منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إشكاليَّات السَّرديَّة الكُبرى الواقعة في مُقاربة المُستشرقين لعلوم السنة | مدرسةُ شَاخت أنموذجًا: دراسة نقدِيَّة تفكيكِيَّة

د. أنس سرميني

0
الفهرس إخفاء

إشكاليَّات السَّرديَّة الكُبرى الواقعة في مُقاربة المُستشرقين لعلوم السنة

مدرسةُ شَاخت أنموذجًا: دراسة نقدِيَّة تفكيكِيَّة

  دراسات نقدية لمؤلفات المستشرقين حول السنة النبوية

د. أنس سرميني

أستاذ مساعد في جامعة 29 مايو إستانبول

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعدُ، فإنه لم يعد إهمال كلام المستشرقين أو الاكتفاء بالأحكام العامة في تجهيلهم وتحيزاتهم كافياً، بعد أن صارت لهم اتجاهات وسرديَّات خاصة في قراءة التراث الإسلامي وتفسيره، انتقلت إلى تلامذتهم واستوطنت عقولهم بما يشكِّل حاجزًا يمنعهم من التواصل مع السردية التراثية الإسلامية، وكذلك انتقلت إلى أفراد من الباحثين المسلمين، فتأثروا بجوانب معينة من هذه السرديات، وإن لم يتأثروا بها تماما.

  • أهمية البحث:

تكمن أهمية هذا البحث، في أنه سيتوقف عند واحدة من أهم سرديات المستشرقين المتصلة بعلوم الحديث وقوفا متأنيا لنقدها وتأملها ودراستها دراسة تفكيكية تفصيلية بعيدا عن منهج الانتقادات العاطفية والتعميمية التي شاعت في معظم الدراسات السابقة، فالأمر يحتاج لمناقشة النَّد للند، والفكرة بالفكرة.

  • أسئلة البحث:

والإشكالية التي يريد الباحث التوقف عندها هي اختبار أركان سردية شاخت التي بينت عليها معظم الدراسات الاستشراقية المعاصرة، في مدى إبداعه في استنباطها، ومدى قدرتها على تفسير ظهور وتدوين الحديث والسنة النبوية، والتوقف عند مصادره في هذه السردية وهل بناها على ملاحظاته المباشرة أم أنها تحريف وتشويه لدراسات المحدثين أنفسهم.

  • الدراسات السابقة:

لأهمية هذا الجانب من الدراسات الحديثية التاريخية فقد أفردت له العديد من الدراسات ونذر له الكثير من الباحثين أنفسهم للإجابة عنه، وأهمها في ظني ثلاث دراسات، دراسة الأعظمي المسماة بالمستشرق شاخت والسنة النبوية، والتي سأكتفي عند التوثيق منها بذكر لقب المؤلف “الأعظمي”، ودراسة خالد الدريس بعنوان: العيوب المنهجية في كتابات المستشرق شاخت المتعلقة بالسنة النبوية، والتي سأوثق منها بقولي “الدريس”، ودراسة فهد الحمودي، المسماة: نقد نظرية المدار، والتي سأوثق لها بقولي “الحمودي”، وأترك الكلام في عرضها وعمل أصحابها إلى المسألة الرابعة من المبحث الأول المعنونة بـ “نماذج من نقد شاخت”.

  • منهج التوثيق في البحث:

وقد حرصت في هذه الدراسة على توثيق الاقتباسات من مصادرها الأصلية، الأجنبية أو المترجمة عنها ترجمة دقيقة، فما كان من مصدر أجنبي منها، وثقته باسمه الأجنبي، وما كان من أصل عربي أو مترجم فوثقته باسمه العربي. ولم أحل على المراجع الوسيطة إلا فيما ندر عندما صعب علي الوصول للنص الأصلي.

المبحث الأول: سردية شاخت؛ أهميَّتها وتأثيرها ونماذج عن نقدها

  • أولًا: تعريف السردية في اللغة والاصطلاح

السردية مصطلح اجترح حديثا ليقابل مصطلح: (narrative) باللغة الإنكليزية، ويُراد به القصة التي تشرح بدقة أشكال الاتصال بين مجموعة من الحقائق القائمة، لتأييد رؤية أو نظرية معينة.

وفي قاموس أوكسفورد، هي: إعادة تقديم حقائق أو حالات معينة، بطريقة تعكس أو تبرهن نظرية كبرى ذات أهداف وقيم معينة[1]. وفي قاموس كامبردج عُرفت بأنها طريقة معينة في استيعاب أو تفسير الحوادث[2].

استُلَّت هذه الكلمة في العربية من معنى التتابع، فالسرد هو أن تعمَد إلى شيءٍ وشيءٍ، فتأْتي به متَّسقاً مُتَتَابِعًا، ومنه سَرَدَ الحديثَ، أي: تابَعَه.[3] ثم استُخدمت الكلمة في فروع الأدب ونقده، ثم استخدمت في التعبير عن المعنى الاصطلاحي المذكور آنفًا. ويظهر أنَّ لمصطلح السردية عدة أركان، وهي مجموعة الحقائق أو النظريات التي يستخرجها الباحث، ثم يعيد ترتيبها وتصفيفها بأسلوبه الخاص، ليبرهن بعد ذلك على فرضية أو نظرية كبرى. ولذلك فإن السردية تُصنَّف في خانة تفسير الحقائق وتأويلها لا الحقائق ذاتها. وتخضع للاختبار والتحقق والانتقاد من جهتين، جهة تفصيلية في صحة الحقائق الأولى، وأسلوب اختيارها وأسباب انتقائها، ثم منهج رصفها وإبرازها، ومن جهة كلية في مدى قدرتها التفسيرية لما وُضعت لأجله.

تزداد قوة السردية في كون الحقائق التي اعتمد عليها الباحث من ملاحظاته واختباراته الشخصية، وفي قدرة الباحث على الإتيان بمزيد من الأدلة والحجج التي تثبت أن حقائقه لا نزاع فيها ولا تجاذب، وأخيرًا في انضباطها وانسجامها الشكلي، ورفع قدرتها على تفسير الواقع كما ذكرت، وتقليل حجم الاستثناءات التي تطرأ عليها.[4]

وعلى أي حال، فإن الداعيَ لهذه المقدمة هو بيان معنى السردية وأهميتها في فهم تاريخ العلوم، خصوصا أن الدراسة موجهة إلى سردية شاخت[5] في تفسير تاريخ الحديث والسنة، والتي تروم إلى نقض السنة والتشكيك بها كليا، وهي عمليًّا أسُّ المقاربة الاستشراقية لعلوم الحديث، وترتكز على المقدمات المشروحة فيما يأتي.

ثانيًا: السياق التاريخي لسردية شاخت، وأهم أصولها

ينطلق شاخت من أن النبيَّ لم يكن مهتما ببيان أمور الشريعة والأحكام في عهده. وأن مصطلح السنة كان يحيل إلى معنى العمل المتوارث ضمن الجماعة الأولى مهما كان مصدره الأول، سواء أكان متصلاً بالرسول أم بمن قبله. وأن الاحتجاج بالسنة لم يكن شائعًا لدى فقهاء العصر الأول والثاني، حتى جاء الإمام الشافعي فألزم الفقهاء بالإسناد، فظهرت نتيجة لذلك الأسانيد المكذوبة لدى أهل الحديث أولًا لتثبيت أقوالهم والتدليل عليها، ثم لدى أهل الرأي ثانيًا للدفاع عن آرائهم أمام أهل الحديث.[6]

لقد لاحظ أنَّ الأسانيد المتقدمة لم تكن مكتملة أول الأمر، ثمَّ تمَّ ملء فراغاتها عند تدوين السنة في المصنفات. فالأسانيد العائلية التي يرويها الأبناء عن آبائهم وأجدادهم ومواليهم كلها مختلقة، وكذلك الأسانيد التي لها مدار مشترك اختلقها الراوي المدار، وكان يرشده في ذلك عدة مؤشرات، أهمّها أنَّ ما سُكت عنه من أحاديث وسنن فقهية في زمن الاحتياج إليها في العصر الأول، ثم ظهرت في عصور تالية عليه، لهو دليل على أنها وضعت في العهد الذي انتشرت فيه. والنتيجة التي خلص إليها أنه لا يمكن الاحتجاج بالحديث، ولا يمكن الجزم بصحة أي حديث، بل هو من صنع الفقهاء أو المحدثين أو مدار الإسناد، على اختلاف بين شاخت وتلامذته في هذا.[7]

وهي سردية[8] اشتغل عليها شاخت مطولا في أكثر من كتاب وبحث علميّ، وذكر بأنه لم يتنبه إلى هذه السردية في مقتبل دراساته، بل كانت حصيلة عمله ودراساته المطولة في السنة، بحيث اكتملت له أركانها كما يدَّعي،[9] وتمَّت لها عناصر التماسك الشكلي[10] كما يدعي تلامذته ومن غيرهم[11]– والتي حملتهم على اعتناقها والتمسك بها، وصارت من المسلمات النظرية التي تبنى عليها الدراسات الأخرى، بل وأثَّرت في بعض الباحثين ممن يسلك مسلك انتقاد المقاربة الاستشراقية كفؤاد سزكين وفضل الرحمن ووائل حلاق[12] وآخرين. بحيث صار الناس ممن سلك مناهج الدراسات الاستشراقية بعده على فِرَقٍ كما سأبين في المطلب الآتي عن تأثير سرديته.

ثالثًا: مركزيَّة شاخت في المقاربة الاستشراقية للسنة

لاشكَّ بأن شاخت قدم أهم سردية استشراقية في مقاربة السنة النبوية، أفردت لها دراسات كثيرة في نقدها أو تأييدها، ويمكن تصنيف اتجاهات دارسيها إلى أربعة، هي الآتية:

1) من سلَّم واستسلم لها، رغم الانتقادات القوية التي وُجهت لها، وكرَّس نفسه للدفاع عنها والإتيان بأدلة جديدة لها، كيُونبُل الذي يقول: “لا بدَّ من أن نسلِّم بادئ ذي بدء بإن نظرية المدار نظرية عبقرية، وأنها لم تأخذ حقها من المتابعة بشكل كامل، وذلك عائد إلى أن هذه النظرية لم تتلق الاهتمام الكافي الذي ينبغي أن تحظى به، وهذا ما لم يفعله شاخت نفسه، لذا من الملائم أن نبين فيما يأتي نظرية المدار، مع زيادة بعض الأمثلة المختارة بيانا لم يسبق إليه أحد.”[13]

وفيسي الذي يرى بأن الأدلة الجديدة التي أظهرتها بحوث شاخت تعزز الشك الكبير الذي لدى العلماء السابقين إلى درجة اليقين. وكذلك ترى جانيت واكن أن نتائج شاخت مبنية على قواعد صلبة، وأنه من المستحيل الرد عليها.[14] وأقصى ما وصل إليه كولسن هو قوله بأن نظرية شاخت غير قابلة للدحض، وأنَّ نقض مثال واحد لا يؤثر فيها، وإنما يشكك في درجة صحتها فحسب.[15]

2) من سلَّم بها، ثم توسع بتطبيقها إلى مجالات لم يذكرها شاخت نفسه، كيُوري روبن، وغريغور شولر، وبرنارد لويس، ومايكل كوك، وآخرين.

3) من سلَّط عليها سهام نقده في مواضع، وسلم بها في مواضع أخرى كجيمس روبنسون، وهارولد موتسكي، وسيأتي بيان ذلك.

4) من تمسَّك بالسردية التراثية الإسلامية في تدوين السنة، وانتقد دراسة شاخت انتقادات مريرة أذكر منهم سزكين وحلاق -مع التحفظ السابق- ومصطفى السباعي، ونور الدين عتر، ومحمد عجاج الخطيب، ومحمد مصطفى الأعظمي، ومحمد بن عبود، وخالد الدريس، وفهد الحمودي وآخرين. وسأفرد لبيان أهم جهودهم المطلب الآتي بإذن الله.

رابعًا: نماذج من نقد شاخت

يمكن القول بأن النماذج الثلاثة الآتية هي أهم الجهود التي أُفردت في نقد شاخت، وقد ارتأيت تقديم أهم أفكارها، للاعتماد عليها أثناء دراستي هذه، فلا أكرر ما خلصوا إليه إلا على سبيل التوكيد، وسأبتدئ بعرض الأحدث منها فالأقدم، وذلك لافتراض أن كل دراسة استفادت من جهود من سبقها.

الأول: فهد الحمودي، وتنبع أهمية دراسته المسماة بنقد نظرية المدار، من كونها باللغة الإنكليزية تحت إشراف وائل حلاق -وكلاهما مطلع على إنتاج المستشرقين اطلاعا واسعا-، تجلى هذا في الكتاب في جزئه الأول الذي يصيغ لقارئه آراء شاخت وتلامذته من بعده بالتركيز على يُونبُل أولاً، وعلى موتسكي وكوك وآخرين ثانيا، فأحسن فهمهم وعرضهم، واستطاع أن يتكلم في مناهجهم وأساليب تفكيرهم، وإنتاجهم واختياراتهم. فركز كثيرا على نقد نظرية المدار كما هو ظاهر من عنوان دراسته، بما أوقعه في شيءٍ من التعامل الجزئي مع جانب من جوانب السردية لا جوانبها كلها، ولم يشتغل على تفكيك السردية الكبرى.

وأما في الجزء الثاني من الكتاب فقد خصصه لمناقشة ونقد هذه النظرية، وجعل نقده مبنيا على فكرتين رئيستين:

الأولى: انتقادات علمية في فهم النصوص الأصلية لعلوم الحديث، وأهمها عدم استيعاب مناهج المحدثين في الجرح والتعديل، وإلى سوء فهم علم مصطلح الحديث، وإلى عدم إدراك الفرق بين المتن والإسناد، وأقول بل فهمه الجزئي لنقاط معينة ومعلومات وقواعد مستقلة منقطعة عن سياقها، عمدا أو جهلا، وهو في ذلك مسبوق بدراسات السباعي والأعظمي والعتر والدريس.

