منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أنين المنابـــر

أنين المنابـــر/ مصطفى اسماعيلي

0

أنين المنابـــر

بقلم: مصطفى اسماعيلي

صادف هذه الجمعة؛ يوم عطلتي من العمل، لذا اغتسلت لأبكر إلى المسجد لعلي أحظى بالصف الأول، قضيت بعض الأغراض المنزلية أولا، ثم توجهت مباشرة إلى المسجد، إلا أني وجدت الصف الأول قد اكتمل من يمينه إلى شماله، فلم أجد بدا من الجلوس في الصف الثاني قبالة المنبر. تناولت الهاتف أقرأ وردي من القرآن، وفي كل مرة أرفع بصري نحو المنبر.

بعد ورد القرآن شرعت في قضاء أوراد الصباح، ومرة مرة أرفع بصري إلى المنبر ثم أغمض عيني وكأني أسمع له أنينا ونحيبا خافتا، يريد أن يتكلم، أن يفصح أو يبين … وتذكرت حنين الجدع حين حن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تلك معجزة كانت على عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم، ووجه الإعجاز فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع أنين الجدع، أما الأنين في حد ذاته فليس بمعجزة؛ فقد أنبأنا الله عز وجل في غير ما آية أن الأرض والحجارة وكل شيء إنما هو شاهد علينا، عاقل مدرك لما حوله من الأحداث والأشخاص؛ يحس ويشعر … “وما من شيء إلا ويسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم”.

هو ذا؛ وكأني به يشكو ثقل أبدان من يعتليه، مع فراغ قلب من يخطب فيه، وتلعثم من يتكلم منه، يتهجى ورقة مسؤوليه، يطبل لمن أجرى أجرته، يصفق لحماقات هو نفسه يدرك وجوه حماقاتها… كل ذلك في سجل آثاره المقدسة، مسكين هذا الذي يتكلم بفيه بما ليس فيه…

ها هو ذا؛ وكأنه يرثي واقعه: كيف انقلب به الحال من فرسان كانوا يمتطونه إلى تيران يرفسونه، من وعاظ أبكوا الحاضرين إلى قصاص ينوِّمون النائمين، من أهل حق كانوا يجلونه ويهابونه إلى تجار يتسابقون مكانة عند أهل الدنيا مقابل دريهمات أو لقيمات، يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.. فـ”ضربت عليهم الذلة والمسكنة”.

مساكين محترفو الخطابة!.. وأتساءل: كيف يكون وخز الضمير لمن لا ضمير له؟، وما لون عرق من لا حياء فيه؟، وكم من وجه لمن لا وجه له؟

أكيد أن هذا المنبر يتساءل اليوم: أين أنا من هموم المسلمين؟ أين أنا من تطلعاتهم  وأعمالهم؟.. أين أنا من آلامهم وأحزانهم وأفراحهم؟.. أين أنا من مأكلهم ومشربهم؛ حلاله وحرامه؟.. أين أنا من احتياجاتهم واهتماماتهم اليومية والمصيرية؟.. هل ما زلت دليلهم لجنة الرضوان ومحذرا من غضب الديان؟ أم صرت بوقاً لكل ناعق…!

إنه يئنُّ شوقا للصاحين الذين اعتلوه وأعلوا من شأنه.. شوقا للعلماء الذين علٍموا قدره وعلًموا الناس دينهم من فوقه، وشوقا للقادة الذين صدحوا بالحق وإعلاء كلمة الله بين خلقه، وشوقا للنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم ومن اقتفى أثره من بعده…

وإنه ليئِنُّ ألما من وطأة الفجار درجَهُ، يكذبون على الناس باسمه، يمجدون أوثانا ويلوكون قرآنا.. يئن من أوزان المرتزقة وأوزارهم؛ يبيعون صكوك غفران.. يئن ألما من عبث خدًام حولوه إلى مكيف هواء يبلد المشاعر ويطفئ  جدوة الإيمان في القلوب؛ فلا خروج من المسجد إلا والعزائم مهزومة والآمال في الله مفقودة.. خرجوا كما دخلوا أو أشد برودة… أهكذا يكون صنيع منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته من بعده؟.

