المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (11)
بقلم: عبد الغني منتصر
الفصل الثالث: ثنائية العدل والإحسان.. ميزان الاستقامة المنهاجية
المبحث الرابع: ميزان الاستقامة.. التلازم العضوي بين العدل والإحسان
1 – الإحسان كشرط لشرعية العدل: الترياق ضد الطغيان الثوري
يرى الإمام عبد السلام ياسين بوعيٍ استراتيجي ونفاد بصيرة أن السعي المحموم وراء “العدل” الاجتماعي والسياسي بغير زادٍ متصل من “الإحسان” القلبي والارتباط الوثيق بالله، هو انزلاقٌ محقق وهاوية مؤكدة نحو طغيانٍ جديد بوجوهٍ وأقنعة أخرى؛ فالتاريخ البشري الحديث والقديم غاصٌّ بالثورات الملحمية التي قامت باسم العدل ونصرة المستضعفين وتحطيم الأغلال (كالثورة الفرنسية، البلشفية، أو الحركات القومية)، ولكنها سرعان ما ارتدت مقاصل للدماء ودكتاتوريات بشعة فاقت في ظلمها ما ثارت عليه، لأن قادتها ومنظريها افتقروا إلى الوازع “الإحيائي الإحساني” الذي يكبح جماح “الأنا” الطاغية ويهذب غريزة التسلط الكامنة في النفس البشرية.
إن الإحسان في المنهاج ليس ترفاً، بل هو الذي يضمن “أخلاقية العدل” ويؤنسن الصراع؛ فلا يتحول المناضل من أجل الحق إلى طالبِ انتقام أعمى، ولا يتحول الباحث عن الشورى إلى مستبدٍ جديد يرى في نفسه “وصياً” إلهياً أو تاريخياً على الشعب. يستدل الإمام بالاقتران الإلهي المعجز في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، مبيناً أن هذا التلازم ليس مجرد جمعٍ لفظي، بل هو قانونٌ كوني لنجاح المجتمعات؛
فالعدل يمثل “الواجب القانوني والمؤسساتي والاجتماعي” الذي يضبط العلاقات، والإحسان يمثل “السمو الروحي والأخلاقي” الذي يملأ القلوب رحمة، وبغير هذا السمو يغدو العدل هيكلاً جافاً، بل وقاسياً ينتزع الحقوق بروحٍ مادية باردة. إن الإحسان هو الكيمياء التي تجعل المؤمن يقيم العدل في “دولة نفسه” أولاً قبل أن يطالب به في “دولة الناس”، فيعدل مع أهله، ومع خصومه، وحتى مع من يشنأهم، ممتثلاً قوله سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8]. وبذلك، يكون الإحسان هو “الحصانة الروحية” الكبرى التي تمنع جند الله من الغرور بالقوة أو الانحراف عن المقصد الأسمى وهو وجه الله عز وجل، مما يحول حركة “العدل” إلى رسالة رحمة للعالمين، شاهدة بالحق لا بالهوى، ومنتصرة للإنسان لا للأيديولوجيا الضيقة.
2 – العدل كميدانٍ للتحقق الإحساني: نقد “التصوف القعيدي” ورهبانية الانعزال
وفي المقابل، وبنفس القوة والنقدية، يرفض الإمام ياسين بشدة أي دعوى لـ “إحسان” ينكفئ على الذات، ويغلق على نفسه أبواب الزوايا والمحاريب في استقالة أخلاقية وتاريخية، بينما تئنُّ الأمة وتنزف تحت وطأة الجهل المطبق والفقر المدقع والاستبداد الجبري الجاثم. إن “الإحسان” الحقيقي في المنهاج ليس ترفاً وجدانياً بارداً يعيشه المؤمن في خلوات “الوجد” بعيداً عن كدح الحياة وصخب الميدان، بل هو الطاقة المتفجرة والدافع القوي الذي يدفع صاحبه لاقتحام ميادين “العدل” ومنازلة الظلم ونصرة المظلومين؛ فالذي يدعي حب الله والارتباط به ثم لا تحركه دمعة يتيم، أو آهة مسجون خلف قضبان الجور، أو جوع فقير نهبت ثرواته، هو في حقيقته يعيش “وهماً إحسانياً” أو “تصوفاً قعيدياً” مخدراً يشرعن للأمر الواقع بصمته المريب. إن العدل هو “المختبر العملي” والبرهان الوحيد لصدق الإحسان؛ ففي ميدان المدافعة السياسية والاجتماعية يظهر الورع الحقيقي عند الفتن، وتظهر التضحية بالمال والوقت والنفس، وهي كلها معانٍ إحسانية لا تتحقق في الفراغ الروحي المعزول.