والثانية: انتقادات منهجية في شكل الاستنتاجات والتفسيرات التي قدمتها مدرسة شاخت، وهي انتقادات في وقوعهم في التعميم،[16] وفي مخالفتهم لمناهج مؤسسي علم الحديث، وفي مصادرهم وذلك بندرتها وتركيزها على كتب الإمام الشافعي وموطأ مالك، وكأنها دراسة في منهج الشافعي وتأثيره في علوم الفقه والحديث، علمًا أن شاخت لم يذكر لنا قائمة مصادره في كتابه الأصول. [17]

إلا أن الإشكال الأهم في مصادر شاخت عندي يكمن في كونه خلط بين مجالين معرفيين مختلفين، الأول: “أحاديث الأحكام”، والثاني: “الأحاديث الواردة في كتب الفقه”، فأما الأول فمجالٌ تنطبق عليه شروط المحدثين في الحديث المقبول، كاتصال الإسناد وثقة رواته، أما الثاني فمجاله الأدلة المباشرة التي يوردها الفقهاء، وهم كثيرا ما يحذفون الإسناد بكامله وينقلون مباشرة من المصدر الأعلى للرواية، أو يذكرون طريقا واحدا من الإسناد ذي الطرق المتوافرة.

ونتيجةً لهذا الخلط فإنَّه نقل نتائج بحثه في الأحاديث الواردة في كتب الفقه والتي هي جزء من المدونة الفقهية، إلى جميع أحاديث الأحكام التي هي جزء من المدونة الحديثية، ثم صاغ سردية في نقض جميع السنن العملية، ثم جاء من بعده لينقل سرديته من نقض سنن الأحكام إلى السنن بعمومها.

فهذا هو المقصود بقولنا إن شاخت أخل بالمصداقية في العودة إلى المصادر الصحيحة لكتب العلم. ولو كان عنوانه الأحاديث في كتب الفقه، أو منهج الفقهاء في إيراد الحديث وتصحيحه والعمل به، لصح له ذلك -رغم أنه لا فائدة له تذكر-، ولكنه اكتفى بهذه الصورة الخاصة جدا، ليعمم أحكامه منها إلى السنن بمجموعها.

ولكن على وجه العموم فإن المصادر والمدونات الحديثية المطبوعة كانت قليلة لم تنتشر بعد في زمنه، أمَا وقد طُبع الكثير منها مؤخرا بعد وفاته، فقد آن الوقت لإعادة النظر في سرديته بأكملها، وهو ما نصَّ عليه أستاذنا العتر[18] وأقرَّ به بعض المستشرقين كشولر وموتسكي الذي ناقش عدة أمثلة لشاخت بأسانيد في مصنفات طبعت حديثا لم يكن على بيِّنةٍ بها، وقال: “انطلاقا من أن عددًا كثيرًا من المصادر الجديدة للمواد المتعلقة بموسى قد ظهرت للنور في السنوات الأخيرة، فإنَّ البحوث المعاصرة تعارض بقوة بل تفنِّد نظريات شاخت بأكملها”.[19]

الثاني: خالد الدريس، الذي أفرد دراسة مستقلة بعنوان العيوب المنهجية في كتابات المستشرق شاخت المتعلقة بالسنة النبوية، وتأتي أهميتها من الترجمة الضافية والدقيقة التي عرضها عن شاخت، ومن تقسيماتها العلمية المنهجية المستوعبة لما يريد ذكره من انتقادات دون تكرار أو تطويل.

وقسم عيوب المنهج العلمي لدى شاخت إلى عدة أمور، أهمها التحيز العنصري في المُسلَّمات الأولية، فمن المعلوم أنه لا يخلو أي بحث من مسلمات، وإن لم يصرح بها الباحث، إلا أنها يجب ألا تحيد بالباحث عن الاعتراف بالحقيقة الموضوعية التي تبدو أمامه، أما شاخت فقد كان بحسب الدريس متحيزا في مسلماته ضد المسلمين.

والأخرى الانتقائية في المصادر، فقد خلا كتابه من أي مصدر في مصطلح الحديث والجرح والتعديل والعلل والتخريج، إلا أن دريس ذكر بأن مصادره الرئيسة كانت الأم وموطأ مالك وموطأ الشيباني، وهي أقرب لكتب الفقه من كتب الحديث، ثمَّ فسَّر سبب الاختيار بأنها من كتب الفقه، وأصحابها عادة لا يهتمون بذكر الأسانيد الكاملة، ويستشهد على ذلك بكلام أبي يوسف “ولولا طول الكتاب لأسندت لك الحديث”[20]. وأما البواقي فهي الشك غير المنهجي، وإهمال الأدلة المتضادة، والتفسير المتعسف للنصوص، والتعميم الفاسد.

وهي بعمومها انتقادات منهجية تفصيلية في منهج شاخت العلمي والتطبيقي، تنتهي إلى أن شاخت كان غير دقيق الفهم للتراث الإسلامي ومتحاملا عليه، وأن هذه العيوب مؤثرة في سلامة النتائج التي توصل إليها. وسأنطلق في دراستي هذه على ما ذكره الدريس والآخرون لأصل إلى تفكيك سرديته بكليتها وبيان مصادره وجهده فيها من جهة، وصلاحية هذه السردية بعد هذه الضربات من جهة ثانية.

الثالث: محمد مصطفى الأعظمي، الذي أفرد لدراسة شاخت دراسته المسماة بالمستشرق شاخت والسنة النبوية، وتوقف فيها عند أهم ركائز دعوى شاخت، بأنها المعارضة الشديدة ضد الأحاديث النبوية من قبل المدارس الفقهية القديمة، ثم ظاهرة نمو الأحاديث الفقهية، عن طريق نسبة الآراء الشخصية إلى الشخصيات القديمة بل الرسول، ونتيجتها خلق الأسانيد اعتباطيا بدليل عدم إيراد الفقهاء للأحاديث الفقهية في العصر الأول.

وأجابه بجواب إجمالي وهو أن الفقهاء الأوائل اعترفوا بسلطة السنة النبوية، وأن الأحاديث التي عدلوا عنها قليلة جدا مقارنة بالأحاديث التي عملوا بها، فالتعارض بين أهل الحديث والفقه أمر خيالي لا يمت إلى الواقع بصلة. ثم بأجوبة تفصيلية بأنه وقع في التعميم المرفوض وبإلزام الفقهاء ما لم يصرحوا به ولا يلزمهم، لأننا لا نستطيع أن نجزم بأن الفقهاء ذكروا جميع أدلتهم في المناقشة. فإن كان بعض أهل الحديث قد اعترض على بضعة أحاديث لم يعمل بها الفقهاء، فإنهم لم يتعرضوا عليهم بعدم احتجاجهم بالسنة.

كذا اشتغل على إثبات أن شاخت وقع في التناقض، والكذب، والأخطاء المنهجية خصوصا في المصادر، وأتى في إثبات ذلك بأمثلة وأدلة كثيرة من كلامه خلص منها إلى أن الرجل لم يفكر تفكيرا منطقيا إذ لو فعل ذلك لتوصل إلى نتائج عكسية، إلا أنه غلب عليه أيضًا النظر الجزئي الذي يهتم بالأمثلة والتفاصيل بأكثر من الصورة والسردية الكلية.

خامسًا: الافتراض الأولي لهذه الدراسة

بعد أن عرضنا لأهم ثلاث دراسات في نقد شاخت، صار لزامًا بيان ما تفترضه دراستنا وتروم إلى سبره، وهو اختبار سردية شاخت من الجهات الثلاث التي ذكرناها في تعريف السردية:

  1. في كون الحقائق والانتقادات التي طال بها شاخت السردية التراثية المثبتة في كتب الحديث والتاريخ والرجال والعلل: هي من نتاج ملاحظاته واختباراته الشخصية.
  2. في كون هذه الحقائق والانتقادات مسلَّمًا بها أصلاً، وبأنها لم تُنتزع من سياقاتها الصحيحة ولم يُحرَّف فيها الكلم عن مواضعه.
  3. أخيراً في قدرة سرديته على تفسير واقع الرواية الحديثية بأفضل من السردية التراثية المثبتة في كتب الحديث والتاريخ والرجال والعلل.

والافتراض الذي نسعى لاختباره هو أن سردية شاخت بأكملها مع أركانها المزعومة -أي نظرية النمو العكسي والسكوت عن الدليل والمدار وإسناد العوائل ونشر الإسناد- قد انتُزِعت من سياقاتها التي وردت في قواعد وتنبيهات أهل الحديث على العلل الخفية والجلية، وعلى أنها من أسباب رد أحاديث بعينها وإخراجها من مصنفات السنن الصحيحة، ونصُّوا عليها في أنواع الحديث المعلول والضعيف والموضوع.

أي أن شاخت لم يأت بأي انتقاد جديد زائد على ما ذكره المحدثون والنقاد أنفسهم في سياق الحديث المردود، وأنه ناقلٌ لهذه الانتقادات لا مبتدع لها، رغم أنه قدمها بصورة تظهر بأنها من نتاج ملاحظته وتدقيقه،[21] وأنه كان متحيِّزاً أو مرتبكا من جهة رصف هذه الحقائق وتنسيقها في سياق إنشاء سردية تفسيرية حديثة في إثبات كذب المحدثين على النبي،[22] وإنما تنحصر جهوده في رصد هذه النقاط وانتقائها ثم توظيفها في سرديته الخاصة، رغم أنها موظفة أصلا في السردية التراثية لعلوم الحديث في مواطن الحديث المعلول والمردود.

وعليه تكون الغاية من هذه الدراسة الموازنة بين سرديته والسردية التراثية، في قدرتهما التفسيرية لنشأة وتطور علم الحديث ومصطلحه، وتدوين السنن وحفظها وصيانتها.

المبحث الثاني: سردية شاخت؛ أركانها وامتداداتها وتفكيكها

أردت في هذا المبحث أن أعرض لعناصر سردية شاخت كما يُراد لها أن تُعرض، وكما نُشِرت في كتبه ودراساته، مجمعة ومرتبة على ترتيب وجدته يناسب غَرَضه وغايته من هذه النظريات المتعددة، ويناسب طريقة تفكيره في بناء سرديته. وكأن النظرية الأولى أثارت لديه شيئا نبهه لاحتمال الوضع في السنن الفقهية، فأتبعها بالثانية والثالثة ليظهر آلية هذا الوضع، ثم أردفها بالرابعة والخامسة لتبرر بعض النقصان فيها ولتكتمل بها أركان السردية كما يدعي. ثم أتبعت كُلَّ نظرية بانتقاداتها ومناقشتها سواء من قِبَل تلامذته أو ناقديه، ثم بعلاقاتها بالسردية التراثية لعلماء الحديث.

  • أولاً: النمو العكسي

ابتدأتُ بذكر هذه النظرية لأنها كانت سبب تنبهه إلى الوضع في الحديث الشريف، وكررها كثيرا، ووظفها في مجالين، في أسانيد الحديث، وفي حصر التلامذة والشيوخ في كتب الرجال. ومنهجه فيها أن عمد إلى كتابٍ من الكتب المتقدمة، ثم إلى كتاب متأخر في العلم نفسه، ثم وازن بينهما، فاكتشف أن النص المتقدم كان أقل تفصيلا وتنويعا، وأن المتأخر قدم صورة واسعة ومتشعبة عن ذات الأمر، ففسَّر هذا بأن المتأخر قد زاد بنفسه هذه التفاصيل على الأصل القديم، فملأ فراغات الإسناد، ووصل الإسناد المنقطع والمرسل، ورفع الحديث الموقوف والمقطوع، ومراده أن النمو الطبيعي يقتضي أن تبدو بعض الفراغات في كتب المتأخرين نسيانًا وسهوًا، ويكون تمامها في كتب المتقدمين، إلا أن الذي بين يدينا هو العكس، فالأسانيد المتقدمة ليست مكتملة، ولكن تم ملء فراغاتها بعد ذلك عند تدوين السنة في المصنفات.[23]

وفي ذلك يقول: “إن الإسناد له خاصية النمو العكسي، فبعد أن يصل إلى تابعي ابتداءً فإنه بعد ذلك يرفع إلى الصحابي، ومن ثم إلى النبي نفسه في آخر الأمر. وفي الجملة نستطيع أن نقول كلما كان الإسناد أطول، كان ذلك الأثر قد وضع في مرحلة أكثر تأخرا”.[24]

ويقول أيضاً: “فدراسة الإسناد دائما تمكننا من معرفة تأريخ ذلك الأثر المروي، فالإسناد ينمو عكسيا وينسب إلى إمام أعلى فأعلى حتى يصل إلى النبي، ونجد أن أدلة أحاديث الأحكام تحملنا إلى قرابة سنة مئة للهجرة، وفي ذلك الوقت ابتدأ ظهور الفقه بدءا من أواخر الحكم الأموي”.[25]

وكذلك كان شاخت يرى بأنه قد حصل الأمر نفسه في كتب التراجم والرجال، بأن زيد في أسماء شيوخ الراوي وتلاميذه فيها، لأنه بتكثير شيوخ الراوي وتلاميذه، يتم للمحدثين تغطية الزيادات المذكورة فيما سبق بوصل المنقطع والمرسل، ويستدل شاخت على ذلك بمنهجه نفسه في الموازنة بين الكتب المتقدمة والمتأخرة في علم الرجال، فيحيل إلى موازنة ترجمة أي راو بين كتب تواريخ البخاري وابن سعد، مع كتب المتأخرين.[26]

والاعتراض على ذلك يكون من عدة جهات:

1) أنه يصعب افتراض جهل المتقدم بما ذكره المتأخر، وهذا ما تنبه إليه أحد أساتذة المناهج الغربيين، وهو “ووري”، الذي يقول: “لا تحكم على المؤلف بأنه يجهل أحداثا معينة بالضرورة، لأنه أغفل ذكرها، ولا تظن للسبب نفسه أن تلك الحوادث لم تقع فعلا”.[27]

2) وهذا يأخذنا إلى مناقشة منهج شاخت أصلا في الموازنة بين كتابين متقدم ومتأخر للوصول إلى النتائج، وهو منهج مستغرب لما فيه من تحكُّمات ومغالطات.

