المسلم وبرْد الشتاء ولباس التقوى
بقلم: أحمد المتوكل
دارت الأيام والليالي دورتها العادية ووجدنا أنفسنا في فصل الشتاء، وهو فصل تُرى فيه ظواهر طبيعية تتزامن معه، كشدةِ البرد والصقيع وهبوطِ درجة الحرارة، وهطولِ الغيث بغزارة على قوم، وانحباسِه عن آخرين، وهي ظواهر تستحق منا التأملَ وإعمالَ العقل.
وفي هذا الموضوع سأتكلم عن شدة برد الشتاء وعن مصدره وعن تذكيره بزمهرير جهنم وعذابها، وعن مواجهة برد الدنيا بالملابس التي تقي منه، وعن تزيين النفس والروح بلباس التقوى الذي يقي ويحفظ من جهنم وبردها وعذابها.
شدة البرد من فَيْح جهنم وتذكير بها
أيها المسلمون: إن المطلوب من المؤمن أن يتأمل ويتدبر في كل ما يحيط به مما أوجده الله تعالى، و يُشغل نفسه بالتفكر في آيات الله وعجائب صنعه، ويربط ذلك بقدرة الله جل وعلا في كونه، ويستغله لتوثيق العلاقة بربه سبحانه تعالى وعبادته وذكره وشكره بالقول والعمل والإخبات إليه، والدعوة إلى صراطه المستقيم، والمجاهدة في سبيله تعالى، وينتقل من الانشغال بالمخلوق إلى تعلق القلب والهمّة بالخالق دون شيء من مخلوقاته.
عباد الله : إن فصل الشتاء معروف بشدة البرد وانخفاض درجة الحرارة، وارتفاعُ درجة الحرارة و انخفاضُها لها أسبابٌ مناخيةٌ طبيعية معلومة، وهناك أسبابٌ أخرى مجهولةٌ لدى البعض لا تُعْلَم إلا بطريق الوحي، كقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ((اشْتَكَت النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ))1.
والزمهريرُ هو شدةُ البرد، ولا إشكالَ من وجوده في النار، فقد جعل اللهُ- القادرُ على كل شيء- فيها طبقة زمهريرية يعذَّب فيها وبها العُصاةََ، نسأل الله العافية والنجاة.
فنار جهنم اشتكت إلى خالقها، فجعل لها وقتين تتنفس فيهما وتتخفف من حِدَّتها، فشدة البرد وشدة الحر من أنفاس وزفير جهنم، وما يشعر به الناس من شدة البرد باختلاف مناطقهم ومناخهم هو نفَسٌ من أنفاس نار الآخرة، نعوذ بالله من كل ذلك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الشيخان وغيرهما: ((إن لجهنم نفَسَيْنِ: نفسٍِِ في الشتاء ونفسٍ في الصيف، فأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها، وأشد ما تجدون من الحر من سَمومها))، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (يستغيث أهل النار من الحر فيغاثون بريح باردة يصدع العظامَ بَرْدُها، فيسألون الحر ويستغيثون بحر جهنم).
وقد يعتقد أناس أن العذاب على المعاصي في جهنم لا يكون إلا بالنار فقط، كلا، بل يكون كذلك بأنواع أخرى، ومنها البرد الشديد والزمهرير والغساق، ولا عجب ولا استغراب في ذلك، إذ كم رأينا وسمعنا عن أناس في هذه الدنيا أصابتهم أمراض وأسقام وأوجاع من شدة برد الدنيا القليل- بالمقارنة مع برد الآخرة- فهم يتألمون ويشتكون من برد الدنيا، ومات منهم عدد كبير بسب موجات الصقيع، وكم هي النباتات والمغروسات التي تُهْلك وتضيع بشدة البرد والصقيع، فما بالكم بما في جهنم!، وبردُ النار أشدُّ وأفظعُ، وأقبحُ وأشنعُ، وأقسى وأبقى وأوجعُ.
ألا فليتأمل المسلم في حال من يحكم الله عليه بالخلود فيها؟، لا يَخرُجون منها ولا تُقبلُ شكواهم ولا استعطافهم، ولا يجدون مَهْربا ولا مُخلصا منها ولا رادا عنها، ولا يُغاثون إنِ استغاثوا، ولا يُخَففُ عنهم من عذابها، وهم فيه مُبْلِسون، وما ظلمهم الله، ولكن كانوا هم الظالمين.