يلح الإمام على أن “الكمال البشري” الذي تنشده التربية المنهاجية لا يكون إلا بجمع “الحسنيين”: عروج الروح إلى باريها شوقاً وتبتلاً (إحساناً)، ونزول الجوارح لعمارة الأرض وإقامة القسط كدحاً وجهاداً (عدلاً). إن هذا التلازم يجعل من المؤمن “ربانياً” في محرابه حين يسكن الليل، و”مجاهداً” في ميدانه حين يشتد الصراع، بحيث لا يطغى “حال” الذكر على “واجب” النصيحة والصدع بالحق، ولا تستغرق “جلبة” السياسة وهمومها “سكون” المناجاة ولطائف الإيمان. وبذلك، قدم الإمام مشروعاً تجديدياً يتجاوز ثنائية “الدروشة الانسحابية” و”العلمانية المادية”، ليعيد للأمة توازنها المفقود كأمة وسط، تجمع بين طهرانية الملائكة وفاعلية الإنسان المستخلف في وحدة شعورية وعملية لا قبل للانفصام فيها.
3 – التوازن المنهاجي: نحو مجتمع الفوز بالله والكرامة الآدمية
إن الغاية النهائية والكلية من هذا التلازم المصيري بين العدل والإحسان في فكر الإمام ياسين هي بناء مجتمع “الفلاح” الشامل؛ وهو مجتمعٌ لا يكتفي بإصلاح الدنيا، بل يضمن للإنسان “كرامته الآدمية” فوق الأرض بتوفير شروط العدالة (العدل)،
ويمهد له في آن واحد طريق “الفوز والنجاة في الأخرة” بتزكية نفسه وتربيتها (الإحسان). فالدولة المنهاجية في رؤية الشيخ ليست مجرد جهاز إداري بيروقراطي لتوزيع الأرزاق وحفظ الأمن، بل هي “محضنٌ تربوي كبير” يساعد الخلق على معرفة ربهم وتعبيد الطريق لمرضاته في أجواء من الحرية والكرامة.
إن أي مشروع سياسي يغفل جانب “الروح” وأشواق النفس للخلود ينتهي حتماً بمسخ الإنسان وتحويله إلى كائن استهلاكي، وأي مشروع روحي يغفل جانب “المعاش” وحقوق الناس ينتهي باستعبادهم وتجهيلهم. وهنا تبرز عبقرية الإمام الفذة في جعل “العدل والإحسان” هما جناحا الأمة اللذان تطير بهما نحو “الموعود النبوي”؛ فالعدل يوفر الهيكل المادي والبيئة السياسية الكريمة (من شورى حقيقية، وحرية مسؤولة، وتوزيع عادل للثروة العامة)، والإحسان يوفر المضمون القيمي والوقود الروحي الذي يملأ هذه الهياكل بالمعنى والجمال والرحمة.
إن هذا الميزان الدقيق هو الذي يحقق “الاستقامة” التي أمر بها الوحي في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]، وهي استقامة تجمع في توازن مبهر بين حقوق الخالق في العبادة والذكر، وحقوق المخلوق في العدل والإنصاف. وبذلك، يظل مشروع الإمام ياسين مشروعاً “استئنافياً” بامتياز، لأنه لم يأتِ ليضيف مذهباً فقهياً جافاً أو حزباً سياسياً عابراً، بل جاء ليعيد ترتيب الأولويات المبعثرة في وجدان الأمة، وليبين بالبرهان الساطع أن “العدل” هو جمال الإسلام في الدنيا وسياجه، و”الإحسان” هو جمال المسلم في العقبى ونوره، وأنه لا سبيل لنهضة حقيقية بغير اجتماعهما في بناء “الخلافة على منهاج النبوة” كرحمة مهداة للعالمين.
خاتمة الفصل الثالث: ميثاق العدل والإحسان وتأصيل المنهاج
بإتمام هذا المبحث الرابع، نكون قد وضعنا اللبنات الأولى والقوية في صرح هذا المؤلف، حيث استعرضنا في هذا الفصل كيف أن “الإحسان” و”العدل” ليسا مجرد كلمات في شعار، بل هما رؤية كونية وفلسفة وجودية وموقف تاريخي صلب. لقد انتقلنا من سؤال المصير الفردي إلى مسؤولية الاستخلاف الجماعي، ومن نقد التراث التبريري إلى مواجهة الحداثة المادية، وصولاً إلى سيرة الصمود التي عمدت هذه المعاني بالدم والدموع واليقين. إن هذا الفصل يمثل “الأساس المتين” الذي سنبني عليه في الفصول القادمة تفاصيل “التربية” و”التنظيم” و”الزحف”، حيث يتحول هذا الميزان النظري إلى “قوة حركية” تغير وجه التاريخ.
المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (8)