وما هذه الورق؟ إنها ورقة رسمية، إجبارية، قسرية، فوقية، وثنية، سلطوية… سيف العزل مسلًط على كل من تركها أو زاد فيها أو نقص منها حرفاً أو حرفين.. قارؤها في حذر شديد من تجاوز سطر أو نسيان كلمة؛ فهو يعلم أنه مراقب من جهاز أو جهازين أو ثلاثة، وربما أكثر، ورقابة الله فوقهم جميعاً، ولكن أكثرهم غافلون إلا من رحم الله!.

ورقة بلا روح، بلا معنى، بلا حياة، بلا أثر، ليست إلا صدى لا يتجاوز الآذان، لا تبرح المكان، ولا تتخطى الجدران.

إن للمنبر تاريخاً من العطاء، لم ينقطع منذ فجر الإسلام وخلال مختلف فترات تاريخه، يحاول طمسه العتاة. كم من خطب غيرت أحوال أمم، وأخرى رفعت همماً وأعادت مجداً انصرم … وكذلك اليوم؛ هو قادر أن يصنع المجد شرط فك قيوده وإطلاق حرية لسانه؛ فيعود لسابق دوره في قلب اهتمامات المسلمين، بل لن تقوم للمسلمين قائمة ما لم يرجعوا إلى المسجد وينطلقوا منه تعلماً وتعليماً، استنارة وتنويرا، تبتلا ودعوة، استهداء وهداية. المساجد تحيى وتعمر بحلقات العلم والصلوات والندوات والمسابقات وكل أشكال الحياة والحيوية؛  ليلتقي الشعب بالدعاة والعلماء والمفكرين والمخترعين، وحتى تغدو المساجد ملاذا للحائر والتائب والطالب والمريض والفقير والغني والرجال و النساء، وكل أصناف المجتمع لاستصلاح أمريْ الدين والدنيا ومستقبل الإسلام والمسلمين بما يحقق الازدهار وتبليغ دعوة الإسلام للعالمين، عوض الاستسلام للغزو الثقافي والفكري لأهل الشرق والغرب، ومن هب ودب.

 هذا المنبر، وإخوانه في باقي المساجد من بلاد المسلمين، تحت أيادي صادروها، ثم أمموها وحجروا عليها الدخول في ِشأن الأمة.. إنهم يخافون أن يكشف المنبر عورتهم أو يقوِّضَ دعائم تحكمهم، فتراهم يبالغون في نقوش الحيطان والزرابي المزركشة ليوهموا الناس أنهم مهتمون بالمسجد ومنبره، ولا يعدو المنبر والخطيب إلا أثاثا مع الأثاث، يغير كلما دعت إلى ذلك الضرورة السياسية أو الاقتصادية أو الحالة الجوية وحتى الأهوائية. سبقهم إلى هذه المراوغات أهل قريش بالتفاخر والسبق في خدمة البيت الحرام، فرد الله عليهم خير رد إذ قال تعالى: “إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ (18) ۞أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ (19)” التوبة.

نادى، منذ قرن، مصطفى صادق الرافعي يتمنى الحياة للمنابر فقال: “ألا ليت المنابر الإسلامية لا يخطب عليها إلا رجال فيهم أرواح المدافع، لا رجال في أيديهم سيوف من خشب”. كانت صيحته زمن الاستعمار الغربي الذي جثم على صدر الأمة، والحال ما فتئ يتزحزح، والمنبر ذاته اليوم يصيح: أطلقوا سراحي فقد ولدت حراً.. متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا…

أطلقوا سراحي فقد ولدت حراً..

أطلقوا سراحي ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.