النبي ﷺ واكتشاف المواهب
بقلم: سعيد ضياء
كان مولانا رسول الله ﷺ جميل الخلق والخُلق، رفيع الذوق، يعرف الجمال حيث كان.
وكان ﷺ يدعو إلى الله على بصيرة، ويبني دولته على أساس. ويعلم يقينا أن اليد الواحدة لا تصفّق، وأنّ الأمة إنّما تزدهر وتنمو وتقف صامدة في وجه الأعداء بتكاثف جهود أبنائها. لذلك كان يبحث عن المواهب والطاقات، ويفتح الباب أمام المبادرات، ويعطي الشباب الفرصة لإظهار ما يتمتعون به من قدرات.
وكان –عليه الصلاة والسلام- إذا اكتشف موهبة من المواهب، احتضنها، وشجّعها، وصقلها، ثمّ برّزها.
فهذا سيدنا عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ ﭬ حين رأى الأذان في رؤياه، أخبر النبي ﷺ بذلك، فقال له: «فقُمْ مع بلالٍ، فألْقِ عليه ما رأيتَ فليؤذِّن به؛ فإنَّه أنْدَى صوتًا منك»[1]
“أندى صوتا”…فالأذان نداء للصلاة… نداء يُعلم بدخول وقتها… دعوة للفلاح بحضورها وإقامتها وسط جماعة المسلمين وفي بيت الله …هذا النداء إن كان بصوت حسن يكون أدعى للاستجابة من صوت خشن.
الأذان واحد…. لكن النفوس تميل إلى الجمال في كلّ شيء…فالصوت الشجي يأسرها والصوت الخشن المزعج يستفزّها…والدعوة إلى الله أحوج ما تكون إلى أساليب الترغيب والتحبيب.
ورغم أنّ صاحب الرؤيا هو عبد الله بن زيد، إلا أنّ النبي ﷺ أمره أن يلقي ما رأى على بلال ﭬ، لأن بلالا كان أحسن صوتا.
و ها هو ذا ﷺ يقول لأصحابه في قصة أبي محذورة : «قد سَمِعْتُ في هؤلاءِ تأذينَ إنسانٍ حسَنِ الصَّوتِ»[2]، فميزّ ﷺ صوتا حسنا من بين عشرة أصوات. صوتَ فتى من بين عشرة فتيان أقبلوا من مكة نحو حُنين، فلما سمعوا مؤذن رسول الله ﷺ أخذوا يستهزؤون ويحكون صوته غيظاً. فلما أذّنوا عن آخرهم، دعاهم ؑ إليه وعرف صاحب الصوت الحسن – وكان أبا محذورة- فوظّفه في مقام يليق به ويفيد الناس بموهبته ويحبّب إليهم نداء الصلاة ونداء الفلاح.
وأترك أبا محذورة -وهو سمرة بن معير الجمحي ﭬ – يحكي لنا قصته بنفسه، قال: «لمَّا خَرجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مِن حُنَيْنٍ، خرجتُ عاشرَ عشرةٍ من أَهْلِ مَكَّةَ نطلبُهُم، فسمِعناهم يؤذِّنونَ بالصَّلاةِ فقُمنا نؤذِّنُ نستَهْزئُ بِهِم، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «قد سَمِعْتُ في هؤلاءِ تأذينَ إنسانٍ حسَنِ الصَّوتِ.» فأرسَلَ إلَينا، فأذَّنَّا رجلٌ رجلٌ وَكُنتُ آخرَهُم، فقالَ حينَ أذَّنتُ: تعالَ. فأجلسَني بينَ يديهِ، فمَسحَ على ناصيتي وبرَّكَ عليَّ ثلاثَ مرَّاتٍ، ثمَّ قالَ: اذهَب فأذِّن عندَ البيتِ الحرامِ. قلتُ كيفَ يا رسولَ اللَّهِ؟ فَعلَّمَني كما تؤذِّنونَ الآنَ بِها: اللَّهُ أَكْبرُ. اللَّهُ أَكْبرُ. اللَّهُ أَكْبرُ. اللَّهُ أَكْبرُ. أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ، أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ. أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ. أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ. حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الصَّلاةِ. حيَّ على الفلاحِ. حيَّ على الفلاحِ. الصَّلاةُ خيرٌ منَ النَّومِ الصَّلاةُ خيرٌ منَ النَّومِ في الأولى منَ الصُّبحِ. قالَ: وعلَّمَني الإقامةَ مرَّتينِ: اللَّهُ أَكْبرُ. اللَّهُ أَكْبرُ أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أشهَدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ، أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ ثُمَّ حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفلاحِ، حيَّ على الفلاحِ، قد قامَتِ الصَّلاةُ، قد قامتِ الصَّلاةُ، اللَّهُ أَكْبرُ. اللَّهُ أَكْبرُ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ»[3]
نصّب مولانا رسول الله ﷺ أبا محذورة ﭬ مؤذنا في المسجد الحرام وهو ابن ست عشرة سنة، فكان مؤذن أهل مكة حتى مات بها[4] سنة تسع و خمسين و قيل تسع وسبعين و لم يهاجر[5]، ثم كان عقبه بعده يتوارثون الأذان كابرا عن كابر.
