منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مشروعية الإحتفال بالمولد النبوي

محمد رضا أجبار

0

مشروعية الإحتفال بالمولد النبوي

محمد رضا أجبار

أهل ربيع الأول شهر البركات والأنوار، فرح به الصلاح والأخيار، ولد فيه سيد ولد أدم يوم الإثنين ١٢ ربيع الأول فهذا ما جاءت به الأخبار، فزعزعت قلوب المشركين والأحبار، خافوا من رجل حاز النبوة والأسرار، فنصر به دين الله الواحد القهار، أسلم المهاجرون والأنصار، وكان لدين الله القبول في كل الأقطار والأمصار، ولم يتولى عنه إلا الجاهلون والفجار.

نحن في شهر وجب علينا الفرح به والعمل فيه شكرا لله على نعمة هي من أعظم النعم ألا وهي ولادة خير خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم، نور هذا الشهر وجعل له حرمته وآدابه، غير أن في ظل هذه الأجواء النورانية غوغاء من قوم يحرمون الاحتفال بالمولد النبوي، يرمون كل محب محتفل بالبدعة والابتداع، مستدلين بأقوال واهية شوشوا بها على العامة، نرجو الله جل جلاله أن يكون فعلهم هذا نابعا من محبة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، ونصرة لسنته فإن كان غير ذلك كيدا ومكيدة فهي الطامة الكبرى.

يقولون أفعلَ فعلكم هذا رسول صلى الله عليه وسلم؟ يظنون أنهم بهذا أصحاب حجة وعقل وحسن فهم للنقل.

أقول بتوفيق من الله وأشهد الله أن ردي هذا ليس ابتغاء الجدال والخلاف بل مرادي نصرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، أكل فعل لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكت عنه حرام فعله؟

فإن كان كذلك، فكثير من الأشياء وجب تحريمها وهي أصبحت في نظر العامة من لب الدين كجمع القرآن الكريم في المصحف، ولم يرد أن رسول الله فعل هذا أو قاله لأصحابه في حياته بل هو فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وجمع الناس لصلاة التراويح على دوام في رمضان وهذا لم يفعله رسول الله بل الفاروق رضي الله عنه وقال: نعم البدعة هذه.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) فنحن نرى الاحتفال بالمولد سنة حسنة كسائر السنن الحسنة التي جاءت من بعد النبي صلى الله عليه وسلم؛ مثل جمع القرآن وتنقيطه وتشكيله والعلوم الشرعية تأصيلها وتفريعها نرى فيه الصلاح لديننا.

فأقول للهائم الموقن إن سمع قولهم، قل (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)

وأقول للمحب المشكك، إن الحال يغني عن مقال، وإن لك عين تبصر بها أحوال القوم المنكرين، فترى علاقتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم فيها نوع من الجفاء، يظنون أن تمام الحب المحمدي هو أن تتبع سننه الظاهرة، وإن رأيت رأسا من رؤوسهم يرمي كل لفظ السيادة لسيدنا وحبيبنا ومولانا محمد صل الله عليه وسلم في الشهادة والتشهد بالبدعة، ويقول أورد هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وإن أراد التحدث عن سيرة شيخه الذي يمثل الفكر السطحي الصغير البسيط المتزمت بدأ الكلام بالتبجيل والتعظيم فيقول (شيخ الإسلام، ناصر السنة، قامع البدعة والضلال، فريد زمانه، سيد العلماء…) فيجتهد في المدح والتعظيم اجتهادا لم يجتهد في قوله لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، بل لم يلزم الصمت فقط فبادر برمي البدعة على من مدح النبي صلى الله عليه وسلم.

أما القوم المقرون فترى أنهم ما اجتمعوا إلا للصلاة عليه وقراءة سيرته، وتحصيل الشمائل المحمدية، ومدحه صلى الله عليه وسلم بأشعار تحرك الوجدان، مربين أبناءهم على حب رسول الله صلى الله عليه وسلم متبعين كتاب الله وسنة نبيه الظاهرة والباطنة فهو الذي قال: (أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم؛ وحب أهل بيته؛ وقراءة القرآن؛ فإن حملة القرآن في ظل الله؛ يوم لا ظل إلا ظله؛ مع أنبيائه؛ وأصفيائه).

قوم لم يجعلوا خلقا من مخلوقات الله إنسا كان أو جانا ندا لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، فكلما دعوا الله قالوا: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه في.

فتوسلوا به وهو خير الوسيلة والشفيع، فأين ذاك من هذا، شتان بين الثرى والثريا.

وما هذا الذي أسرده بخواطر في داخلي بل هو الواقع المعيش فلك أيها القارئ واسع النظر والحكم والتحقيق.

