أمرنا الله تعالى بذكره وعدم الغفلة عنه في آيات كثيرة من كتابه العزيز ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا ﴾1.
وكل آية اختصت بنوع من الذكر المطلوب من الإنسان تجاه خالقه، وتضمنت جانبا من جوانب النفس البشرية لعلمه تعالى بخباياها وبما يصلحها في الدنيا وما ينجيها في الآخرة.
فحذرنا سبحانه وتعالى من صحبة الغافلين لأن الطبع للطبع يسرق.
قال تعالى: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ﴾2.
وأمرنا بذكره في أنفسنا بالغدو والآصال والعشي والإبكار تضرعا وخيفة فقال عز من قائل: ﴿ واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ﴾3،﴿ واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار﴾4.
وأرشدنا الله تعالى للذكر علاجا للغفلة والنسيان ونزغ الشيطان ﴿ واذكر ربك إذا نسيت ﴾5 ونبهنا المولى عز وجل إلى النعم التي تذكر الإنسان بالمنعم، ومنها نعمة الهداية: ﴿ واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ﴾6، ونعمة الوحي والحكمة ﴿ واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ﴾7، ونعمة العلم: ﴿ فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾8، ونعمة التآلف والأخوة في الله: ﴿ واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ﴾9، ونعمة الكثرة والنصرة بعد القلة والاستضعاف: ﴿ واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ﴾10 ونعمة دفع كيد الأعداء: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ﴾11 و﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ﴾12، بل جعل الله تعالى ذكر الله من أسباب النصر والفلاح ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ﴾13 وأعظم هذه النعم هو ذكر الله تعالى للعبد الذاكر الشاكر: ﴿ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ﴾14.
لكن الله تعالى حذرنا من غفلة من نوع آخر وهي الغفلة عن العالم والغفلة عما يجري فيه مما قدره الله تعالى بين مخلوقاته وطلب من بني آدم التفاعل الايجابي معه تنمية للخير وأهله ودفعا للشر وجنده.
فإن نحن اقتصرنا على ” الذكر ” بمعناه الحرفي السطحي لا كما ورد في كتاب الله تعالى مقرونا بشتى أنواع الحالات النفسية والخلقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبينه رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم في سنته وعاشه صحابته الكرام في دعوتهم وجهادهم، إن فعلنا ذلك، كنا كمن يومن ببعض الكتاب ويكفر ببعض.
لذلك أمرنا الله تعالى بالصلاة لينتفع الإنسان في نفسه بذكر الله وينهاها عن الفحشاء والمنكر وبالزكاة لينفع الإنسان أخاه الإنسان فلا صلاة لمن لا يزكي ولا زكاة لمن لا يصلي.
ولا حاجة لله تعالى بذكرنا إن ولينا وجوهنا قبل المشرق والمغرب تسبيحا وحوقلة ونأينا بجانبنا عن السائلين والمساكين والذين دقت رقابهم تحت الفقر والجوع والظلم والمرض. قال تعالى:﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ﴾15.
بل حذرنا المولى عز وجل من التدين المزيف الذي يدعو لمحاربة الغفلة عن الله، ويغرق في الغفلة عن خلق الله. فالذكر في البروج العاجية وإن كان يثمر ثوابا فقد يثمر ويلا وعقابا بما هو هروب من مسؤولية الوقوف الميداني وعبر الوسائل الحديثة لإغاثة الملهوف وبما هو منع للماعون وعدم الإطعام في أيام المسغبة وبما هو نقض للازمة الذكر ورهبانية الليل بالغياب عن فروسية النهار التي تقتضي الأخوة والتراحم والتعاطف والمواساة والنصرة والسعي بالخير بين خلق الله تعالى.
فعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد – يعني مسجد المدينة – شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ـ ولو شاء أن يمضيه أمضاه ـ ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة ـ حتى يثبتها له ـ أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام.« 16
-1 سورة الأحزاب – آية 41
-2 سورة الكهف – آية 28
-3سورة الأعراف – آية 205
-4 سورة آل عمران – آية 41
-5 سورة الكهف – آية 24
-6 سورة البقرة – آية 198
-7 سورة البقرة – آية 231
-8 سورة البقرة – آية 239
-9 سورة آل عمران – آية 103
-10سورة الأنفال – آية 26
-11سورة المائدة – آية 11
-12سورة الأحزاب – آية 9
-13سورة الأنفال – آية 45
-14سورة البقرة – آية 152
-15سورة البقرة – آية 177
16-رواه ابن أبي الدنيا في كتاب: قضاء الحوائج، والطبراني وغيرهما.Bas du formulaire
نفعنا الله وإياكم وتقبل منا ومنكم صالح الأعمال. أثابكم الله على الجهد المبذول والأداء الحسن