فضل طلب العلم:
لقد حاز طالب العلم شرفا عظيما لا يعادله شرف ولا فضل؛ فقد بيّن رسولنا الكريم ذلك في الحديث الذي رواه ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: “نضّر الله امرؤا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن الدعوة تحيط من ورائهم”[1].
إنها دعوة عظيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، موجهة لحامل العلم النبوي ومبلغه، ولو كان المبلَغ له أفقه وأعلم منه، فتشمله هذه الدعوة.
إنها دعوة محمدية، غير مردود ة وهي أن يجعل وجهه ذا نظارة وجمال ووضاءة وإشراقة في الدنيا والآخرة. أيّ شرف هذا، وأي فضل حازه العالم والمتعلم !! يقول ابن القيم، رحمه الله: “ولو لم يكن في فضل العلم إلا هذا وحده لكفى به شرفا. لأن مقام تبليغ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبثه في الأمة، دخل تحت هذه الدعوة النبوية المتضمنة لجمال الظاهر والباطن، فإن النظرة والبهجة والحسن الذي يُكساه الوجه من آثار الإيمان وابتهاج الباطن به وفرح القلب وسروره حيث يظهر هذه البهجة، وذلك السرور، وتلك الفرحة…”[2].
نضرة وحسن ورونق في وجه من بلغ المنهاج النبوي وبيّنه للناس، وسرور في قلبه دائم، وأنس باطني، وإيمان قلبي، وسعادة لا تعدلها سعادة. والحديث فيه إشارة إلى فضل تبليغ العلم وتعليمه للناس وعدم كتمه. والأمر على الإطلاق حتى في عصرنا الحالي الذي اشتدت الحاجة فيه إلى العلماء المبلغين عن دراية ويقين؛ فكان جزاؤهم الشعور بالسعادة والحبور. وقد كشفت كثير من الدراسات أن الأشخاص المتعلمين هم أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب، وأكثر نجاحا في حياتهم، ويحققون إنجازات أكثر، ويتمتعون بصحة أفضل. كما أن استمرار الإنسان في طلب العلم والتعلم يقي من خرف الشيخوخة، ويجعله بصحة نفسية وجسدية أفضل.
زكاة العلم: نشره وإذاعته
أنذر رسولنا الكريم الذين يكتمون العلم عن الناس ولا يعلمونه للأجيال بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: “من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة.”[3].
وتزداد خطورة هذه النذارة في واقعنا المعيش الذي اختلط فيه الحابل بالنابل، وكثر فيه الدجالون والمتنطعون في الدين؛ فأصبح التبليغ عن رسول الله عليه أفضل الصلاة والتسليم ضرورة ملحة وعبادة لا تعدلها عبادة قال تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا الثواب الرحيم.﴾[4].
فهذه الآية وإن كانت نزلت في أهل الكتاب الذين كتموا الإسلام وكتموا أيضا نبوة محمد التي بينها الله لهم في التوراة والإنجيل فكتموها حسدا وبغيا فهي معني بها كل كاتم علم؛ سواء كان علما شرعيا، أو علما دنيويا نافعا، ينفع به الأمة. أورد الإمام الطبري في تفسيره أن أبا هريرة رضي الله عنه قال لولا هذه الآية ما حدثكم ثم تلا الآية: ﴿إن الذين يكثمون ما أنزلنا من البينات والهدى …﴾[5].
ولقد جاء الوحي يستحث رسولنا الكريم على الزيادة من طلب العلم، حيث خاطبه ربه عز وجل، بصيغة الأمر: ﴿وقل ربِّ زدني علما﴾[6].
فلو تأملنا القرآن نجد كلمة العلم وردت ستمائة وسبعين مرة، مما يدل على أهمية العلم والتعلم في حياة الإنسان، لذلك علينا تعلم العلم وتعليمه للناس. ورسول صلى الله الله عليه وسلم، اعتبر العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة…
[1] أخرجه الإمام أحمد (4157) والترمذي (2657) وابن ماجة (232).
مفتاح دار السعادة لابن القيم.[2]
[3] أخرجه أبوداود، واللفظ للترمذي وابن ماجة.
[4] سورة البقرة – الآية 159.
[5] تفسير الطبري، ص66.
[6] سورة طه – الآية 114.