وأقول للمنكر الذي تمكنت منه تلك الوساوس فملكت فكره و كانت مرجعه وأراد الحجج العلمية المقنعة، جزى الله  علماءنا خير الجزاء أجابوا و أجادوا، ردوا بحجج مفحمة تثلج الصدر و تدعو للفخر  و تثبت أن ما نسير عليه منهج ومشرب محمدي، من مشكاة النبوة، فلقد استخرج شيخ الحفاظ ابن حجر العسقلاني أصلا من السنة على جواز الاحتفال بالمولد  في كتابه الحاوي للفتاوي(189\1-197)مَا رَوَاهُ ابنِ عَبَّاسٍ رضيَ اللهُ عَنْهُمَا قال : لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَدينةَ وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عاشُوراءَ، فَسُئلوا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالوا: “هُوَ الْيَومُ الَّذي أَظْهَرَ اللهُ مُوسى وَبَني إسْرائيلَ على فِرْعَوْنَ وَنَحْنُ نصُومُهُ تَعْظيمًا لَهُ”، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم “نَحْنُ أوْلى بِموسى” و أمر صومه أمر استحباب، فنستفيد من هذا أن شكر الله  على ما أنعم به علينا  في يوم معين وإعادة  هذا في نظير ذلك اليوم كل سنة مباح، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة من الصلاة و الذكر و السجود و الصيام و الصدقة، وأي نعمت أعظم من بروز  سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك أخرج الحافظ السيوطي أصلا من السنة على جواز عمل المولد في رسالته حسن المقتصد في عمل المولد: قول النبي صلى الله عليه وسلم “ذاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فيهِ وفيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ” و هذا لما سئل عن صيامه يوم الإثنين  و في هذا الحديث دلالة على استحباب الصيام الأيام التي تتجدد فيها نعم الله تعالى على عباده، ألا وإن أعظم النعم ظهوره صلى الله عليه وسلم و بعثته و إرساله إلينا قال الله تعالى (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِم) [سورة ءال عمران] قال الحافظ  جلال الدين  في رِسَالَتِهِ: “وقَدِ اسْتَخْرَجَ لَهُ – أي الْمَوْلِدِ – إِمامُ الْحُفَّاظِ أبو الفَضْلِ أَحْمَدُ بنُ حَجَرٍ أَصْلاً مِنَ السُّنَّةِ واسْتَخْرَجْتُ لَهُ أَنا أَصْلاً ثانيًا…” اهـ.

أما قول المخالفين: الولائم وإتاء الطعام فعل لا أصل له، فقد أجاب الحافظ البغدادي بن حجر العسقلاني عن هذا في أحد مؤلفاته “المورد الهني في المولد السني” فقال: إن اتخاذ الوليمة وإطعام الطّعامِ مُستحبٌّ في كلِّ وقتٍ فكيف إذا انضَمّ إلى ذلك الفرحُ والسُّرورُ بظُهور نور النّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلَّم في هذا الشَّهْرِ الشَّريفِ.

وإنا والله ما نستدل بشخص مجهول وأنتم لقدره لعالمون رغم أنكم لنا مخالفون، فأنتم في قرارة أنفسكم تعرفون أن الأول شيخ الحفاظ صاحب الفتح الباري، والثاني الحافظ المفسر الموسوعي جامع الفنون.

فيقول المشوش  زاعما  وقد نفدت حججه، أول من عمل المولد  هم أناس  كفرة يحتفلون بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فأقول رادا بتوفيق من الله، البينة على من ادعى، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، لا دليل تاريخي على كلامك بل هو كذب وتلفيق، فلقد ذكر العلماء و المؤرخون أن أول من احتفل بالمولد هو الملك المظفر  حاكم إربل  و قد اشتهر عليه الصلاح  والزهد و حب الجهاد والفتح، و أشكال الاحتفال تختلف و بالأحرى نقول أول من احتفل بمولد محمد  صلى الله عليه وسلم؛ هو محمد نفسه لما صام صلى الله عليه وسلم  ذاك اليوم فرحا بميلاده وشكرا لله فكيف لا يحتفل أتباعه.

أقول مختتما هذا المقال إن للجهاد ثمرات ليست لأصحاب الجهاد من أهل الوغى المقاومين وأهل غزة نصرهم الله فقط، بل على الأمة جمعاء، ثمرات تحرك الفطرة وتعيد المرء لمشرب الحق وتنقيه من كدرة التيارات التالفة وتصحح بوصلته ونظرته، فلقد فضحت الحرب أهل الشقاق والنفاق، وإن القوم الذين استأثروا بوسام الفرقة الناجية ولواء رمي البدعة على الناس هم في أفول، أما السائرون على المنهاج النبوي فسينصرهم الله وينصر مذهبهم إن شاء الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.