ بين أصحابه، (حديث رقم: 6463 )

[45] – سورة الأنفال: 75.

[46] – عبد الملك ابن هشام؛ ”السيرة النبوية لابن هشام”، تحقيق خالد رشيد القاضي، ط1، 2007م، دار صبح، بيروت، ص478.

[47] – أخرجه الترمذي (2658) واللفظ له، وأبو يعلى في ((المعجم)) (219)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (5179).

[48] – اخرجه ملك بن أنس، ” الموطأ”، رواية يحيى، الحديث ( 3323/ 671).

[49] – سورة المائدة: 49.

[50] – سورة الصف: 09.

[51] – أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً وَمَنْ دَعَا إِلَى هُدًى أَوْ ضَلاَلَةٍ، حديث (2674)

[52] – سورة القصص: 51.

[53] – : أخرجه البخاري، في صحيحه، في الأدب المفرد، حديث (1109).

[54] – سورة التوبة: 29.

[55] – سورة التوبة: 101.

[56] – سورة محمد: 20.

[57] – سورة البقرة: 190.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.