الهجرة النبوية الشريفة دروس عبر التاريخ
الهجرة النبوية الشريفة دروس عبر التاريخ/ عبد الباري الحساني
الهجرة النبوية الشريفة دروس عبر التاريخ
بقلم: عبد الباري الحساني
قال الله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾[ إبراهيم: 26]
أخي ايها الإنسان، وكلنا ذالك الإنسان المضروب له المثل للخير والشر، أنا وأنت إذا لم نستقم فيما نقوم به من الأعمال، وإذا لم نخلص فيما يستند إلينا من التكاليف والافعال،. إذا لم نعتبر بتقلبات الأيام والأحداث التي تلدها الشهور والأعوام، كانت حياتنا شديدة الظلام، لا انسجام فيها ولا نظام.
أي اخي؛ تمر عليك الأيام بلياليها وشهورها وأعوامها بما تحمله من معاني ومن صفحات خالدات خلَّدنا الجدود والآباء ونقشت على صفحات التاريخ.
الهجرة النبوية الكريمة ذاك الحدث الذي يجب أن يغير نفوسنا، ويجعل المؤمن تلك الشجرة الطيبة السامقة فروعها، الثابتة جذوها في الأرض، الكثيرة عطاؤها في كل وقت.
المؤمن ذاك الإنسان الطيب الطاهر الثابت على الحق الناشر للخير في الناس في كل الاوقات، المتطلع للمستقبل بالخير، وليس ذاك الجسم الخبيث بالكفر والضلال، كالشجرة الخبيثة المستأصلة من الأرض، ليس لها جذور ثابتة تستقر عليها، وليس له مبدأ يتشبث به ويدافع عنه ويعيش من أجله.
الكلمة الطيبة لا إله إلا الله محمد رسول الله أساس الإسلام، وغاية كل مسلم أن يدافع لإعلائها، وأن يجاهد نفسه ليرتقي عبر معانيها الإسلامية والإيمانية والإحسانية، ومن رسخت في قلبه أثمر هذا القلب حلاوة وأنبت نباتاً طيباً .
أخي الكريم؛ تلك هجرة ونحن يجب أن نكون في هجرة، هجرة المعاصي والآثام، وهحرة العادات السلبية إلى العادات الإيجابية.
أن خروجاً من زمن العادة إلى زمن العبادة، والعبادة في هرج أي فتنة كهجرة معي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” العبادة في الهرج كهجرة إلي “. [ رواه مسلم ]
وعند الإمام أحمد بلفظ: ” العمل في الهرج كهجرة إلي”.
وعند الإمام الطبراني في المعجم الكبير بلفظ: ” العبادة في الفتنة كهجرة إلي“.
قال الله تعالى : ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾[ الأعراف: 58]
مهاجر إلى الله تحمل معك زادك في مِزْوَدَتِكَ، تتمثل قوله تعالى : ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197].
طريق هجرتك إلى الله قد رسمه الله لك في كتابه وبينه لك حبيبه ومصكفاه في سنته، وذكرك العلماء والاتقياء والاولياء به في كل خطوة خطوتها معهم في هذا الطريق.
ولكل مُتَخَلٍّ عن أصوله غير مبال بالطريق ، فضَّل أن يكون شجرة مجتثة من الأرض بلا أصل ولا هوية، يتخبط في الأهواء، ويتقاب في بحور الإغواء، ويشرب من كؤوس الفتنة والإلتواء، تتقاذف به الرياح كشجر الشوك في دروب اىصحراء، بلا أصل ولا هوية ولا وصفة دواء.
سبحان الله يفعل الله ما يشاء، قال تعالى على لسان سيدنا إبراهيم: ﴿ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾[ الصافات/ الآية: 100].
هجرة إلى الله مع طلب رفقة إيمانية صالحة تأخذ بيدك إلى الله تعالى دعاء نغبك عليه سيدنا إبراهيم عليه السلام.
خرج صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى الله يحمل معه زائداً ليس من حرير أو قماش، يشق طريقاً لم تعبِّده قدم راكب أو راجل بين صخور وهضاب الصحراء، متخطِّياً بعزم وحزم وإيمان لهيب رمالها،. وشدة تضاريسها، وفزع وحوشها، كأن قلبه يدقُّ حنين الحب الوطن المقدس والمدنس بشرك قريش والمكدس بأوثانها.
مع الحب المَشُوب بالعَبْرَة فارق صلى الله عليه وسلم موطنه كارهاً كفره ونفوره وجحوده لله تعالى إلى وطن أغلى وأحب وأثمن وأجل بجلالة ونفاسة الدين والإيمان.
وكأن لسان حاله مقاله في لحظات شوق بطعم الفراق يقول وهو يلتفت من عَلٍّ إلى بلدته اقسم الله بها: ( والله لانت أحب البلاد إلى قلبي إلا أن قومك أخرجوني ).
يقصد صلى الله عليه وسلم أنهم أخرجوني بمنعهم إياه دعوة الله تعالى .
هاجر صلى الله عليه وسلم إلى الله غير نلتفت بل يطرب باستمتاع وجوانحه وجوارحه تردد وتقول : ﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾[ الإسراء: 80]
هاجر إلى الله والله معه في كل مكان.
هاجر مع أنه كان يعيش في مكة ذروة حلاوة الإيمان بالله تعالى، لأنه إيمان ممزوج في كل لحظة بالإبتلاء.
نعم هاجر ليحقق لهذا الدين النصرة والإيواء، وليبني مجتمعاً تتحقق فيه معاني النصرة والهجرة.
الهجرة يا سادة إطلالة ربانية لعباده ليرى الصادق منهم والمريب، من يترك الدنيا وأهلها لينطلق لأمر الله تعالى ويحل بأرض أقل قيمة وشأناً وعشيرة وأهلاً مما كان يحلُّ بها.
الهجرة هي ابتلاء وامتحان واختبار ..
وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه الكرام يلبون هذا الأمر الإلهي تاركين ورائهم وطنهم الذي كانوا عليه يحسدون، وعشائرهم التي كانوا بها يفتخرون، وأموالهم التي كانوا بها يعيشون، خرجوا وقد استغنوا بدينهم وإيمانهم عن كل شيء.
الهجرة نصرة الله تعالى ولرسوله ولدينه.
هاجر ا رضوان الله عليهم ليوفروا لدين الله الامان، وليخلقوا له مسالك الإنتشار والإزدهار والانتصار، بدل أن يظل محاطاً بصناديد الكفر والجحود والنكران، والتي أغلقت الأبواب، وكبست على الانفاس، ومنعت الشعور والإحساس، وسدت الطرق وحجبت عن الناس صوت الدعوة و القرآن .
الهجرة إخلاص التوجه لله تعالى ، ودرب من دروب الصدق، يتفانى فيها الصادق ليجردها من كل شيء عرضي من حظوظ النفس والدنيا .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه”.[ متفق عليه ]
هنا يقف العابد أمام مولاه ببرهان الصدق، والصدق عملة تختبر عند البلاء والمحن.
من علامات الصدق أن تؤثر القليل على الكثير ، والمعاناة على الرفاهية، والضراء على السراء إذا ما تعارضت مع الحق سبحانه وتعالى.
ننظر إلى عبد الله ونبيه سيدنا ي سفر عليه السلام إذ قال بعزم مؤمن صادق واثق:
﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾. [ يوسف: 33]
وما كان هذا إلا انتفاضة صادق رفض شهوة الملك ومغريات القصر ورحب بالسجن وقضبانه.
والله المستعان .