أولاها ما ذكره ووري، كما أنه لا يمكننا أن نجزم بأن الفقهاء ذكروا جميع أدلتهم في المناقشة.[28]

ثانيها أن شروط المؤلفين ومناهجهم تختلف في تصنيف الكتب، فمنهم من يشترط الصحة أو شكلا معينا في الإسناد ومنهم من لا يشترط ذلك، ومنهم من يتوسع في الإيراد ومنهم من يختصر، ومنهم من خصص كتابه لمناقشة أجزاء ومواضيع علمية معينة ومنهم من يتخصص بأجزاء أخرى وهكذا.

ثالثها أنه لم تصلنا جميع كتب ومخطوطات المتقدمين، وما وصلنا لم يتم تحقيقه وخدمته ونشره كله بعد، فافتراض الجهل وعدم الوجود بناء على أدلة شاخت يقوم على أرضية رخوة.

رابعها الاحتمالات الأخرى التي لا تنتهي كأن يكون المتقدِّم سمع الحديث ونسيه، ثمَّ أثبته المتأخر.

3) واستخدم ظفر الأنصاري منهج الاستدلال العكسي في المسألة على افتراض صحة المنهج تنزُّلًا، بأن بحث عن أحاديث موجودة لدى المتقدمين وغير موجودة لدى المتأخرين، وذلك من خلال الموازنة بين الآثار لأبي يوسف، والآثار لمحمد، فالأول متقدم على الثاني، وبين موطأ مالك برواية يحيى الليثي، وبرواية محمد الشيباني وهو متأخر عن يحيى، ونبه إلى أن هناك أحاديث في الأول ليست في الثاني. وأهمية بحثه في الموطأ تأتي من كون شاخت يعتمده دليلا على صحة نظريته في أن المتأخرين زادوا في الأسانيد.[29]

4) كذلك استخدمه خالد الدريس في تراجم الرجال، إذ اعترض عليه بترجمة شعبة، عندما وازن ترجمته بين ابن سعد وأحمد بن حنبل ووجد أن مجموع عدد تلامذته وشيوخه قد ارتفع من الصفر عند أولهما إلى مئة وخمسين عند ثانيهما في مدة لا تتجاوز إحدى عشر عامًا، وهي مدة الفاصل الزمني بين ابن سعد وأحمد، ثم تنبه إلى أن البخاري ذكره له اثنين من التلامذة فحسب، وهو متأخر عنهما، بما يؤكد أن منهج المقارنة الذي اعتمده شاخت غير ملائم إطلاقا لدراسة علوم الإسناد عند المسلمين.[30]

5) أما الجواب المبني على فرضية هذه الدراسة، فهو أن شاخت لم يكن في كلامه أمينًا في أن هذه النظرية استمدها من كلام المحدثين أنفسهم، وأنها مستنسخة من نصوصهم وقواعدهم، فقد عقدوا لهذه “النمو” -بحسب تعبير شاخت- في الأسانيد فصولا طويلة في علوم العلل الخفية، تحت أبواب الشذوذ وزيادات الثقات، ووصل المراسيل والمنقطعات، ورفع الموقوفات أو المقطوعات، وفي المزيد في متصل الأسانيد، فلابد أنه قد اطلع عليها، لأنها من أهم مباحث المصطلح والعلل، وقد توقفوا عند هذا “النمو” بالدراسة والتمحيص والبيان، ووضعوا القواعد والأصول الكافية في تمييز صحيحه من معلوله، أي أنهم تنبهوا لهذه الظاهرة وتوقفوا عندها بالدارسة والتدقيق، وأثبتوها في أقسام الحديث الضعيف، إن لم يصح أن المتأخر كان لديه مزيد علم على المتأخر، فهذا احتمال قائم أيضا وفي التهوين به اتهام للرواة ونقلة السنة بالكذب من غير مسوغ كاف ولا دليل واف.[31]

أي أن المحدثين كانوا أكثر موضوعية وإنصافا من شاخت بأن قبلوا الحالين، حالة كذب الراوي وحالة صدقه، ثم اشتغلوا على التمييز بين الحالين، فوضعوا القواعد والقرائن الكافية لهذا التمييز، وألحقوا ما ثبت بالصحيح وزيادات الثقات، وما لم يثبت بالمعلول والمردود والمزيد، أي أن شاخت انتزع من سياقه، واعتمد نصفه فحسب، أي ما قالوه في الحديث المعلول، ثم عمَّمه إلى سائر السنة.

  • ثانياً: السكوت عن الدليل

ويقصد بها أن الحديث الذي يتضمن حكما فقهيا، ثمَّ يصلنا بسند آحاد، ولم يصلنا أنه كان مستخدما قبل ذلك في الحِجاج الفقهي، سواءٌ أَمِن حيث الرواية أم العمل، فهذه قرينةٌ على وضعه في العصور المتأخرة، لأنه لو كان موجودا في العصور الأولى، لورد على ألسنة الفقهاء السابقين، واستشهدوا به.[32]

أي أنه يقدم الجاهل على العالم، والذاكر على الناسي، وإلا فما أدرانا بأن المتقدم كان على علم بكل السنن، أو أنه لم تكن لديه سنن معارضة للحديث المذكور، وعلى أية حال فإن كلامه هذا لا يناسب من أنواع الحديث إلا الآحاد أو الغريب أو الفرد المطلق، ومن المعلوم أن الأحاديث ليست كلها من هذا النوع، فهناك المتواتر والمشهور والمستفيض والعزيز، وهناك المتابعات التي تنفي التفرد المطلق عن إسناد الحديث، والشواهد التي تنفي التفرد عن متنه.

ولذلك فإن شاخت وتلامذته لم يستطيعوا الإجابة عن الاعتراضات الموجهة لأمثلة هذه النظرية بأنه لا يصح فيها التفرد، وأنه قد جاءت لها متابعات وشواهد كثيرة تجعل المدار الذي تلتقي عنده الأسانيد هو النبي صلى الله عليم وسلم نفسه، وهو الأمر الذي يفرُّون منه، لأنه سيحيلهم إلى السردية الإسلامية التراثية، وهي أن مصدر هذه الأحاديث هو النبي نفسه لا المدار كما يدَّعُون،[33] ولمزيد من الدقة في مناقشة هذا الاعتراض فإنني أدعو الباحثين أن يقوموا بإحصائية تبين الأحاديث التي وقع فيها التفرد المطلق في متون الأحاديث الصحيحة، ولا أراها تصل إلى 1% منها.[34]

وما سبق يدلُّ على جهل لدى شاخت -اعترف به تلامذته كما سلف- بواقع الرواية وبمصنفات الحديث الكبرى، وما فيها من أحاديث يؤيد بعضها بعضا، ويشهد بعضها للآخر.

وكذلك لدينا نقاش آخر لشاخت، على النسق السابق الذي أوردناه في نقد نظرية السُّكوت عن الدليل، وهو أن شاخت كان مجرد ناقل عن المحدثين والأصوليين بعضًا من اعتراضاتهم على أنواع من الحديث المعلول، وهو الحديث الفرد المطلق، إذ إنه من أنواع الأحاديث التي نصَّ عليها المحدثون،[35] وأوجبوا فيها التأمُّل والبحث، فإذا ما قامت القرائن على وقوع الوهم فيها، ردُّوها، وأسموه بالمنكر أو الشاذ،[36] ونصوصهم في الاتقاء من الغرائب والأفراد كثيرة، لأن أُولى وسائل المحدثين في الكشف عن الأوهام والأخطاء هي الموازنة بين المرويات، وهذا لا يُمكن مع حالة التفرُّد، وأتخيَّر من هذه النصوص ما يأتي:

قال مالك: “شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس”.

وقال ابن المبارك: “العلم الذي يجيئك من هاهنا ومن هاهنا”.

وقال عبد الرزاق: “كنا نرى أن غريب الحديث خير، فإذا هو شر”.

وقال أحمد بن حنبل: “لا تكتبوا هذه الغرائب، فإنها مناكير، وغالبها عن الضعفاء”.[37]

وسأناقش قضية التفرد بمزيد من التدقيق في نقد نظرية المدار، ولكن لا بُدَّ من التنبيه على أمور مهمة:

الأول: أن التفرد المزعوم لا يتأتى القول به إلا بعد البحث والتمحيص الدقيق في مطولات المصنفات الحديثية، وأما منهج شاخت البسيط في الموازنة بين كتابين أحدهما متقدم والآخر متأخر لمعرفة متى ظهر الحديث فهذا منهجٌ سطحيٌّ جدًّا.

الثاني، إن الفكرة التي يفترضها شاخت هي مما نص على المحدثون في مسألة تفرد الراوي بحديث عن راو مشهور يفترض أن تشيع عنه جميع مروياته، بحيث لا يُتصوَّر إمكان خفائها على غير هذا التلميذ، فيرون بأن ذلك قرينة على وهمه في الرواية.

بل إن أصوليي الحنفية يتجاوزون هذا إلى العهد النبوي، فلا يقبلون أحاديث بعض الصحابة إن كانت في سياق عموم البلوى في اصطلاحهم، أي في موضوع يفترض اشتهاره ومعرفته من قِبل الجميع، ولا يصلنا إلا عن صاحبي واحد، فلا يقبلونه أيضًا.

وهكذا فإن شاخت يسأل لماذا سكت الرواة عن الدليل وجاء به فلان؟ والحنفية يسألون لماذا جهلت الأمة هذا الدليل وجاء به فلان، فالمنطق واحد، لكن المحدثين والحنفية أكثر دقة من شاخت إذ وضعوا سياق هذه القاعدة وربطوه بعموم البلوى أو بتفرد الراوي في طبقة معينة عن سائر الرواة، فيصفون الحديث بالوهم ويعدلون عن العمل به، أما شاخت فيعمم ملاحظته هذه على تمام السنن الفقهية، فأين الإنصاف والدقة في المطابقة بين المقدمات والنتائج!

الثالث: لو عدنا إلى مظان الحديث الموضوع وأسباب وروده، لوجدنا أنَّ المحدثين ذكروا بأن من أسباب الوضع مجيء الرواية في سياق التعصبِ المذهبي ودَفْعِ حجج المذاهب الأخرى العقدية أو الفقهية، والنصوص عن الأئمة في التحذير منه كثيرة، وكذلك لدينا نصوص عن بعض التائبين أو المعاقَبين من المبتدعة في الإقرار بأنهم فعلوا ذلك من غير حياء. ولكن جاء سياق هذا الكلام في السردية التراثية في أبواب الحديث الضعيف والموضوع، فكيف يتأتَّى لشاخت أن يستنسخ الفكرة، وينسبها لنفسه، ثم يوظفها لا في نقض الحديث الموضوع كما فعل المحدثون، بل في نقض السنن الفقهية بعمومها؟! فهذا نتيجة تحيزاته وقلة إنصافه، ولا أنسبه للجهل في هذه المسألة لشدة وضوحها، ولكونها في حقيقة الأمر إحدى دلائل قوة منهج المحدثين وتماسك سرديتهم.

  • ثالثاً: نظرية المدار

يلاحظ شاخت أن رواية الحديث تَقُوم على راوٍ واحد، يروي الحديث عن أستاذه التابعي، عن الصحابي عن النبي ع، ولكنه هو يروي الحديث إلى عدة رواة، فالراوي الذي تنتقل عنده الرواية من الفردية إلى الجماعية، هو المدار عند علماء الحديث، وهو الراوي الأصلي للرواية أي واضع المتن والإسناد عند شاخت، ينتهي به إلى النبي صلى الله عليم وسلم أو أحد الصحابة، وقد يكون هو مالئ فراغات الإسنادٍ. وزمان وضع الرواية عنده، هو الوقت الذي أظهر فيه الراوي المدار تلك الرواية.[38] ونظرية المدار هي النظرية المركزية في سردية شاخت، وعليها اعتماده في نقض السنة، ولهذا فإنه أردفها بنظرية النشر والعوائل لتقويتها كما سيأتي، وكذلك قام تلامذته بتدعيمها والإتيان بمزيد من الأدلة والأمثلة عليها،[39] ذلك بعد أن نقض الكثيرون أمثلة شاخت عليها.

وأوَّل ما يلاحظ على النظرية كونها -كسابقتها- لا تنطبق إلا على الحديث الفرد المطلق، الشاذ المردود، كما فصلت في نظرية السُّكوت، إلا أن الذي يلفت الأنظار هنا، هو كون شاخت يخلط ببساطة بين عملية جمع المدونة الحديثية وتدوين المصنفات الحديثية وضم أسانيدها جميعًا صحيحها وضعيفها، وبين عملية نخلها وانتقاء الصحيح منها، فالمحدثون جمعوا أولًا كُلَّ الأحاديث في مدوناتهم الواسعة، ثم أخرجوا منها ما لا يصلح للاحتجاج من أحاديث، ومرادهم من جمع الأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة كلها غايات دقيقة لم يتنبه إليهما شاخت وآخرون، أذكر ما يتصل بالموضوع منها اثنتين:

أولاً: حصر الرواية حصرًا عدديًّا قائمًا على الاستقراء التام، بحيث لا يمكن أن يدخل في المدونة الحديثية بعد جمعها وإغلاقها أيُّ حديث في العصور اللاحقة. وهذا بذاته إحدى دعاوى شاخت، إذ يقول بسهولة إدخال الأحاديث في المدونة الحديثية، ولكن لم يتنبه بأن المحدثين عندما حصروا الرواية كلها صحيحها وموضوعها في مصنَّفاتهم، فإنهم أغلقوا هذا الباب بقاعدة “ما لم يكن في كتب أصول السنة من أحاديث، فهي موضوعة”.