ومن الحكم التي نستفيدها من شدة برد الشتاء: أنه يُذكِّرنا بزمهرير جهنم وبعذابِ العُصاة فيها، و لقد وصفهم الله سبحانه وتعالى وما يتعرضون له من عقاب أليم بقوله: {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا جَزَاءً وِفَاقًا}2،” أي لا يذوقون في جهنم برودة تخفف عنهم حر النار، ولا شرابا يسكِّن عطشهم فيها”3، قال الربيع بن أنس رحمه الله:” فأما الحميم: فهو الحار الذي قد انتهى حره وحمُوُّه، والغسّاق:هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم، فهو بارد لا يستطاع من برده، ولا يُواجَه من نتنه!”4، كما أن شدة البرد تذكرنا بنعيم أهل الجنة، فهم لا يعانون مما يعانيه أهل النار من هذا النوع من العذاب، يقول الله عز وجل عنهم: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً}5، أي يتمتعون بجو معتدل لا بارد ولا حار، قال قتادة:”علم الله أنّ شدة الحر تؤذي وشدة البرد تؤذي فوقاهم أذاهما جميعًا”.
إن العبد المؤمن إذا استحضرَ هذه النصوصِ القرآنيةِ والحديثيةِ وآثار الصالحين المباركة، وتأمل الظواهر الطبيعية، وربطَ المشاهد الدنيوية بالآخرة، وتأملَ في جهنم وما فيها-نعوذ بالله منها-، وحفَّز همته و حرك عزيمته، وشمَّر وسارع إلى مرضاة مولاه، واجتهد في الشتاء والبرد بالطاعات والنوافل والقربات، وألجم نفسه بلجام المنع، وواجه هواه بسيف القمع، وحبس جوارحه عن المحرمات والمهلكات، وتذكر أن شدة البرد أثر من زمهرير جهنم، ليزدادُ رغبة في الخير ورهبة من الشر ويزدادُ إيمانه ويقينه بربه، ويحصلُ قربُه منه، ومن دعا الله سبحانه وتعالى أن يقيه من جهنم وحرِّها وزمهريرها، كان حقًّا عليه سبحانه أن يقيَه بردَ جهنم وحرَّها، عن أنس ابن مالك عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((من سألَ الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنةُ: اللهم أدخله الجنةَ، ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النارُ: اللهم أجره من النار))6.
يقول أحد الصالحين:” ما رأيت الثلج يتساقط إلا تذكرتُ تطايرَ الصحفِ في يوم الحشر والنشر”.
إن تغيرات فصول السنة تذكرنا بالآخرة، فشدة حر الصيف يذكر بحرِّ جهنم، وهو من سمومها ولظاها، وشدة برد الشتاء يذكر بزمهرير جهنم، وهو من نَفَسِها، والخريف تُجني فيه الثمراتُ، فهو منَبِّهٌ على جني ثمرات الأعمال في الآخرة، وأما الربيع فهو أطيبُ فصولِ السنةِ، وهو يُذكِّر بنعيم الجنة، وطِيبِ عَيْش أهلها.
فيا من ترتعش إذا واجهك البرد الشديد، ولا تقدر على مواجهته في الدنيا رغم ما لديك من الملابس والتجهيزات، ويا من تمرَض وتتألم بموجات البرد الشديدة، تذَكَّر- يا ذا الجسم الضعيف- شدة زمهرير جهنم بشدة البرد القارس في الدنيا، والعاقل من يتعظ بما يدور حوله.
إن الصالحين في كل زمان ومكان يتعظون بما يقع حولهم ويعلمون يقينا أن الله تعالى قدَّر ذلك لحكم وأسرار ومقاصد وغايات، فيسارعون في فعل الخيرات، ويطلبون ما عند الله من الخير، ويحبسون جوارهم عن الشر، ويطهرون سرهم وعلانيتهم عن كل ما يسخط عنهم ربهم تعالى.
لباس الشتاء ولباس التقوى
أيها المؤمنون الأعزاء: ومن جملةِ ما نراه عند حلول فصل الشتاء البارد تنافسَ الناسِ على شراء اللباس والكساء كيفما كان رخيصا أو غاليا، جديدا أو باليا، الشرط فيه أن يقيَ أجسادهم من البرد ويدفعَ عنها ما قد يسببه من أمراضٍ وعاهاتٍ، ويحتاطون أشدَّ الاحتياط ِ من أذى البرد بما سخره الله تعالى لهم من الأسباب، ويسارعون إلى التدثر بالملابس الغليظة الوافية الواقية، ويُوصِي بعضهم بعضا بذلك، وهذا أمر لا حرج فيه، بل إن فعل ذلك واجب لعدم الإلقاء بالأنفس إلى التهلكة، وهو من أهم الأسباب التي يسَّرَها وسخرها اللهُ عز وجل للناس، ولأنها تكون عونا بعد الله على مقصود الناس ومرادهم، لكن هناك أمر يغفل عنه الكثير أو يجهلونه وهو المطلوب في كل وقت وحين، ألا وهو التدثر بلباس التقوى و بِرِدَاء الخوف من الله، والالتحاف بلحاف الحياء، وإلى ذلك يشير قول الله تعالى في سورة الأعراف: {يَا بَنِي آدَمَ قَدَ اَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسَ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ، ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}7.
