الفقيه والمجذوب/ سؤال مُعجز (قصتان قصيرتان)
الفقيه والمجذوب/ سؤال مُعجز (قصتان قصيرتان)// عبد الهادي المهادي
الفقيه والمجذوب/ سؤال مُعجز (قصتان قصيرتان)
بقلم: عبد الهادي المهادي
بقلم: عبد الهادي المهادي
الفقيه والمجذوب
أثناء توجّه السي العلمي للقارب الذي كان ينتظره ليقلّه إلى الضّفة الأخرى من البحيرة الممتدة أمامه، وكان عالما قاضيا مشهورا في جميع تلك الأنحاء، وقد نودي عليه هذا الصباح إلى قرية بعيدة ليقسم ميراث عائلة كبيرة مات جدهم الأكبر منذ شهور، وجد على ساحل البحيرة رجلا لم يسبق أن رآه، عرف من حالته أنه “مجذوب”؛ كان أشعث، يرتدي بعض الخرق المرقعة، حافي القدمين، وبيده “قْراقب” يضرب بهما، ويرقص بعنف على الإيقاع الرّتيب الذي يصنعه.
اقترب منه وسأله بتحبّب، بعد أن طلب منه التّوقف عن الغناء: ما الذي تفعله أيّها الرّجل الطّيب؟
ـ “كَـنْـفْـرَّحْ سيدي رْبّي”، ردّ عليه بسرعة وبراءة.
لم يتفاجأ السي العلمي من جوابه، فقد تعوّد مثل هذا الكلام من أناس طارت عقولهم وغدوا يتفوّهون بعبارات غير مفهومة أو تحتاج إلى كثير من التأويل حتى ترسى على معنى مقبول عقلا وشرعا.
اقترب منه أكثر إلى أن التصق به وقال له: ألا أعلّمك دعاءً تقوله، يكون لك أفضل من هذا الذي تفعله؟
حرّك الرّجل رأسه بكثير من الفرح، ورسم على محيّاه علامات الجدّ والوقار، ثمّ طأطأ رأسه في صمت.
لقّنه السي العلمي الدّعاء، وكرّره الرجل أكثر من مرّة، وحينما استيقن السي العلمي بأنه حفظه، ربّت على كتفه، ثمّ انطلق نحو المركب الذي كان مستعدا لتوصيله.
وما إن مرّ وقت قصير، والقارب قد بلغ عمق البحيرة حتى سمع السي العلمي من ورائه نداء متكررا، وكم كانت مفاجأته عظيمة عندما شاهد ذلك المجذوب يعدو نحوه فوق الماء، وهو يصرخ بأعلى صوته: ” زيدْ ألفقيه زيدْ: “تحصّنتُ بالله الذي لا إله إلّا هو، إلهي وإله كلّ شيءٍ، واعتصمت ………”.
أرخى السي العلمي رأسه، وأسبل كتفيه، ثمّ قال له في استسلام: “نْـتِـينا غِي قَـرْقْــبْ غي قـرقـب”!
سؤال مُعجز
صعد السي العلمي السّفينة في ميناء طنجة رفقة عدد من أصدقائه متوجّهين إلى الشّرق قصد الحجّ وزيارة بعض العلماء في العراق للأخْذ عنهم وطلب إجازاتهم. جميعهم كانوا منهكين بسبب طول الطريق وسوء المَرْكَبِ الذي قدموا عليه. دخل كلّ واحد منهم إلى مقصورته طلبا للرّاحة واستعدادا لمتاعب البحر التي سبق أن جرّبها أغلبهم. وحينما استيقظوا، وخرجوا إلى سطح السفينة، وجدوا البحر قد انقلب حاله وتكدّر مزاجه، فغدت السفينة لُعبة بين أمواجه. خاف الجميع ورجع كلّ واحد منهم إلى مأواه، باستثناء السي العلمي، الذي تشبّث بإحدى الصواري وبدأ يتأمّل في عظمة البحر دون وجل. كان المكان خاليا إلا منه، ولا شيء في الجوار غير بضعٍ من طيور النّوارس تُحلّق بصعوبة صامدة في وجه رياحٍ هوجاء كانت لا تتوقّف عن التطويح بها بعيدا قبل أن تكافح وتعود للتحليق فوق السفينة. أمر ما كان يُغريها بالبقاء قريبا منهم، ربما إحساس ببعض الأمان، أو طمعا في بقايا طعام يتخاطفونه.
تأملّ البحر بهدوء لا يتناسب مع الظروف المحيطة به، وجال بنظره يمينا وشمالا، ثمّ خاطب البحر باعتزاز قائلا: “اِهدأ يا بحر، وتوقّف عن زمجرتك، ففوقك الآن بحر العلم والمعرفة”.
وما هي إلا لحظات حتى تبدّل الجوّ؛ توقّفت الرياح، واطمأنت الأمواج، وصارت تلطم السفينة بحنو. انتشى السي العلمي، وعظمت نفسه في عينيه، وأضاء في عقله مشروع كتاب حول مرائيه وكراماته وبعض من سيرته العلمية.
فجأة، وقد عمّ هدوء غريب لم يسبق له أن حضر عليه؛ كانت السماء صافية، والشمس فوق رأسه تُبحلق فيه كأنّها تقف شاهدة عليه، سمع نداءَ، اقترب من حافّة السفينة، فوقف مشدوها أمام سمكة عظيمة سرعان ما شرعت تُحدّثه، قالت له: “تَعتقد ـ ألسي العلمي ـ أنّك بحر العلوم، وسيّد في دولته !؟” وعندما لم يُرجعْ لها جوابا، تابعت قائلةً: “سأطرح عليك سؤالا نَقيس به دعواك العريضة تلك”.
شُلَّ السي العلمي، ولم يزد على أن اشتدّت بَحْلَقتُه. كان يخاطب نفسه قائلا: “ها قد أصبح كتابي ذا قيمة كبيرة، وها هي كرامة عظيمة من جنس تلك التي لا يُعرفُ بها سوى الأكابر من الأولياء”.
وبينما هو سائح في فكرته، إذ بالسمكة تطرح عليه السؤال دون أن تهتم بمعرفة ردّ فعله على اقتراحها، قَبولا أو رفضا، وقالت: “ما حُكمُ امرأة مُـسِـخَ زوجُها؛ أتعتدُّ عِدّة الموت أم عدّة الطلاق؟”.
بُهت السي العلمي وأُسقطَ في يده، وبان الاضطراب على مُحيّاه. سكتَ برهة من الزّمن يقلّب النظر في هذه النّازلة، وما فتئ أن رفع كفّيه قريبا من وجهه علامة استسلام .
ـ “وفوق كلّ ذي علم عليم”: سمعها تُتَمتم، قبل أن تَغطس في الماء تاركةً إيّاه في حيرة عميقة.
أغمض السي العلمي عينيه، وانقلب إلى نفسه، ثمّ أفضى إلى سريرته أنّه كان بالفعل مغرورا، وها قد بعث الله له من عرّفه قيمته ومنزلته وحدوده.
ورغم ذلك كانت فكرة الكتاب لا تزال تُدغدغ عقله وفؤاده، وقد صحّ عزمه أن يجعل مما حصل له اليوم ضمن الفصل الأوّل من رحلة ذهابه إلى الحجّ. أمّا النازلة فقد نسيها، لأنه أدرك أنها كانت فقط لإعجازه.
ـ “يومٌ أوّل مُبشّر”. حرّك رأسه بهذه العبارة قبل أن ينقلب إلى مقصورته قبل أن يخرج أصدقاؤه فيسألوه عن سبب انخطاف وجهه.