ثانياً: إثبات الروايات الصحيحة والضعيفة كما هي في الحقيقة بدقة، برجالها الضعفاء أو الوضاعين، وباتصالها أو انقطاعها وغير ذلك، بحيث تُحفظ تلك الأسانيد كما هي، فلا يغيَّر فيها شيءٌ ولا يزاد أو ينقص منها شيء، كأن يقوم الراوي المدلِّس أو الوضاع بتجويد الإسناد بأن يدلس أسماء الرواة الضعفاء فيه، أو أن يحذف بعضهم، أو يستبدل بهم غيرهم، وما إلى ذلك من أشكال التدليس والتجويد.

وأما إطلاق القول بقبول الأفراد فهذا -وإن ورد عن بعض الأئمة، ونقل شاخت بعض النصوص في ذلك- فهو محمول على التفصيل الآتي الذي لا يتنبه إليه شاخت عمومًا، وهو مصطلحات أهل هذا العلم، فلعله تمسك بأقوال بعض المحدثين في أحاديث معينة: “تفرد به فلان وهو صحيح” فاستنتج أن المحدثين يصححون الأحاديث الأفراد بسهولة، وهذا فهمٌ مشكِلٌ لا أساس له في مناهج المحدثين، إذ إن مرادَهم من الحكم بالتفرد هنا، أحدُ ثلاثة أمور:

-التفرُّد النسبِي: كتفرد الراوي بطريق معين أو عن شيخ معين مخالفًا الطرق الأخرى، أو تفرُّدِه عن علماء أهل مدينة معينة، أو تفرده بصورة معينة من صور الإسناد،[40] وكلها قضايا تقنية إسنادية لا أثر لها في المتن، ولا تعني أصلًا تفرُّد الراوي بالإسناد كلّه، بل تكون له متابعاته وشواهده الكثيرة التي تنفي عنه التفرد المطلق.[41]

-التفرد المطلق ولكن من جهة الإسناد لا المتن: وهذا يوجب علينا بيان معنى الحديث في مصطلح أهل الحديث. استقر الأمر على أن الحديث هو الطريق المتصل إلى النبي عبر صحابي معين، فإن روى المتنَ صحابيٌّ آخر فهو حديث جديد، وعليه اشترط العلماء في متابعات الحديث أن تكون عن الصحابي نفسه، لأن “المتابعة” التي ترد عن صحابي آخر هي حديث جديد، ولهذا فإنه استقر الاصطلاح على تسميتها بالشاهد لا بالمتابع،[42] وعليه فتفرد الراوي في الحديث قد يكون من جهة الصحابي نفسه، ويكون للحديث شواهد كثيرة بمعنى متابعات للصحابي نفسه، بما يؤكد أن الصحابي لم يتفرد بالحديث، وأن الإسناد ليس فردا مطلقا، وبأن مدار الحديث هو النبي نفسه.

-التفرد المطلق بمتن بعينه، ولكن يكون له شواهد تؤيد معناه ولو من وجوه خفيَّة، وهذا أيضا ينفي تفرده الصريح، ويبقى لدينا بعد ذلك التفرد المطلق بلا متابعة ولا شاهد، وهو الفرد، الشاذ المنكر الذي بيَّنته أعلاه، والذي وردتنا نصوص كثيرة عن المحدثين في التوقف عنده، وعدم التسرع في تصحيحه.

والذي كان يفعله شاخت هو تفريق هذه الأحاديث المجتمعة التي تَتَابَع فيها رُوَّاتُها وشَهِد بعضهم لبعض، بحيث يُصوِّر كلَّ فرد منها وكأنَّ له مدارًا مستقلًا، في حين أنها بمجموعها حديثٌ واحد له عدة روَّاة من الصحابة، ولم يتنبه أن تفريق المحدثين لها هو تفريقٌ فنيٌّ فحسب، أي لدواع الإسناد والصنعة الحديثية، وأما من جهة العمل والفقه والتأييد بالشواهد، فمنهجهم هو اعتبار هذه الأسانيد جميعًا، وتقوية متونها بتلك الشواهد عن بقية الصحابة، وهو الأقرب لمنطق أن النبي تكلم شيئا أو فعل أمرا بمحضرٍ من الصحابة، ثم نقل الرواية أو الحادثة عدد من الصحابة لا واحد فقط، وأما دعوى شاخت فإنها افتراض قائم على أصلٍ عجيب، وهو أنَّ لكل كلمة قالها النبي راويا أو سامعا واحدا فحسب من الصحابة.

والذي يظهر لنا أن شاخت لما رأى كلام المحدثين في تفرد فلان أو فلان في حديث ما، وقرأ كلامهم في تضعيف تلك الأفراد، تعجَّل في فهم العبارة وعممها على سائل أنواع الأحاديث، وأيَّد رأيه بأقوالِ من يقبل الأفراد من العلماء بلا تحرٍ، وأقام عليها نظريته في المدار.[43]

أي أنَّه بذلك استند إلى أقوال المحدثين وأحكامهم في الحديث الشاذ، كما فعل في نظرية السُّكوت، ثم أخطأ عليهم فَهْمَ اصطلاحهم ومرادهم من تلك الأحكام.

  • رابعاً: إسناد العوائل

وهي من فروع نظرية المدار، وفيها يدَّعي شاخت أن الرواة المدار كثيرًا ما يعتمدون على أسانيد العوائل فيما يختلقونه من متون، ومراده بالرواية العائلية أمرين، رواية الابن عن أبيه أو عن جده، أو المولى عن مولاه، كرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ورواية نافع عن ابن عمر مولاه، ثمَّ ألحق بها يُونبُل ما رواه المعمَّرون عن آبائهم وأجدادهم، ومرادهم تقليل عدد الرجال لتسهيل التلفيق.[44] ومتى ما ادعى أحد الرواة توثيق إحدى مروياته بإسناد عائلي، فهذه قرينة على أن الرواية غير صحيحة، وأن المدار هو من اختلقها.[45] أي أن هذا الأسلوب يلجأ إليه المدار لتدليس حقيقة الرواية، ورفعها إلى النبي.

ويقال في هذه النظرية ما قيل في سوابقها، بأن شاخت لابد وأنه وقع على آراء المحدثين في مسألة سميت أصلًا بالأسانيد أو الصُّحف العائلية، كصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، وإسناد بهز بن حكيم عن أيبه عن جده معاوية بن حَيدة القشيري، ولفت نظرَه جدلُ نقاد المحدثين الحاصل في قبولها أو ردها، ثم اختار من غير مرجح ولا دليل سوى الحدس! أنها كلَّها أسانيد مكذوبة، في حين أن من قبلها من المحدثين اشترط شروطا وقرائن معينة لترجيح قبولها، وكذلك من ردها من المحدثين قدَّم أدلة مادية أقوى من مجرد الحدس، يمكن مراجعتها في مواضعها.[46] أي أنها من المسائل التي اختلف فيها النقاد المتقدمون، ثم استقرَّ الأمر على تحسين هذين الإسنادين لقرائن وأدلة كثيرة، ولكلٍّ من الآراء نصيبه من الأدلة والتوجيهات العلمية، إلا أنَّ اللاعلميّ هو ترجيح ردّها بالحَدْس والتأمُّل فحسب.

ويستغرَب هنا أن شاخت لم يتنبه إلى أن المحدثين قد عرضوا لهذه المسألة، بعمق وشمول يتجاوز ما يدعيه شاخت من خلل حاصل في إسناد العوائل، وهو كلامهم في وهم الراوي بسلوك الجادة، والجادة هي كل إسناد اشتهر عند المحدثين، فيشمل الإسناد العائلي بين الأب وابنه، أو المولى ومولاه، أو الشيخ وأشهر تلامذته، وتوقفوا في هذه النقطة عند الكثير من الأمثلة التي ركَّب فيها بعض الرواة أسانيد مغلوطة تعتمد تلك الجادات الشهيرة، وصرَّحوا بأن هذا الأمر وقع من الرواة سهوا أو عمدا، وفصَّلوا في القرائن التي تكشف هذا الوهم وتخرجه من صحيح السنة، وأهم هذه القرائن مخالفة الثقات أو الأوثق لما ذكره الراوي الذي سار على الجادة.[47]

ولأن أدوات علم الحديث هي الاستقراء التام والإحصاء المباشر للمرويات، فإن المحدثين ومن خلال الاستقراء المذكور، والموازنات بين روايات الرواة جميعهم، خلصوا إلى نتائج تخالف ما ادّعاه شاخت، وهي أن هذه الحالة من الوهم هي من النوادر المستثناة، فالأصل كما أثبتت الأرقام والموازنات أن الراوي الثقة القريب أو المولى أو الملازم لشيخه فضلا عن مولاه ووالده، لهو أعلمُ بأحاديثهم متونها وأسانيدها، وأنه مقدَّم على غيرهم من الرواة حال المعارضة.

ولو قرَنَّا هذه النتيجة التي تعتمد الاستقراء التام، مع نتيجة شاخت التي تعتمد على حدسه، لاتضح البون بين السردية التراثية وسردية شاخت، فهو عندما تنبَّه لملاحظات المحدثين في علل الحديث، قصَّر عن الإحاطة بتمام المسألة المدروسة، كما في نظرية العوائل وسلوك الجادة، أو أخطأ في فهمها وخالفها كما في نظرياته السابقة.

  • خامساً: نشر الإسناد

لم أجد من أفرد هذه النظرية منفصلة عن نظرية المدار، إذ جرت العادة على ذكرهما معًا، إلا أنها في رأيي لا تقل عن سابقاتها أهمية، لأنها نظرية أراد لها شاخت أن تكون ردًّا على ما أثير أو قد يثار على نظريته في المدار، وخطورتها تكمن في أنَّ شاخت كان قد افترض في نظرية المدار وجود راوٍ كاذبٍ واحدٍ في الإسناد ألا وهو المدار، أما في هذه النظرية، فإنه يتجاوز ذلك بأن يوزِّع تهمة الكذب والافتراء على الجميع، خصوصا طبقة تلاميذ المدار.

وفكرة هذه النظرية يوضحها شاخت بأنها عمل يقوم به المدار لإخفاء وضعه للحديث ثم يشترك تلامذته في هذا التلفيق، فيقول: إن واضع الإسناد يتطلَّب دائمًا متابعات أخرى لتقوية إسناده، وذلك عندما نجد أسانيد جديدة تتابع المدار نفسه ولها المتن ذاته، وهي تعني أنَّ المدار لم يتفرد بالحديث عن شيخه، بل وصلنا عن رواة آخرين عن شيخه، ولكن يجيب شاخت عن هذه الصورة بأن المدار يدع مجالاً في بعض الأسانيد لإغفال اسمه، بأن يكثر من أسماء شيوخه، ويختار منهم من كان من أقرانه وقريبي السن منه، ثم يقوم بعد ذلك تلامذته بتدليس الإسناد، أي بحذف اسمه، وتصوير الإسناد الجديد على أنه شاهد أو متابعة جديدة لهذا الإسناد الأصل، والجميع لديه ملفَّق مكذوب، فالنتيجة لن تختلف لديه حتى عندما تظهر المتابعات والشواهد للإسناد الأصل.[48]

أي أنه شاخت ابتدع هذه النظرية للإجابة على ما يعترض به على أمثلته في نظرية المدار من متابعات وشواهد تثبت أن للحديث مدارات أخرى تنفي عنه صفة التفرد المطلق، فالتكثر في الأسانيد في رأيه حاصل من المدار، والتدليس بإسقاط اسم المدار حاصل من تلامذته، بحيث يتشكل لدينا متابعات قوية لهذا المدار تستبعد اتفاقهم على الكذب.

وأول اعتراض على هذه النظرية الخيالية، هو كونها قائمة على سلسلة افتراضات تخالف منطق التاريخ ومنطق التدين لدى المسلمين، بلا أدلة ولا مسوغات كافية، وكأن هذه الأمة لم تأبه للتحذير الشديد الصادر عن النبي والصحابة والتابعين وتابعيهم من التورط في الوضع الذي يتبوأ صاحبه بمقعده في النار.

وثاني اعتراض أنها تجيب على حالة المتابعات التامة التي يوردها الرواة عن شيخ المدار نفسه، ولا تجيب عن المتابعات القاصرة التي تشترك في شيخ شيخ المدار، أو في الصحابي أيضا أو صحابي غيره.

وثالث اعتراض هو كونها تستلزم وقوع الكذب من عدة أطراف بالتوافق الضمني، بحيث يدعم مجموعة من الرواة رواية شيخهم الكذاب دون اتفاق علَني بينهم، وهذا ما ينقضه واقع الرواية الذي سُجِّل ونُقِل إلينا بتفاصيله، فإن ذلك صيَّر نظرية شاخت مجرد تكهُّنات مبنية على قناعات المؤلف المسبقة بعد أن كانت فَرْضِية علمية تقبل الدحض أو البرهنة.