إن السياق القرآني في هذا النداء يَذْكر نعمة الله على البشر وقد علَّمهم ويَسَّرَ لهم، وشَرَعَ لهم كذلك اللباسَ الذي يستر العورات المكشوفة، ثم يكون زينة بهذا الستر وجمالاً، بَدَلَ قُبْحِ العري وشناعته، و يُذَكِّر كذلك بلباس التقوى ويصفه بأنه(خير)،{ولباس التقوى ذلك خير، ذلك من آيات الله}.
و”إنما القصد بـ(لباس التقوى) صلاح النفس لا اللباس المادي الظاهر، ولكنه هنا سيق لكون هو غاية اللباس المادي في الإسلام، والمقصد الأساس من تشريعه، فإنما اللباس ما عبر عن ورع صاحبه وتقواه ذكرا كان أم أنثى”8.
فاللباس زينة للإنسان وسَتْرٌ لعوراته الجسدية، كما أن التقوى لباس له وسَتْرٌ لعوراته النفسية، والعريُ النفسيُ من الحياء والتقوى والخوف من الله أمورٌ يجتهد فيها الشيطان وجنوده من الجن والإنس لتعرية المؤمن والمؤمنة منها.
فعلى المؤمن أن يزين جسمه بكل لباس مباح حسن جميل يقيه الحر والقر، ويزين روحه بكل فعل حسن وخُلُقٍ رفيع، ويُبْعِدُ نفسَه عن كل خلق قبيح ذميم.
وخير لباس المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيا
و من أهم ما نراه- كذلك- في فصل الشتاء: سَتْر العورات وقلة التعري وانخفاض منكرات الأعراض التي تظهر في فصل الصيف بشكل لافت للانتباه، فأغلبُ النساء اللاتي يتعرين ويكشفن مفاتنهن في أيام الحرارة، يسترن أجسادهن أيام الشتاء والبرد، وليس ذلك خوفا من الله تعالى، ولكن توقيا للبرد وخوفا من أضراره على أجسادهن، والمطلوب من المسلمات أن يسترن أجسادهن في كل وقت وحين خوفا من الله تعالى وتقربا إليه، لأن اللهَ الحكيمَ الخبيرَ جعل الخير – كل الخير- في امتثال شرعه، فعلى النساء والفتيات المومنات المتبرجات أن يتُبْنَ إلى الله ويعلنَّها توبة من الآن، ولا يجترئن على الله، ولا يفْتِنَّ عباد الله.
وعلى المرأة أن تعلم أن العريَ فطرةٌ حيوانيةٌ، ولا يَميلُ الإنسان إليه إلا وهو ينزل إلى مرتبةٍ أدنى من مرتبةِ الإنسان، وأن الزينةَ الإنسانيةَ هي زينة الستر وهي نعمة الله لحفظ إنسانيتها وصيانتها لكيلا ترتد إلى عالم البهيمة.
والفطرة السليمة تنفرُ من انكشاف سوآتها الجسدية والنفسية، وتحرصُ على سترها ومُواراتها، والذين يحاولون تعريةَ الجسم من اللباس، وتعريةَ النفس من التقوى، ومن الحياء من الله ومن الناس، والذين يُطلقون ألسنتَهم وأقلامَهم وأجهزةَ التوجيه والإعلام كلَّها لتأصيل هذه المحاولة- في شتى الصُّوَِر والأساليب الشيطانية الخبيثة- همُ الذين يريدون سلب”الإنسان” خصائصَ فطرتِه، وخَصائصَ”إنسانيته” التي بها صار إنساناً، وهمُ الذين يريدون إسلامَ الإنسانِ لعدوه الشيطان وما يريده به من نزع لباسه وكشف سوآته! وهمُ الذين يُنَفِّذون المخططاتِ الصهيونيةِ الرهيبةِ لتدمير الإنسانية وإشاعةِ الانحلالِ فيها لتخضع لملك صهيون بلا مقاومة، وقد فقدت مقوماتها الإنسانية !9.
اللهم ألبسنا لباس التقوى، وارزقنا رداء الستر في الدنيا والأخرى، وأسبغ علينا نعمك الظاهرة والباطنة واجعلنا من الشاكرين.
الهوامش:
1- رواه مسلم عن أبي هريرة.
2- سورة النبأ الآيات: 24-26
3- صفوة التفاسير محمد علي الصابوني (3. 484)
4- مختصر تفسير ابن كثير اختصار وتحقيق محمد علي الصابوني(3. 592 )
5- سورة الإنسان الآية:13
6- رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان ولفظهم واحد والحاكم وقال صحيح الإسناد
7- سورة الأعراف الآية:26.
8- سيماء المرأة في الإسلام فريد الأنصاري ص 54
9- في ظلال القران سيد قطب 3. 1275