ولقد استمع عليه ؑ ليلة لأبي موسى الأشعري[6] ﭬ وهو يتلو القرآن فلما وافاه صباحا قال له: «يا أبا مُوسَى لقَدْ أُوتِيتَ مِزْمارًا مِن مَزامِيرِ آلِ داوُدَ».[7] و في رواية أنه قال له : «لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ ، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ»[8]
فشبّه ﷺ صوت سيدنا أبي موسى الأشعري بصوت سيدنا داود ؑ فيما كان يتغنى به من الزبور وضروب الدعاء-و كان من أحسن الناس صوتا-… وهذا تشجيع وتنويه ودعوة لمزيد من التجويد والتغنّي بالقرآن… وقد وقعت هذه الكلمة موقعها من قلب أبي موسى ﭬ فقال: “يا رسول الله، لو علمت مكانك، لحبّرت لك تحبيرا “.[9]
ولقد كان ﷺ يطلب –بين الفينة والأخرى- من سيدنا عبد الله بن مسعود ﭬ أن يقرأ عليه القرآن، وذاك لحسن قراءته، وجمال صوته. بل وكان يحثّ أصحابه على الاستماع إلى تلاوته ﭬ. فقال -عليه الصلاة والسلام-: «من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»[10]
لقد كان مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلّم قائدا عظيما وإماما حكيما، ذا ذوق رفيع، حاذقا، يكتشف المواهب الجمالية والطاقات الصوتية، فيحتضن أصحابها، ويوجّههم، ويرشّدهم، ويشجّعهم، وينوّه بهم، ويضع كلّ موهبة في مكانها الذي تصلح له، شاكرة لأنعم الله، خادمة لدعوته. ثمّ يبرزهم ويجعلهم قدوات في تخصصهم. «من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»
لم يَحرِم النبي ﷺ الناس من الاستماع إلى هذه الأصوات الندية الشجية، ولم يأمر بإبعاد أصحابها أو إخفائهم أو منعهم أو التضييق عليهم، ولكنّه ﷺ وظّف هذه المزامير الداوودية في طاعة الله… خدمة لدعوة الله…وجعل الناس تتمتع بها في أحسن سماع. وهو السماع الإحساني، وهو الاستماع والاستمتاع والانصات إلى كتاب الله عز وجل يُتلى، ويُرتّل، ويُجوَّد، ويتغنَّى به المؤمنون- استغناء به عن غيره، وغنّة وتحسينا للصوت. بعيدا عن التمطيط والاسراف الذي يصرف القارئ والمستمع عن تأمل النّص القرآني وفهم مراده وغايته ومعناه.
ولقد كانت نساء النبي ﷺ تجتمعن منصتات مستمعات إلى سيدنا أبي موسى الأشعري ؓ وهو يصلي بالمسجد ليلا. فعن سيدنا أنس ؓ أنَّ أبا موسى كان يَقرَأُ ذاتَ ليلةٍ ونِساءُ النبيِّ ﷺ يستَمِعنَ، فقيل له، قال: لو علِمتُ لحبَّرتُ تحبيرًا ولشوَّقتُ تشويقًا[11]
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ يَقُولُ لأَبِي مُوسَى وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَجْلِسِ : يَا أَبَا مُوسَى ، ذَكِّرْنَا رَبَّنَا ، فَيَقْرَأُ عِنْدَهُ أَبُو مُوسَى وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَجْلِسِ وَيَتَلاحَنُ[12] .