وأما يونبُل فقد أضاف في نظرية النشر أن التدليس ليس مجرد حذف التلامذة اسم شيخهم من الإسناد فحسب، بل بوضعهم أسانيد أخرى متنوعة من تلقاء أنفسهم لتأييد الإسناد الأول. وهو بذلك أجاب عن اعتراضنا الثاني بافتراض أشد وأبعد، بأن جعل جميع الرواة لا المدار وتلامذته فحسب مشتركون في اختلاق أحاديث بذاتها، دون أن يلتقوا أو يتفقوا فيما بينهم، بل ودون أي مصلحة واضحة مشتركة لهم، مع التحذير الشديد المعلوم عن الكذب على النبي، ثم إن يونبُل طبق تفسيره المذكور للنظرية على حديث في مسند أحمد، إذ اتهمه فيه بالوضع لتأييد أسانيد وضعها أصلًا عبد الرزاق،[49] وكلُّها تخيلات عجيبة لا أسس لها من عقل أو نقل، ولهذا فإن بعضا من تلامذة شاخت أنفسهم لم يستسيغوا هذه النظرية، ووقف بعضهم منها موقف المتردد ووقف آخرون موقف المنكِر.

منهم كوك الذي صرَّح أن َّنظرية النشر، هي إما مؤيد قوي لشاخت، وإما دليل على نقضها بإثبات أن السنة ومناهج المحدثين لا يمكن اختلاقها، ولنا أن نقول بعبارة أخرى، إن المدارات المتعددة والشبكات المترابطة التي يؤيد بعضها بعضًا هي إما إنها كذبة كبيرة كشفها شاخت بحدسه، أو أنها دليل تهافت سرديته ورجحان السردية التراثية الحديثية. ثمَّ عَقَّب كوك بقوله “فمن تجاهل شاخت فهو مخطئ، ومن تابعه بالكلية فهو أيضا مخطئ”.[50]

أي أنه لم يتخذ موقفًا صريحًا من هذا التهافت، ولكنه لو نظر في كون هؤلاء التلاميذ المباشرين للمدار أو تلامذتهم، المتهمين بالتدليس على شيوخهم وتنبه إلى المسافات الزمنية والجغرافية، بل والفكرية والمذهبية والعقدية فيما بينهم لاستبعد تماما اتفاقهم الضمني على التستر عمدا على ما وضعه المدار، وكذلك لو تأمل في هذه الصِّلاة التي تربط التلامذة فيما بينهم وتحاكمهم إلى الطِّباق والأسانيد والسماع المثبت بعناية، بحيث ترصد جميع تحركاتهم وتدوينهم وتحديثهم بلا زيادة ولا نقصان، لما قبِل كلام شاخت في هذا، إذ إنه من المؤكد أنه كلَّما كثر افتراض الكذب والكذبة، ازدادت هشاشة السردية، وضعفت قابلياتها على أن تقرَن بالسردية التراثية فضلا عن تحاججها.

وأما موتسكي فقد صرَّح بأن “هذه الأنواع من الوضع ليست إلا تخيُّلات، إذ لا دلالة على أنه نظام عام نمت من خلاله الأسانيد، كما أن افتراض الوضع يشبه أن يكون مصطنعًا في بعض الأحوال، خصوصًا عندما يفترض أنَّ عددًا كبيرًا من الرواة والمصنفين في كتب الحديث قد مروا بالمراحل نفسها من الوضع”.[51] ولهذا فإنه تبنى السردية التراثية، ثم ذكر ما يمكن التعبير عنه بأنَّ واقع الرواية والرجال والجرح والتعديل وكتب الرواية والتواريخ تثبت أنها وقائع حقيقيّة ثابتة غير عشوائية، وسابقة على تاريخ الوضع الذي يدعيه شاخت، بما يعني أن المدار لا يمكن أن يكون واضع الحديث بالتأكيد.[52]

ولكن هل لهذه النظرية مستند في أقوال النقاد كسابقاتها؟ الجواب جلي هنا بأن شاخت اعتمد على أنواع التدليس وصوره عند المحدثين، ولكنه أساء فهمها وحملها على صورة واحدة من صور التدليس وهي تدليس إسقاط اسم شيخ الراوي، وإساءة فهمه لظاهرة التدليس تأتي من كون المحدثين يربطونها بالراوي نفسه الذي يريد تجويد أسماء شيوخه لا بتلامذته، فالذين قاموا بالتدليس كما يصوِّر شاخت هم تلامذة المدار، ولكنه نسب التدليس للمدار نفسه، وعلى أية حال فإن شاخت أخذ من المحدثين أقوالهم في التغليظ على المدلسين والتشديد عليهم وبيان خطورة عملهم، ثم عرَضَها على أنَّ السنة إنما نُقِلت هكذا، وكذلك أغفل ذكر مناهج المحدثين في دراسة الأسانيد المدلسة وتمييز المتصل منها من المنقطع.

وجواب موتسكي مع ما ذكرتُ، يغني عن سرد منهج المحدثين الكلي في انتقاء الروايات وتوثيقها، وتوثيق حملتها بالجرح والتعديل، وتمييز من وقع في التدليس منهم، بل وبالمبالغة في دراسة أحوالهم ومروياتهم، وتوظيفهم علوم التاريخ والجغرافية في التحقق من لقاءات الرواة وسماع بعضهم من بعض.

المبحث الثالث: سردية شاخت؛ فجوات مفتوحة وثغرات واسعة

ترك شاخت في سرديته إشكالات وأسئلة مفتوحة لم يجب عليها، أو تناقضت أجوبته عليها، فاختلف تلامذته على ترجيح مقصوده منها، هي أشبه بفجواتٍ تُخِلُّ بتماسُك سرديته أو ثغراتٍ تُفَكِّكُ انسجامَها، وأتوقف عند اثنتين منها لاتصالهما الوثيق بنقاش السردية، أولاهما اختلافهم في تأريخ وضع الإسناد وتحديد الواضع الحقيقي للإسناد، وثانيهما في إمكانية نقل هذه النظرية من أحاديث الأحكام إلى سائر حقول السنة.

  • أولًا: تأريخ وضع الحديث

لم يتضح لنا تمامًا من خلال نصوص شاخت تأريخ وضع الحديث والواضع الأول له، أهو الراوي مدار الحديث، أمِ المصنِّف الذي نشر الحديث في مدونته؟ فالذي يظهر من نظرية المدار، أن الواضع هو الراوي مدار الحديث، وأن تأريخ وضع الحديث هو زمان روايته للحديث، أو تاريخ وفاته إذا لم تعرف تلك التواريخ بدقة، والنصوص عن شاخت في هذا متعارضة، منها تصريحه بأنَّ أوَّل ظهورٍ لاسم المدار يعني تحديد تاريخ وضع الحديث، وهذا الظهور يكون في الكتب التي تلي الرواية، فالتأريخ يكون بالكتب لا بالمدار.[53]

وهو أيضًا ما فهمه موتسكي إذ قال: “قصدُ شاخت بتحديد وضع الحديث، هو أوَّلُ ظهور لمتن الحديث في كتب الحديث”.[54] والأمر يسهل فيما إذا كان المدار هو المصنف نفسه كعبد الرزاق الصنعاني، أمَّا لو كان بين المدار والمصنف عدة طبقات، فالإشكال يظلُّ قائما، ولا نصل إلى تحديد واضع الحديث.

ويتصل بهذا الأمر أيضًا اختلاف شاخت مع تلامذته في تحديد زمان الفتنة التي كانت سبب ظهور الوضع من جهةٍ، وسبب توجه العلماء إلى نقد الرجال ودراسة الأسانيد من جهة ثانية، وسعى شاخت لإثبات تأخر زمان الفتنة وزمان التدقيق هذا، ليبرهن أنه قد تم تمرير معظم السنن الفقهية قبل بدء المحدثين بنقد الأسانيد والرجال. فحددها بمقتل الوليد بن يزيد عام 126ه، أي منتصف القرن الثاني الهجري، ومعلوم بأنه في هذا الزمان قد استقرَّت الأسانيد وعُرفت طرق الأحاديث ومداراتها.

والشائع لدى أهل السنة أن الفتنة هي مقتل عثمان عام 35ه، وهذا يعني عناية مبكرة بالأسانيد ونقد الرجال، سابقة للزمن الذي يدعيه، لكنه لم يقبل بهذه النتيجة، ولذلك فإنَّه تعرَّض لخبر ابن سيرين “لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ”،[55] وسعى في نقضه لأنه لا يناسب دعواه، فوفاة ابن سيرين عام 110ه، أي قبل الفتنة التي يدعيها بـ 16سنة، لذلك هو مضطر لإنكاره.

وعليه فإنَّنا إذ أثبتنا (1) أن الفتنة سابقة على ما ذكر، (2) وأن العلماء تنبهوا للأسانيد قبل الزمان الذي تمسك به، (3) وأن تدوين وكتابة الأحاديث بله الحفظ الشفهي كان منذ الجيل الأول، أي قبل الفترة التي يزعم شاخت بأن الأسانيد وضعت فيها،[56] فماذا يتبقى من سرديته؟!

أي أن المصنفات التي وصلتنا جمعت بعد عهد التدقيق والجرح والتعديل؟ ولو نحَّينا هذا تنَزُّلًا، وقلنا بأن وضع الأسانيد كان في منتصف القرن الثاني، فهل هذا سيقرُّ شاخت بأن أسانيد القرن الأول التي وصلتنا بالتواتر أو بصحف معينة، صحيحةٌ وثابتة، كونها سابقة على زمن الفتنة لديه! ولهذا فإن الثغرات المذكورة حملت تلامذة شاخت على أن يبحثوا في تاريخ الفتنة وأن يرجعوه إلى الخلف وأن يقرُّوا بصحة حديث ابن سيرين، في تناقضات واضحة توضح عمق الإشكال الذي أوردناه.

  • ثانيًا: نقل السردية إلى غير مجال أحاديث الأحكام

خصَّص شاخت سرديته لأحاديث الأحكام، سواء أَمِن حيث الدافع الذي ذكره على وضع أسانيد الأحاديث الفقهية، أم مصادره التي اعتمدها، أم نتائجه التي خَلص إليها، إلا أنه قد جرى الاختلاف في مدى صلاحية سرديتِه للتطبيق خارج حقل أحاديث الأحكام، فالأصل في تلك الدعوى أن تكون مختصة بما ذكر، لولا أنه أشار عرَضًا[57] إلى إمكان اعتماد سرديته في تفسير الوضع في الحقول المعرفية الأخرى غير أحاديث الأحكام.

إلا أن النقل المذكور يحتاج إلى بناء أركان السَّردية ومسوِّغاتها من جديد، بحيث تتناسب مع الحقل الجديد، فلقد أطال شاخت الكلام في أسباب وضع أحاديث الأحكام، وأنها وردت في سياق الحِجاج الفقهي بين المحدثين والفقهاء، ولكن هل يصح اعتماد المسوغات هذه في السير والعقائد وغيرها، لا يبدو الأمر لنا بهذه السهولة، ولهذا فإن تلامذته اختلفوا في جدوى وفي صلاحية هذا النقل، فرفض وات في كتابه محمد في مكة تطبيق النظرية على أحاديث السيرة، وأما كوك فقد جازف بتطبيقها على أحاديث العقائد والفرق الإسلامية، خصوصاً في فهم المرجئة الذين حاولوا تحسين مذهبهم بالأحاديث الملفقة، ليتماشى مع الاتجاه السني العام كما زعم.

وعلى أي حال، فإن الغموض الذي يعتري هذه النقطة وسابقتها، واختلاف الآراء في تفسيرها، مع عدم قدرة النظرية على التمييز بين جمع السنن وتصنيفها، وبين نخلها وتصحيحها، مع التعسف في جمع نصوص المحدثين الواردة في أشكال الحديث المعلول والضعيف، والتعسف في رد نصوص أخرى لهم يؤدي إلى خلخلة وهشاشة في أصول سرديته، ستؤول بها في النهاية إلى الانهيار أمام السردية التراثية لا محالة، وهو ما خصصت له المبحث الآتي.

خصوصًا أن انتقاءه أحاديث الفقهاء ميدانًا تطبيقيًا لدراسته، قد سهَّل عليه الأمر، إذ لا يخفى أن المحدثين قد انتقدوا الفقهاء في قضايا عديدة:

-كعدم تمرُّسِهم بعلوم الحديث عمومًا، ومنه ترجيحات خاصة بهم، لم يقبلها المحدثون أهل الصنعة، كالعمل بالمرسل والضعيف في أحوال معينة.[58]

-تساهلهم في رواية المتون بالمعنى واختصارها، ثم وقوع بعضهم في الخلط بين ألفاظ الأحاديث وألفاظ قواعدهم الفقهية، فكان من ألفاظ المحدثين في النقد قولهم عن الحديث “يشبه كلام الفقهاء”.

-وأهمها ما صرَّح به نقاد المحدثين عن وقوع بعض الفقهاء من غير أهل الورع، في الوضع حقيقةً، لتأييد المذهب الفقهي، والأمر نفسه في المذهب الكلامي. ولكن لم نجد المحدثين يعترضون على الفقهاء بعدم احتجاجهم بالسنة أصلًا، وهذا من أمثلة مجازافات شاخت.[59]

فهذا ما يفسر توجُّه شاخت إلى جعل أحاديث الأحكام، وتوجه كوك إلى أحاديث العقائد لجعلها الميدان التطبيقي، لأنها أبوابٌ كثُر فيها الوضع بالموازنة مع الأبواب الأخرى، وفيه تنبيهان:

أنه أيضًا من أشكال اعتماد شاخت أقوال المحدثين في المسائل، لأنهم هم من نبه إلى وقوع الوضع في هذا الباب.

وقوع بعض الدارسين في نوع من أنواع التعميم الذي لم يقصده شاخت نفسه في ظاهر الأمر، وهو نقض السنة كلها بسرديته، فدعواه مختصة بأحاديث الأحكام فحسب. وشاخت لم يذكر لنا رأيه في أحاديث التفسير والأذكار والإحسان والغزوات مما لا يتصل بالأحكام الشرعية من الأبواب، فهل لديه سرديةٌ مختلفة، أم سينقلها إلى تلك الحقول، أم سيقبل بسردية المحدثين التراثية؟!

