لذّة النظر إلى سيد البشر
بقلم: الأستاذ سعيد ضياء
اختلف الناظرون إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- بين محروم ومرحوم، فالمحرومون حجبتهم بشريته عن رؤية فضل الله عليه فعادوه وآذوه ولسان حالهم يقول: ﴿مَالِ هَٰذَا اَ۬لرَّسُولِ يَاكُلُ اُ۬لطَّعَامَ وَيَمْشِے فِے اِ۬لَاسْوَاقِ﴾[1] ، وأما المرحومون فرأوا روحانيته ونورانيته فأحبوه واتبعوه و لسان حالهم يقول:
“هذا رســول الله هذا المصطفى هذا لـــرب العــــالمين رســول”
و انظر -رحمك الله- إلى سيدنا أبي هريرة t كيف سلبه جمال نور المصطفىe فقال معبّرا عنه: «ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله e كأن الشمس تجرى في وجهه» [2] ، أما سيدنا جابر بن سمرة t فقد خرج في ليلة إضحيان – و هي الليلة المقمرة الخالية من الغيوم- فرأى حبيب الله e وعليه حُلَّة حمراء، قال: «فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو عندي أحسن من القمر» [3] وسأله رجل: «أ كان وجهه e مثل السيف؟ فقال: « لا بل مثل الشمس والقمر وكان مستديرا»[4].
غلب على قلوبهم صفاء سريرته، و نور نبوته، فانبهرت عقولهم أمام تجليات حضرته، و تسمّرت أبصارهم في بهاء طلعته، ولم يجدوا ما يشبهه إلا الشمس أو القمر أو كلاهما معا…قال سيدنا كعب بن مالك t: «وكان إذا سُرَّ استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر» [5] ، وفى حديث ابن أبي هالةt في وصف خير الأنام عليه الصلاة و السلام قال: «يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر… » [6] ، و استعصى الأمر على الربيع بنت معوذtحينما سألوها وصفَ رسول الله e فقالت : «لو رأيته لقلت الشمس طالعة »[7]
أما سيدنا حسّان بن ثابت t فقد أرخى العنان لشاعريته و مشاعره فقال:
وأحسن منك لم تر قط عيني *** وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرأ من كل عيب *** كأنك قد خلقت كما تشاء[8]
و هذا سيدنا عبد الله بن سلام t -وكان حَبْرا من علماء يهود بني قَيْنُقَاع-حينما رأى رسول الله e يوم دخوله المدينة لم يزد على أن قال:«فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب»[9]…ثمّ أسلم.
لاحت من طلعته الأنوار، وبدت من محيّاه الأسرار، فابتهجت برؤيته القلوب وسُرّت الأبصار. لكن رغم حرصهم الشديد -رضوان الله عليهم- على تملّي وجهه الشريف، والتمتع بطلعته البهيّة، إلا أنهم لم يكونوا –من هيبته وتعظيمه وتوقيره- يطيلون النظر إليه. فعن سيدنا أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس فيهم أبو بكر وعمر، ولا يرفع إليه أحد منهم بصره، إلا أبو بكر وعمر، فإنهما كانا ينظران إليه، وينظر إليهما، ويبتسمان إليه، ويبتسم إليهما». [10]
وهذا سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه يبوح بخوالج صدره -وهو في سياقة الموت- قال: «…وما كانَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيَّ مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، ولا أجَلَّ في عَيْنِي منه، وما كُنْتُ أُطِيقُ أنْ أمْلأَ عَيْنَيَّ منه إجْلالًا له، ولو سُئِلْتُ أنْ أصِفَهُ ما أطَقْتُ؛ لأَنِّي لَمْ أكُنْ أمْلأُ عَيْنَيَّ منه، …» [11]
هذا حال من رآه من أهل زمانه، فكيف بمن جاءوا بعده، وامتلأت إلى مشاش عظامهم محبته، وداعبت خيالهم صورته، وغلبهم الشوق حتى جادوا بالغالي و النفيس من أجل نظرة تشفي السقم، و تذهب الألم، فكانوا كما وصفهم هو بنفسه-عليه الصلاة و السلام- : «إن من أشدّ أمتي لي حبا، قوم يأتون من بعدي يودّ أحدهم لو رآني بأهله وماله»[12]
نعم … ما زال هؤلاء المحبّون الولهون يطرقون باب الملك الوهاب، ويلثمون الأعتاب، حتى فتح لهم الباب، وحظوا بشرف النظر إلى زينة البشر. فظفروا برؤياه، ونال كلّ منهم مناه، وكحّل برؤية كامل الأوصاف عيناه، فوالّله ما استطاع-بعد ذلك- أن يكتم السرّ، ولا أن يحبس الخواطر، فأرخى الزمام للسان الحال، فإذا شعره أو زجله أو نثره يصف ذاك الجمال، وينعت ذاك الكمال. فاللهم صلّ وسلم على النبي والآل.
وما زال إكرام البصر بالنظر إلى خير البشر، لممّا يسعى في طلبه المشتاقون، ويتنافس على نيله المحبّون العاشقون.
فاللهم لا تحرمنا لذة النظر إليه في الدنيا والآخرة، واسقنا من حوضه الشريف شربة لا نظمأ بعدها أبدا.
[1] سورة الفرقان آية 7
[2] رواه الترمذي.
[3] رواه الترمذي. والدارمي والبيهقي
[4] رواه مسلم.
[5] رواه البخاري.
[6] رواه الترمذي والبيهقي.
[7] رواه الدارمي والبيهقي والطبراني وأبو نعيم
[8] ديوان حسان بن ثابت -ص 10
[9] رواه أحمد والترمذي والحاكم، وصححه الترمذي والحاكم ووافقه الذهبي.
[10] رواه الترمذي.
[11] رواه مسلم.
[12] رواه مسلم.