وهكذا استمرّ الاحتفاء بالمواهب الربّانية الخادمة لدعوة الله وإبرازها، وبقيت سنّةُ رسول الله ﷺ في الاستماع إلى أهل القرآن الماهرين بقراءته، المجوّدين لآياته، مستمرّة إلى يومنا هذا، وستبقى خالدة إلى يوم الدين…وبرز على مرّ العصور قراء متقنون، وحفّاظ مجوّدون، أسروا القلوب بتلاواتهم النديّة، وأمتعوا الآذان بأصواتهم الشجيّة، وتفنّنت مزامير آل داود في تجويد كتاب الله تعالى فسجلت عدسات التاريخ لوحات فنية روحانية لم تعرف البشرية لها نظيرا…
وهذا سيدنا زيد بن ثابت ؓ قدّمه قومه إلى النبي ﷺ يوم مقدمه المدينة وقالوا: «يا رسول الله، هذا غلام من بني النجار، وقد قرأ مما أنزل عليك سبع عشرة سورة». فقرأ زيد على رسول الله ﷺ من حفظه فأعجبه، فقال له: « يا زيد ، تعلم لي كتاب يهود، فإنِّي واللَّهِ ما آمَنُهم علَى كتابي»[13] أي أنني لا آمن خبث اليهود و مكرهم، فأكلّف يهوديا منهم يكتب عني لهم، ولا آمنه أن يقرأ لي عنهم. فأمره أن يتعلّم لغة اليهود-وهي اللُّغةُ السُّريانيَّةُ-فتعلّمها فيما ذكر في نصف شهر. قالَ: فما مرَّ بي نِصفُ شَهْرٍ حتَّى تعلَّمتُهُ لَهُ، قالَ: فلمَّا تَعلَّمتُهُ كانَ إذا كتبَ إلى يَهودَ كتبتُ إليهِم، وإذا كتَبوا إليهِ قرأتُ لَهُ كتابَهُم. [14]
كان زيد يومها يتيما ابن إحدى عشرة سنة. فلم يحل صغرُ سنّه دون أن يحظى بثقة رسول الله ﷺ، فكلّفه بمهام عدّة، وأسند إليه مسؤوليات جسيمة. فكان من كتّاب الوحي، وكان من أعلم الصحابة بالفرائض.
ولمّا مات رسول الله ﷺ وأراد أبو بكر جمع القرآن كلّف زيدا بن ثابت بهذه المهمة التي كانت في غاية الخطورة والأهمية، فقام بها أحسن قيام.
فإذا أمسكت يا أخي المصحف اليوم بين يديك فترضى على هذا الشاب ابن اثني وعشرين سنة الذي كان له فضل جمع القرآن.
آه كم من مواهب أقبرت، وكم من طاقات أُهدرت، وكم من خير فات، وكم من فتى قتل أو مات، لمّا وقفنا حاجزا منيعا ضدّ فكرته ووجهة نظره، و كنّا حجر عثرة في وجه مبادرته و موهبته!!!…
فيا أخي لا تكن حفرة في وجه المواهب والطاقات…لا تكن صخرة تتحطم عليها المبادرات …لا تكن حاجزا يحبس الخير عن الغير.
اشرح للموهبة صدرا… ولا تكن لها قبرا. إذا رأيتها شعثاء غبراء مدفوعة بالأبواب، فآوها حتى تُقسم على خالقها فلربما نابك من برها وخيرها وبركتها ما لم يكن لك بالحسبان.
وصلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه و حزبه.
[1] [رواه أبو داود (499)، وابن ماجه (706)، وابن خزيمة (370)، والبيهقي (1/390) (1909) صحَّحه البخاريُّ كما في ((السنن الكبرى)) للبيهقي (1/390)، وصحَّح إسنادَه الخطابيُّ في ((معالم السنن)) (1/130)، وصحَّحه النوويُّ في ((الخلاصة)) (3/76)].
[2] [رواه النسائي في سننه عن أبي محذورة سمرة بن معير- رضي الله عنه- في كتاب الأذان باب الأذان في السفر ص:7 ج:2].
[3] [رواه النسائي في سننه عن أبي محذورة سمرة بن معير- رضي الله عنه- في كتاب الأذان باب الأذان في السفر ص:7 ج:2].
[4] [الإصابة في تمييز الصحابة (7/ 365)].
[5] [الاستيعاب في معرفة الأصحاب].
[6] [أبو مُوسى الأشَعْريُّ اليَمانِيُّ رضِيَ اللهُ عنه -واسمُه عبدُ اللهِ بنُ قَيْسٍ وكان ماهرا بالقرآن من أحسن الناس صوتا]
[7] [أخرجه البخاري (5048)، ومسلم (793) عن سيدنا أبي موسى رضي الله عنه].
[8] [أخرجه مسلم (1375) عن سيدنا أبي موسى رضي الله عنه].
[9] [صحيح ابن حبان (7197) عن سيدنا أبي موسى رضي الله عنه].
[10] [أخرجه أحمد (35)، وابن حبان (7066)، وأخرجه الطبراني (9/66) (8423) باختلاف يسير عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه].
[11] [أخرجه البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (6/342) وابن حجر العسقلاني في المطالب العالية (4/70) |عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه].
[12][أخرجه ابن حبان في صحيحه (7352) عن أبي سلمة بن عبد الرحمان].
[13][أخرجه أبو داود (3645)، والترمذي (2715) واللفظ له، وأحمد (5/ 186)، باختلاف يسير عنده.].
[14][أخرجه أبو داود (3645)، والترمذي (2715) واللفظ له، وأحمد (5/ 186)، باختلاف يسير عنده.].