المبحث الرابع: سردية شاخت؛ الإشكاليَّات الكلية

بعد أن فصلنا الكلام في ذكر أركان سردية شاخت، ووازناها بنصوص المحدثين، ثم أخضعناها للدرس والنقد، ثم توقفنا عند فجواتها الجزئية التي لم يصل فيها شاخت وتلامذته إلى قول فصل فيها، أفردنا المبحث الرابع لإيراد الاعتراضات الكلية على السردية والتي توضحت جزئياتها من خلال المناقشات الواردة فيما سبق.

1- الاعتماد التام على قواعد المحدثين، وعدم الاتيان بأية ملاحظة نقدية مستقلة

وهذا ما أثبتناه في نظرياته الخمس السابقة، من أنها مبنيَّة أصلًا على ملاحظات قدَّمها المحدثون في سياق الأسانيد المعلولة والأحاديث المردودة، ولا ملاحظة جديدة له في أي مفصل من مفاصل سرديته، ولم يستطع أن يخرج عما ذكروه هم، إن هو إلا ذكاؤه في انتقاء ما يناسبه من كلام المحدثين ليظهر وكأنه من ملاحظاته التي لم يُسبق إلى كشفها، إلا أنه وقع بنوعين من الخلل أثناء استنساخه كلام المحدثين:

الأول: قصوره عن فهم تلك الملاحظات بسبب عدم تمكنه من مصطلحات هذا الفن ومرامي أهله، فهو يمثِّل بعدة أحاديث يصفها بأنها من الأفراد، ودليله فيها قول أحد المحدثين تفرد بهذا الحديث فلان أو مداره على فلان، ولم يتنبه أن الحديث هو مصطلح فني استقر على رواية الصحابي للمتن، وأما رواية غيره فهي حديث جديد، فأين التفرد؟

والثاني: تقصيره في استقراء قواعد المحدثين في الحديث المعلول ولعلَّها تفيد نظريته بأكثر مما تنبه إليه هو، كما أثبتنا في نظرية إسناد العوائل وأنها جزء من مسألة كبرى ناقشها المحدثون تحت عنوان سلوك الجادة، والتي تشمل الأسانيد العائلية والطرق المشتهرة.

2- الخلط في مناهج المحدثين بين عملية الجمع والرواية، وبين عملية التصحيح والانتقاء

كان غائبا تمامًا عن سردية شاخت التمييز بين هاتين المرحلتين من مراحل عمل منظومة الحديث الشريف ألا وهما عملية جمع الأحاديث والروايات والأسانيد وبناء المدونة الحديثية الشاملة، وبين عملية تصحيح هذه الأحاديث والأسانيد وتصفيتها بمناخل المحدثين الدقيقة، وهذا جزء من الإشكال، تمامه في الإشكال الآتي.

فالأمثلة التي اختارها شاخت تنطبق على المدونة الحديثية الكلية قبل عملية تصفيتها ونخلها، وتنطبق على جميع الرواة في كتب الرجال، لا الثقات العدول الضابطين منهم، وهذا إشكال منهجي مهم يصدر عمن يتجاهل أن المحدثين جمعوا كل الأحاديث وكل الأسانيد وكل الرواة الصحيح من ذلك والضعيف لأغراض كثيرة أوضحناها، فكيف له أن يوجه سهام نقده إلى روايات لم يحكم عليها بالصحة بعد، بل هي مادة خام للعمل الحديثي، وبنسبة بسيطة يعلمها المشتغلون في هذا الفن يتبين مدى صحة عمل شاخت، إذ الأرجح أن عدة المرويات التي وصلتنا بجميع أشكالها حتى الموضوعة تقع بين /50-70/ ألف رواية، والأرجح أن الصحيح منها بين /5-8/ آلاف.[60]

وفي الرجال أيضًا نقل الانتقادات الواردة على الروَّاة جميعا دون التمييز بين الثقات والضعفاء، ثم استخلص من ذلك نظرياته، ونسَّق منها سرديته الكبرى التي خلص فيها إلى أن الأحاديث الفقهية كلها مكذوبة بلا استثناء.

ومن وجهة نظر منهجية بحتة، فإن منهج الاستقراء التام والنخل الدقيق الذي اتبعه المحدثون، مقدَّمٌ على منهج الاستقراء الناقص الذي اتبعه شاخت، والذي يعتمد العينة المنتقاة لا العينة العشوائية، والذي سيصل به إلى أحكام كلية تعتمد التعميم المردود.

3- الاعتماد على مدونة الحديث الضعيف والمتروكين من الرجال في التنظير والتمثيل

وهو الجزء الثاني من الإشكال، إذ يُتوقع بحسب المنطق العلمي أن شاخت اتجه إلى أحاديث قد حكم عليها المحدثون بالصحة، فأخضعها لدراساته وسرديته، فأثبت هو بطلانها، إلا أن الذي صنعه شاخت مختلِفٌ عن ذلك، إذ إنه اتجه إلى الأحاديث الشاذة والمعلولة عند المحدثين، فانتقاها وحدها، ثمَّ أدرجها في أبحاثه على أنها أحاديث نموذجية تكشف منهج النقد عند المحدثين، كما صرَّح بذلك موتسكي والحمودي.[61] وعلى أي حال، فإن صنيعه هذا، لنتيجة طبيعية لسرديته الانتقائية، ومنهجه المنتقد في استخراج أركانها وتفاصيلها.

ولنا بعد ذلك أن نقول إن أقصى ما يمكنه أن تصل إليه سردية شاخت في ميدان الروايات، إنما هو تفسير نشأة نوعٍ من أنواع الحديث في المدونة الحديثية، ألا وهو الحديث المعلول، أو الضعيف والموضوع، وكذلك لها أن تفسر طبقةً واحدةً من طبقات الرواة، ألا وهي طبقة المجروحين منهم فحسب فجميع المدارات لديه من الوضاعين، وكأنه بذلك أحلَّ الفرع والمستثنى محلَّ الأصل، إلا أنه تفسير يقتصر على جوانب معينة من جوانب الحديث المعلول والرواة المجروحين، بخلاف قواعد المحدثين فهي الأشمل والأدق في نخل هذه المرويات وانتقاء ما لم يثبت منها، وتمييز أوهام الرواة وردِّها، بمنهج علمي دقيق، يستبعد الرواة والمدارات الضعفاء فحسب، والمرويات المعلولة فقط، وتقرُّ بالمقابل بوجود الأسانيد السليمة الصحيحة كما تقر بوجود الضعيفة، وتقر بوجود المدار الضعيف وكذلك الثقة، أما التعميم الذي ذكره شاخت فإنه يستند إلى استقراء ناقص أنتج قضية كلية لا تصح.

ومن الجليِّ لنا أن الأدوات التي اعتمدها المحدثون أسبق وأعمق بمراحل مما اعتمده شاخت في سرديته إن صيَّرناها إلى تفسير الحديث المعلول فحسب، ولا نريد الاستدلال لهذا الأمر لأنه صلب علوم الرواية والرجال، ولكن لنا أن نتساءل ما قوله وتلامذته في مجاميع الأحاديث الواسعة التي حكم عليها المحدثون بالضعف والنكارة، وهي خلوٌ من أسباب الإعلال المذكورة في سرديته؟!

4- المجازفة في اتهام أجيال متتالية بالتورُّط والتآمر بالكذب على نبيها

تبيَّن فيما سبق أن سردية شاخت لا تستقيم له إلا باتهام جيل تامّ من الرواة، هم الجيل الثالث أبناء القرن الثاني الهجري، بأنهم اتفقوا على وضع أحاديث في الأحكام لفقوها وأسندوها إلى النبي أو صحابته الكرام، وقد جازف بهذه الاتهامات من غير أدلة صلبة كافية لتؤسس دعوى كهذه. ولو أنه سدد سهام نقده لأحد الرواة أو مجموعة منها، لجاز له ذلك، ولأمكن لنا مناقشته في دعواه وتقويمها بحسب الأدلة التي يعرضها.

أما وأنه قد اتهم جيلا كاملا بالتواطؤ على الكذب، وهم أعيان علماء الأمة الذين كُتِبَ في ديانتهم وعدالتهم الكلام الكثير،[62] فإن هذا يؤثر سلبًا في سرديته هو، لا في هذا الجيل بأكمله، إذ إنَّ تساهله في رَمي الناس بالتواطؤ على الكذب رغم تباعد أماكنهم وأزمانهم، ليورث هشاشة لا تُحتمل في سرديّته.

خلافًا لِمَا صنعه أئمة الحديث من إفراد آلاف الصفحات في سرد تواريخ البلاد والرجال، وما ورد فيهم من مثالب أو فضائل، حتى إنهم سجلوا جميع ما قد يفيد في سبر الرواية الحديثية من تفاصيل، فأخرجوا من مجاميع الرواةِ الثَّقاتِ: الرواةَ المجاهيلَ والمساتيرَ، والمتهمين في الخلق والعدالة، أو في الضبط والحفظ، ولم يُدخلوا إلا من عُرِف، واجتاز اختبارات عديدة في حفظه واستقامته.

ولم يقفوا عند ذلك بل نقدوا رواية الثقات أيضا خشية وقوعهم بالوهم ولو كان يسيرًا، كل ذلك من خلال عملية استقراء تامة، وموازنات متتابعة بين المرويات، فإذا ما جاءتهم الرواية بإسناد فرد، ولو من ثقة، توقفوا عندها، وأعملوا فيها القرائن لترجيح قبولها أو ردِّها، على اختلافٍ في مناهجهم. وهذا هو المنهج البدهي الذي يتعامل مع جيل بأكمله على أن فيه الصالح والطالح، والعالم والمتعلم، والذاكر والناسي، بخلاف موقف شاخت التعميمي العجيب.

بل إن الرجل قد جازف في أشد من هذا الموقف، عندما اتهم الأجيال التالية لجيل المدار، بأنهم دلسوا الأسانيد وجوَّدُها، بل ولفقوا لها أسانيد أخرى، لتأييد ما لفقه المدار أولاً، ولم يكن منهم رجل رشيد واحد يعترف بهذا الكذب وهذه الخيانة، ولم يصلنا عن أحدهم نقدٌ لهذه الظاهرة العجيبة، بحيث طالت عند شاخت تهمة التآمر في وضع الحديث والكذب على النبي جيلين أو أجيال متعاقبة، وكلما اتسعت دائرة الاتهام والتآمر، وعمَّت الأجيال والأزمنة والجغرافية بلا مسوغات كافية، نزعت عن السردية مزيدًا من صدقيتها فضلًا عن قدرتها في تفسير واقع الحوادث والرواية الفعلي.

ولهذا فإن ألفريد غيوم قال في هذا الخصوص، بأنه سيقبل بنظرية شاخت على أنها أحد أوجه رواية الحديث لا غير، إذ إنه من المبالغ فيه أن نفترض أن كل حديث منسوب إلى النبي الأصل فيه أنه مكذوب،[63] فماذا لو عرف بأن شاخت يتهم كل مدارات أسانيدها بأنهم رواة كذبة، وأن تلامذتهم وتلامذة تلامذتهم جميعا كذبة متواطئون معهم؟! وأما عن قبوله نظرية شاخت على أنه أحد أوجه رواية الحديث، فهذا ما نوافق عليه تماما لأنه يعود إلى افتراضنا السابق بأن شاخت إذ توجه إلى تفسير نشأة أحاديث الأحكام، فسَّر لنا نشأة الحديث الموضوع، وقدم في هذا قواعد وأدوات هي أضعف بكثير من أدوات المحدثين في الحكم بالوضع، أي أنَّ الوجه المقصود في كلام غيوم، إنما هو الأحاديث الضعيفة المعلولة المكذوبة فحسب، وهذا ما استقر عليه موتسكي إذ قال: “الوضع موجود، ولكن ليس بحسب تخيُّلات شاخت”.[64]

5- الشك في منهج شاخت بالموازنة بين كتابين في علوم الحديث أو تواريخ الرجال

وقد استخدمه في عدة مواضع استخدامًا مختلفا عن نظرية السكوت عن الدليل، وهو منهج مردود لخصوصياتٍ في علم الحديث، أهمها أنه لم يدَّع أحدٌ من المصنِّفين والمؤلفين أنه جمع السنن كلها في مصنفه، بل هي مسموعاتهم فحسب كما صرَّحوا، وهم متفاوتون في ذلك، فضلًا عن أنهم اختلفوا في شروط كتبهم ومناهج تأليفها، وقد توسعنا بذلك في نقد نظرية النمو العكسي من المبحث الثاني.

وأمثِّل لما سبق بهذا المثال الذي أورده الأعظمي وهو حديث أن ابن مسعود لم يسجد للتلاوة في سورة ص، جاء به شاخت وعارضه بحديث عن أبي حنيفة أنه روى أن حماد وابن عيينة رويا عن ابن عباس أنه سجد فيها. فقال: هذا يعني أنَّه قد تم اختلاق حديث ابن عباس للمناكفة المذهبية.

فاعترض الأعظمي بأنه ليصح القول لشاخت يجب عليه إثبات أنَّ ابن مسعود لم تفته سنة، ثم إنَّ ابن عيينة مكيٌّ، فكيف يضع حديثا للعراقيين؟ وما أدلة أن ابن عيينة وحماد وأيوب وضاعون؟! أي أنه لا يكفي السكوت عن الدليل

وبهذا نُتِمُّ الاعتراضات الكلية على منهج شاخت وسرديته، ليتضح من خلال جميع مسائل الدراسة حجم التفوق الكبير للسردية التراثية التي صاغاها علماء الحديث عبر أجيال متتالية وسنوات متباعدة في نقد السنن والأحاديث وتمييز صحيحها من ضعيفها ومكذوبها.

خاتمة الدراسة ونتائجها:

ظهر من خلال الدراسة ميلنا إلى مناقشة السردية بتجريدٍ، بعيد عن الولوج في الجزئيات والأمثلة الحديثية التي أوردها شاخت، والتي كفانا مؤنة نقاشها الباحثون قبلنا. ولعل النتائج التفصيلية لهذه الدراسة قد سلفت في المبحث الأخير، فلهذا جعلنا الخاتمة في توضيح المفاهيم التي تستنطق من تلك النتائج، وهي النقاط الآتية:

ينطلق أكثر المستشرقين من أن المسلمين أخضعوا السنة للنقد الخارجي فحسب، ثم قبلوها كما هي بلا نقد داخلي، فتوجهوا إلى نقد السنة من خلال متونها بإبراز ما يتصورونه تعارضا مع القرآن أو مع سنن أخرى، وهذا شائع بين المستشرقين وقد تكفلت بالرد عليه دراسات كثيرة، إلا أن الجديد لدى شاخت، أنه أراد أن يصوب سهام نقده لمنهج النقد الخارجي نفسه، فراح يبحث عن الثغرات التي تنقض السردية التراثية، وخلُص إلى أنها ملفقة عبر المدارات وتلامذتهم، وصرَّح هو وتلامذته بأن علماء الحديث بعدهم كانوا إما متواطئين مع المدارات وإما كانوا مجموعة من الجهلاء البسطاء إذ لم يتنبهوا لهذه الكذبة الكبيرة التي حصلت على مرأى عيونهم، ولم يثبتوها في كتب الجرح والتعديل وأحوال الرجال.

كما يُلاحَظ أن تلامذة شاخت قد اشتغلوا على نظريته بتحسينها أو بردم فجواتها، كما ذكرنا في أنواع المدار، وتوسيع مفهوم العوائل، وفي نشر الإسناد، بما يشير إلى أنهم تلقَّوها بالقبول أولًا مع إدراكهم ثانيًا لِعيوبها ومَواطن نقصانها، وعليه فحقيقة الرجل عندهم، ليس على تلك الصورة المهولة التي يصورها بعض تلامذته له من جهة الاطلاع والتدقيق العلمي والتماسك المنهجي في أقواله.

يؤكد هذا بدقة ما أثبتناه من كونِ مفاصل نظريته مقتبسة من أقوال المحدثين أصلًا، وكونه لم يأت بجديد في الانتقادات، إلا أنه نقل أقوال المحدثين هذه في الحديث المعلول، إلى سائر أنواع الحديث، عبر سلسلة من المغالطات والانزياحات عن المنهج العلمي الموضوعي.

وهذا فضلًا عن أنه أخطأ في فهم أقوال المحدثين وخالف ظاهرها أحيانا، وقصَّر عن الإحاطة بها وتوظيفها في أحيان أخرى. ومما سهل لشاخت أن يصرِّح بسرديته على هذه الصورة، قلَّةُ مصادره وذلك لقلة المطبوع آنذاك، وتقصير منه بلا ريب في الإحاطة بما توافر في عصره من مخطوط ومطبوع، وبمجموع المجازفات السابقة تغير مجال سرديته من أحاديث الأحكام كما ادعى إلى الأحاديث الضعيفة كما صنع، وبذلك تكون السردية قد فقدت ميدانها الأصلي وهو الأحاديث الصحيحة، فقدت بذلك كثيرًا من قيمتها التفسيرية والعلمية.

والله تعالى أعلم.


مصادر الدراسة العربية والأجنبية

أولا: المصادر العربية:

  1. الأعظمي، محمد مصطفى، المستشرق شاخت والسنة النبوية، بحث منشور في كتاب مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1985م.
  2. الأنصاري، ظفر، توثيق الأحاديث النبوية، نقد قاعدة شاخت “السكوت عن الاستدلال بالحديث في موطن الاحتجاج دليل على عدم وجوده”، مجلة كلية الدعوة الإسلامية، ع:11، ليبيا، 1994م.
  3. البخاري، التاريخ الكبير، دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد.
  4. البيهقي، مناقب الشافعي، المحقق: السيد أحمد صقر، دار التراث، مصر، ط1، 1390ه.
  5. ابن حبان، الثقات، دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، ط1، 1393ه‍.
  6. ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند، ط1، 1326هـ.
  7. ابن حجر العسقلاني، النكت على كتاب ابن الصلاح، المحقق: ربيع بن هادي المدخلي، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط1، 1404هـ.
  8. حلاق، وائل، تاريخ النظريات الفقهية، ترجمة أحمد الموصلي، دار المدار الإسلامي، 2007م.
  9. حلاق، وائل، نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، ترجمة رياض الميلادي، دار المدار الإسلامي، 2007م.
  10. الحمودي، فهد، نقد نظرية المدار، إعادة رسم خارطة النظريات الغربية حول أصول الشريعة الإسلامية، الشبكة العربية للأبحاث، بيروت، ط1، 2014م.
  11. الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، المحقق: محمود الطحان، مكتبة المعارف، الرياض.
  12. الدريس، خالد، العيوب المنهجية في كتابات المستشرق شاخت، جمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة.
  13. الذهبي، سير أعلام النبلاء، دار الحديث، القاهرة، 1427هـ.
  14. ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، المحقق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط7، 1422هـ.
  15. الزرقاني، محمد بن عبد الباقي، شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، تحقيق: طه عبد الرؤوف، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط1، 1424هـ.
  16. السباعي، مصطفى، الاستشراق والمستشرقون مالهم وما عليهم، المكتب الإسلامي، ط3، 1985م.
  17. السخاوي، محمد بن عبد الرحمن، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي، المحقق: علي حسين علي، مكتبة السنة، مصر، ط1، 1424هـ.
  18. السيوطي، تدريب الراوي، حققه: محمد الفاريابي، دار طيبة.
  19. شاخت، جوزيف، “موسى بن عقبة” منشور في مجلة أكرا أوريانتاليا، مجلد21، سنة 1953م.
  20. شانترك، رجب، البنية الاجتماعية السردية، تشريح شبكة رواية الحديث النبوي، ترجمة صابر الحباشة، جسور للترجمة والنشر، بيروت، 2018م
  21. ابن عبد البر القرطبي، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، 1387هـ.
  22. عتر، نور الدين، منهج النقد في علوم الحديث، دار الفكر، دمشق، ط3، 1418هـ.
  23. العجلي، أحمد بن عبد الله، تاريخ الثقات، دار الباز، ط1، 1405هـ.
  24. العراقي، شرح التبصرة والتذكرة، المحقق: عبد اللطيف الهميم، وماهر ياسين فحل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1423ه.
  25. المزي، يوسف بن عبد الرحمن، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، المحقق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1400ه.

ثانياً: المصادر الأجنبية

  1. Cook, Michael, Early Muslim Dogma, London, Cambridge University Press, 1981.
  2. ____, Eschatology And The Dating Of Tradition, Princeton Paper, 1992.
  3. Coulson, Noel J, A History Of Islamic Law, Edinburgh: University Press, 1990.
  4. Guillaume, Alfred, Review Of: “The Origins Of Muhammedan Jurisprudence”, BSOAS, 1954.
  5. Hallq, Wael, “The Quest For Origins Or Doctrine? Islamic Legal Studies As Colonialist Discourse”, Journal Of Islamic And Near Eastern Law, (Fall Winter 2003-2004).
  6. Juynboll, G. H. A, Appraisal Of Some Technical Terms In Hadith Studies, Islamic Law And Society, 2001.
  7. ____, Muslim Tradition, Studies In Chronology, Provenance And Authorship Of Early Hadith, London: Cambridge University Press, 1983.
  8. ____, Studies On The First Century Of The First Islamic Society, Carbondale: Southern Illinois Press, 1982.
  9. ____, Studies On The Origins And Uses Of Islamic Hadith, Bookfield, Vt: Variorum, 1996.
  10. Motzki, Harald, Dating Muslim Tradition: A Surbey, Arabica, 2005.
  11. ____, The Biography Of Muhammad: The Issue Of The Sources, Islamic History And Civilization. Boston, Ma: Brill, 2000.
  12. ____, The Collection Of The Quran, Der Islam, 2001.
  13. Robson, James, The Form of Muslim Tradition, Glasgow.
  14. Rubin, Uri, The Life Of Muhammad, Brookfield, Ashgate, 1988.
  15. Schacht, Joseph, A Revaluation Of Islamic Tradition, JRAS, 1949.
  16. ____, An Introduction to Islamic Law, clarendon press, oxford, 1964.
  17. ____, Islamic Law, In: Encyclopedia Of Social Science, 1938.
  18. ____, The Origins of Muhammadan Jurisprudence, London: Oxford University Press, 1950.

[1] https://en.oxforddictionaries.com/definition/narrative.

[2] https://dictionary.cambridge.org/dictionary/english/narrative.

[3] انظر مادة: “سرد” عند الخليل بن أحمد، العين، 7/ 226. ابن منظور، لسان العرب، 4/ 211.

[4] يرد مصطلح السردية في أشياء بسيطة كقدرة المتهم على نسج سردية تثبت ابتعاده عن مسرح الجريمة ساعة وقوعها، وفي أشياء معقدة كنشأة العلوم وظهور الأديان والفِرق والدول والحضارات. ولمزيد من التوسع في مصطلح السردية وتوظيفه في علوم الحديث، يرجع إلى كتاب د. رجب شانترك، البنية الاجتماعية السردية، ص66-69.

[5] أفضل ترجمة لشاخت ما كتبه خالد الدريس في بحثه العيوب المنهجية في كتابات المستشرق شاخت، توسع بذكر مؤلفاته ونشاطه العلمي، ونفى عنه يهوديته، ومما يستغرب خلو كتاب الأعلام من ترجمة له رغم دخوله في شرط الزركلي.

[6] (Joseph Schacht, An Introduction to Islamic Law)، ص2-34. وكرره في مادة “أصول” في دائرة المعارف الإسلامية، 3/490. ولا يعنينا كثيرا التوقف عند هذه الفرضيات، فالمراد هو نقد سرديته في الحديث، إلا أنَّ أقواله فيها جرأة مستغربة وهو ما تنبه له تلامذته أنفسهم، إذ كيف له أن يدعي أن النبي لم يناقش أي مسألة فقهية، فهذا يناقض وظيفته كنبي مبلغ ومبين، وما الذي كان يفعله أصلا؟ على أن تطبيق الإسلام لابد أن يثير بعض التساؤلات التي سيلجأ بسببها الصحابة لنبيهم ليعرفوا جوابها. وهذا جزء من مناقشة كولسون لشاخت، الذي يقر عقب ذلك بأن “مادة أحاديث كثيرة تعبر حقيقة في أقل تقدير عما يقترب من حكم النبي، الذي حفظه النقل الشفهي العام أول الأمر”. كولسون، تاريخ التشريع الإسلامي، ص93. والدريس، ص43.

[7] أطروحة أن أحكام الشريعة لم تكن معروفة للمسلمين في الصدر الأول من الإسلام أطلقها غولد تسيهر في كتابه دراسات محمدية، وزعم بأن الحديث والأحكام من صنع القرون الثلاثة الأولى وليست من أقوال الرسول. انظر: مصطفى السباعي، الاستشراق والمستشرقون، ص43. والدريس، ص14-17.

إلا أن روبسون رجح بأنه قد تراجع عن ذلك، فيقول: “لا ينكر غولد تسيهر بالكلية وجود أحاديث صحيحة ترجع إلى القرن الأول بل حتى إلى فم النبي نفسه”. (Robson, Muslim Traditions)، ص40.

[8] لم يُوصف عمل شاخت بالسردية الكبرى، ووصفها محمد مصطفى الأعظمي في بحثه المستشرق شاخت والسنة النبوية، ص67: بالنظرية المتكاملة الخيالية إلى حد بعيد. ووُصفت بأنها: فرضية، ورأي، وشبهة.. ومردُّ ذلك حداثة مصطلح السردية، وكون الدراسات التي تناولتها عُنيت بنقدها نقدا تجزيئيًا لا كليًّا.

[9] صرَّح في (A Revaluation Of Islamic Tradition)، ص144، بأن هدفه تقديم سردية عن السنة “بديلة للرأي البائس الذي يحاول رسم صورة تخمينية مفككة، تشبه أن تكون تاريخا لمسائل محددة تتعلق ببداية ظهور الإسلام”.

[10] نبه فهد الحمودي في نقد نظرية المدار، ص20، إلى أن نظريات شاخت في السنة مترابطة ترابطا عضويا وتشكل نظرية المدار منها ذروة السنام، فإن أمكن ردّها فإن سائر نظرياته ستضطرب عندئذٍ.

وهذا وجه من وجوه نقض سردية شاخت، إلا أننا اخترنا في نقده أن نختبر أصولها الأولية، ونقيس مدى قدرتها على تفسير واقع الرواية في علوم الحديث.

[11] وانظر الأعظمي، ص69. والدريس، ص3، الذي قال بأن شاخت عند المستشرقين قدم نظرية متناسقة وشاملة في رد السنة، وأكده وائل حلاق في (The Quest For Origins Or Doctrine)، ص14، بقوله: إنَّ “العلماء مجمعون على أن شاخت هو الذي وضع ملامح الدراسات الاستشراقية للتشريع الإسلامي”.

[12] أقصد بتأثر فؤاد سزكين، أنه انطلق في دراسته العميقة “مصادر البخاري” -لم تترجم بعد من التركية- من أن مادة الحديث كلها كانت مكتوبة ومدونة، وأن مصادر البخاري والعلماء الذين جمعوا الموسوعات الحديثية كانت مكتوبةً فضلا عن كونها مسموعة. وهي فرضية أتى بها المؤلف للرد على دعوى شاخت بتأخر الكتابة إلى منتصف القرن الثاني، ولكن واقع الرواية ينفي كون الأحاديث كلها مدونة، بل كان للحفظ والذاكرة والنقل الشفهي النصيب الأعظم، رغم انتشار الصُّحف والكتب بين أيدي الرواة، والأمر يستدعي مزيد بحث لجلاء هذه النقطة.

وأما فضل الرحمن فقد صرح بتأثُّره بشاخت، الأعظميُّ في دراسته المسماة المستشرق شاخت، ص68، وهو يحتاج إلى دراسة مستقلة في أوجه العلاقة بينه وبين شاخت، إذ إنه أفرد في كتابه “الإسلام” الفصل الثالث أصلا والرابع عرَضا لإيراد سرديته الشخصية عن نشأة علوم الحديث والفقه، واعتمد فيها على آراء لشاخت كمسلمات أساسية له.

ومن نماذج تأثر وائل حلاق بشاخت، قوله في تاريخ النظريات الفقهية، ص56، 268: “لعل سبب هذا كمن في الزيادة السريعة في حجم الأحاديث النبوية التي اخترقت ميدان الفقه”. وفي كتابه نشأة الفقه، ص249: يُقرِّ بنظرية شاخت في وضع الحديث إلا أنه يُلطِّفها وينسب الوضع للقصاص لا المحدثين فيقول “أوجد المحدثون ولعله القصاص بعض الأحاديث”.

[13] انظر: (Juynboll, Muslim Tradition)، ص207. وكان هدفُه -كما ادعى- أن يشتغل على دراسات معمقة في التسلسل الزمني لظهور الحديث، وفي دور القضاة في نشر الحديث، وفي الأحاديث وعلاقتها بمرتبة الرواة من حيث الجرح والتعديل، بحيث يتوصل عن طريق منهجه ومصادره الخاصة إلى نتائج شاخت نفسها، أي أن يثبت النظرية من خلال أمثلة أخرى. انظر الحمودي، ص43.

[14] انظر الحمودي، ص58، 62.

[15] انظر: (Coulson, A History Of Islamic Law)، ص69.

[16] صرَّح بذلك موتسكي، في جمع القرآن، عدد:78/ رقم:1/ ص188.

[17] قد لا يُسلم إيراد هذا الانتقاد بهذه الصورة، لأنَّ شاخت خصَّص نقده لأحاديث الأحكام فحسب، فاختار أهم مدونة حديثية في أحاديث الأحكام وهي موطأ مالك بروايتيه يحيى الليثي ومحمد بن الحسن الشيباني، واختار الرسالة والأمَّ للشافعي، وهي تمثل الجانب النظري والتطبيقي لهؤلاء العلماء، أي أن شاخت اختار شخصيتين مركزيتين في الحديث والفقه، وهذا ينطبق على شرطه في الدِّراسة.

[18] انظر العتر، منهج النقد، ص466.

[19] انظر شولر، في مغازي موسى بن عقبة، وموتسكي، سيرة محمد، قضية المصادر، ص95.

[20] لا يسلَّم للدريس هذا الإطلاق في الموطئين، كما أنه لم يذكر الرسالة للشافعي ضمن مصادر شاخت رغم أهميتها، وقد توسعت في شرحه في الحواشي السابقة.

[21] نبه الحمودي، ص18، على ذلك فيما يخص نظرية المدار بمجردها، فقال: “إن وجود ظاهرة المدار أمر لم ينكره المحدثون، كما أنه لم يكن إطلاقا من اكتشافات شاخت، وعلى الرغم من ذلك، هناك بون شاسع في فهم الدور الذي قام به الراوي في المدار”.

[22] صرح شاخت في (Revaluation Of Islamic Tradition)، ص134، بأن تصوراته السابقة لبحثه هي تكذيب السنة، فقال: “ومن تلك الأصول التي أعتبرها مسلمات، ما قال به غولد تسيهر من أن المرويات عن الرسول وعن الصحابة، لا تحتوي على معلومات ترجع إلى بداية ظهور الإسلام، ولكنها تمثل آراء ظهرت خلال القرنين ونصف الأوليين من الهجرة”. فهل يقال هذا قبل البحث أو نتيجة للبحث؟

ومبررات الوضع عنده (Islamic Law, In: Encyclopedia Of Social Science)، 8/345: “بتأثير من الديانة اليهودية والنصرانية والفارسية، كان لابد على الإسلام أن يظهر بمظهر المستقل، فلم يكن أمامه خيار سوى دعوى أن تلك العناصر الدخيلة ترجع إلى الرسول نفسه”، “وكذلك انفتح التشريع الإسلامي على مزيد من العلاقات مع الأعراف القبلية”.

أي أن الصحابة أرادوا أن يقووا بالإسلام بمخالفة نبي الإسلام الذي حرم عليهم الكذب على لسانه!

[23] شاخت، (Revaluation Of Islamic Tradition)، ص147.

[24] الموضع السابق.

[25] انظر: (An Introduction)، ص163-164.

[26] وثقه الأعظمي من شاخت، في دراسته عن “موسى بن عقبة”، ص288-300.

[27] ووري، مناهج البحث في التربية وعلم النفس، ص275. انظر: الدريس، ص47.

[28] انظر: الأعظمي، ص86.

[29] ظفر الأنصاري، توثيق الأحاديث النبوية، ص704.

[30] الدريس، ص36.

[31] يرجح الحمودي، ص155: أن شاخت ما كان على علم بأن المحدثين أدركوا وقوع بعض المرويات في النمو العكسي، وأنه لم يكن لديه أي اعتبار لرأي المحدثي. والذي أراه أنه كان على علم بذلك إذ إنَّ أركان سرديته كلَّها مما نص عليها المحدثون، وهذا ينفي احتمال التوافق عرضًا.

[32] (An Introduction)، ص140.

[33] لا يمكن لشاخت أن يعترف بأن مصدر الحديث هو النبي نفسه، فهذا ينسف سرديَّته من جذورها، فهو ينسب وضع الحديث للمدار، ولكن كثرة الشواهد والمتابعات حملت موتسكي على مخالفة شاخت، بأن يقبل كون الصحابي مدار الحديث، وقوله هذا ينتهي لا محالة إلى صحة نسبة الحديث إلى النبي. الحمودي، ص54-57.

[34] وأذكر على سبيل التمثيل أن مرويات أبي هريرة التي بلغت مع المكرر 5374 حديثا. وأما أحاديثه من غير المكرر لا تزيد على 2000 حديث، وهي تشمل الصحيح وغيره. وهي بمجموعها مروية عن غيره من الصحابة إلا ثمانية أحاديث تفرَّد بها، انظر علي حسن الحلبي، مقدمة تحقيقه للصحيفة الصادقة. وهذا يعني أنَّ أبا هريرة وهو أكثر الصحابة رواية، لم يتفرد إلا بهذا القدر من الأحاديث، فكيف غيره!

[35] صنَّف المحدثون في الأفراد تصانيف عديدة، منها: المنفردات والوحدان لمسلم، والأفراد لابن شاهين، ولابن شاذان، والأفراد والغرائب لابن زريق، ولخلف، وأطراف الغرائب والأفراد لابن طاهر المقدسي.

[36] انظر الحمودي، ص139. وقال الخليليُّ: ما انفرد به الثقة يتوقف فيه ولا يحتج به، ولكن يصلح أن يكون شاهدا، وما انفرد به غير الثقة فمتروك. وخصَّص الحاكمُ الشاذَّ بتفرد الثقة فحسب، فأما تفرد الضعيف فهو أشد. السخاوي، فتح المغيث، 1/246.

[37] انظر الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، 2/100. والعراقي، شرح التبصرة، 3/77. والسيوطي، تدريب الراوي، 2/634.

[38] انظر الحمودي، ص133.

[39] قدم يونبل تفاصيل أكثر تنوعا عن المدار، كالمدار الرئيس الأصلي وشبيهه، والفرعي الجزئي وعكسه، والمتقدم أي المتابعات والشواهد، انظر: (Juynboll, Appraisal Of Some Technical Terms In Hadith Studies)، 52/306-318.

[40] السيوطي، تدريب الراوي، 1/291.

[41] ويمثل لهذا بحديث دخول النبيِّ مكَّةَ وعلى رأسه المِغْفَر، قال فيه ابن عبد البر في التمهيد، 8/158: ولا أعلم أحدا ذكر ذلك عن مالك غير بشر. وهذا ليس على ظاهره، إذ رواه عن مالك آخرون، انظر شرح الزرقاني، 2/597-598. فلعل مراده في الموطأ فقط كما نبه محقق التمهيد.

[42] ولعلَّ هذا يحملنا على اختيار التعريف الأوسع للمتابعة الذي يضم رواية الصحابي الآخر، ويخصص الشاهد بما جاء بمعنى الحديث الأول فحسب.

[43] وهذا صلب انتقاد الحمودي ص80-85، لشاخت في حديث “بيع الولاء” الذي ادعى فيه بأن مداره الذي وضعه هو عبد الله بن دينار، عن ابن عمر. فأثبت الحمودي أن الحديث لم يتفرد به ابن دينار عن ابن عمر بل له متابعات وشواهد كثيرة. والأمر نفسه في حديث “بريرة” إذ صرَّح شاخت بأن مدار الحديث هو هشام بن عروة، واتهمه بوضع الحديث عن أبيه، عن عائشة، فأثبت الحمودي ألا تفرد فيه أيضاً.

[44] (Juynboll, Studies On The Origins And Uses Of Islamic Hadith)، 5/163-173.

[45] (Schacht, A Revaluation Of Islamic Tradition)، ص147-153.

[46] انظر أقوال النقاد في مرويات عمرو بن شعيب عند: البخاري، التاريخ الكبير، 4/218. والذهبي، سير أعلام النبلاء، 5/166، وابن حجر، تهذيب التهذيب، 8/43.

ومرويات بهز بن حكيم عند العجلي في الثقات، 1/318. وابن حبان في الثقات، 4/161. والمزي، في تهذيب الكمال، 7/202.

[47] انظر للتوسع بحث د.خالد الدريس، سلوك الجادة وأثره في إعلال الأحاديث، وكتاب د.ياسر الشمالي المسمى بالاسم ذاته.

[48] (Schacht, The Origins of Muhammadan Jurisprudence) ، ص163-175.

[49] (Juynboll, Studies On The Origins And Uses Of Islamic Hadith)، 5/376. وقد تكفل بالرد عليه حمودي، ص45.

[50] (Cook, Early Muslim Dogma)، ص116.

[51] (Motzki, The Collection Of The Quran)، ص27.

[52] (Motzki, The Collection Of The Quran)، ص21-30. وأيضاً له: (Dating Muslim Tradition) مجلة أرابيكا، مجلد52، عدد2، ص240. ومثله أيضًا فينك الذي أقر بالسردية التراثية. فينك، نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي، ص131-136.

[53] إبد، في شاخت، ص175. وانظر الحمودي، ص159.

[54] (Motzki)، ص30.

[55] أخرجه مسلم في المقدمة، باب في أن الإسناد من الدين، 2/15.

[56] أفرد العتر في منهج النقد مبحثا مستقلا لإثبات ذلك، ص460. وأفرد سزكين كتابه مصادر البخاري لذلك.

[57] (The Origins)، ص175. ويرى موتسكي بأن شاخت صرَّح بهذا ولم يشر فحسب، ولكن نصوص شاخت لا تؤيده في رأيه.

[58] وكان من منهج النووي في شرح أحاديث الأحكام من صحيح مسلم أن يعقبها بذكر الأحاديث المشتهرة لدى الفقهاء، والتي لا تصح.

[59] وللأعظمي هنا نقاشات نظرية مهمة، ص87-89. وأخرى تطبيقية ص95-104.

[60] قال ابن حجر في النكت، ص992: “ذكر أبو جعفر محمد بن الحسين في كتاب “التمييز” له، عن شعبة والثوري وأحمد وغيرهم: أن جملة الأحاديث المسندة عن النبي أربعة آلاف وأربعمئة حديث”. وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم، ص9: “عن أبي داود، قال: نظرت في الحديث المسند فإذا هو أربعة آلاف حديث”. والمقصود بالمُسند: الحديث المتصل الصحيح. ويرى الإمام الشافعي أن عدة أحاديث الأحكام الصحيحة حوالي خمسمئة حديث. انظر البيهقي، مناقب الشافعي، 1/915.

[61] صرَّح بذلك موتسكي، والحمودي ص140، وذكر بأن هذا الانحراف المنهجي قد انتقل إلى أتباع شاخت أيضا فإنهم كلما أرادوا أن يمثلوا لقواعدهم، لجؤوا إلى “الأحاديث الضعيفة والموضوعة”. ولعل هذا التعبير الذي اعتمدناه أولى مما ذكره الأعظمي بأنها “حالات شاذة تم تعميمها على سائر الأحاديث”. وإلى قريب من هذه النتيجة وصل عبد القادر شريف في أطروحته للدكتوراه، ص3، وفيها انتقد شاخت ورفض نتيجته التي عمم فيها رفض كل الأحاديث النبوية، وقال: “يمكن لنا قبول نتيجة شاخت على نصف الأحاديث النبوية الفقهية على الأقل”، ويبدو لنا أن مقصودَه الأحاديث الضعيفة والموضوعة.

[62] من الأئمة المتهمين بالوضع عنده الإمام الأوزاعي وابن عُيينة وسفيان الثوري وأيوب وآخرون!! رضي الله عنهم أجمعين. انظر الأعظمي، ص96.

[63] Guillaume, Review Of: “The Origins Of Muhammedan Jurisprudence. 16/ 176.

[64] الحمودي، ص65.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.