الأصول الاجتهادية عند المالكية وأثرها في السياسة الشرعية
الأصول الاجتهادية عند المالكية وأثرها في السياسة الشرعية
الأصول الاجتهادية عند المالكية وأثرها في السياسة الشرعية
مقدمة
يتميز المذهب المالكي بالمزاوجة بين العقل والنقل وبكثرة الأصول في ذلك، وهذا ما يجعله واسع الدليل مستوعبا للمستجدات والنوازل، قادرا على ضبط كل سلوكات الفرد والجماعة وفق الشريعة، وتنقسم أصول المذهب إلى قسمين: نقلية واجتهادية.[1]
فالأصول النقلية هي: الكتاب والسنة والإجماع وعمل أهل المدينة وقول الصحابي وشرع من قبلنا.
وأما الأصول الاجتهادية فهي: القياس والمصلحة المرسلة والاستحسان وسد الذرائع والاستصحاب ومراعاة الخلاف؛ وسنكتفي في هذا البحث بأصلين اجتهادين هما: المصلحة المرسلة وسد الذرائع.
أولا: المصلحة المرسلة عند المالكية وأثرها في السياسة الشرعية
- تعريف المصلحة المرسلة:
عرفها ابن العربي بأنها “كل معنى قام به قانون الشريعة، وحصلت به المنفعة العامة في الخليقة”.[2]
وفصل ابن عاشور في تعريفها وشروطها قائلا: “وعرفها الأبياري وغيره بأنها الوصف المناسب لتعليل حكم غير مستند إلى أصل معين في الشرع، بل إلى المصلحة العامة اللازمة في نظر العقل قطعًا أو ظنًا قريبًا منه، فلذلك لا تدخل في التعبدات على التحقيق وهو مختار الشاطبي في الموافقات، وشرطها أن تكون في غير مرتبة التحسين وأن لا يعارضها دليل شرعي أو مقصد من مقاصد الشريعة، وأن تكون عامة، هذا صريح مذهب مالك رحمه الله”.[3]
- مثال لتطبيقها في السياسة الشرعية: مسألة الدخول على السلطان:
قال القاضي عياض: “قيل للإمام مالك: تدخل على السلاطين وهم يظلمون ويجورون؟ فقال: يرحمك الله وأين المتكلم بالحق؟ قال عتيق بن يعقوب: كان مالك إذا دخل على الوالي وعظه وحثه على مصالح المسلمين. قال الإمام مالك: حق على كل مسلم أو رجل فعل الله في صدره شيئا من العلم والفقه أن يدخل إلى ذي سلطان يأمره بالخير وينهاه عن الشر ويعظه حتى يتبين دخول العالم على غيره، لأن العالم يدخل إنما يدخل يأمره بالخير وينهاه عن الشر، فإن كان فهو الفضل الذي لا بعده فضل…قال خلف بن عمر: قلت لمالك: الناس يكثرون أنك تـأتي الأمراء، فقال: إن ذلك الحمل من نفسي وذلك أنه ربما استشير من لا ينبغي، قال لي آخر: لولا أني رأيتهم ما رأيت للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه المدينة سنة معمولا بها”.[4]
فهنا تتضح المصالح التي يتغيى الإمام مالك تحقيقها من دخوله على السلطان من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ومشورة وموعظة.
ثانيا: سد الذريعة وأثرها في السياسة الشرعية
- تعريف الذريعة اصطلاحا:
من تعريفات الذريعة:
– المسألة التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها الى فعل محظور.[5]
– كل فعل يمكن أن يتذرع به أي يتوصل به إلى ما لا يجوز.[6]
وسد الذريعة هو “منع الوسيلة المأذون فيها المفضية إلى الممنوع شرعا إفضاء ظنيا، ترجيحا لفساد المآل على مصلحة الوسيلة في اقتضائها الأصلي”.[7]
- مثال لتطبيقها في السياسة الشرعية: مسألة إعطاء الهدية لأصحاب المناصب في الدولة:
أورد ابن فرحون في التبصرة: “ويلزم القاضي أمور منها أنه لا يقبل الهدية وإن كافأ عليها أضعافها إلا من خواص القرابة كالولد والوالد والعمة والخالة وبنت الأخ وشبههم، لأن الهدية تورث إذلال المهدي وإغضاء المهدى إليه، وفي ذلك ضرر القاضي ودخول الفساد عليه، وقيل: إن الهدية تطفئ نور الحكمة.
وقال ربيعة: إياك والهدية فإنها ذريعة الرشوة…وقال سحنون: لا يقبلها إلا من ذي رحم، ولابن سحنون عن مالك رضي الله تعالى عنه: لا ينبغي لأمير ولا لعامل صدقة أن ينزل على أحد من أهل عمله ولا يقبل له هدية ولا منفعة، فإن فعل فلا ينبغي لمن معه أن يأكل من ذلك، ولا يأكل الساعي إلا من رأس ماله. وقال ابن حبيب: لم تختلف العلماء في كراهية الهدية إلى السلطان الأكبر وإلى القضاة والعمال وجباة المال، وهذا قول مالك ومن قبله من أهل العلم والسنة، «وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية» وهذا من خواصه صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم مما يتقى على غيره منها، ولما رد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الهدية قيل له: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها فقال: كانت له هدية ولنا رشوة، لأنه كان يتقرب إليه لنبوته لا لولايته، ونحن يتقرب بها إلينا لولايتنا”.[8]
وعليه منعت الهدايا للمسؤولين حتى لا تكون ذريعة للرشوة وتتسبب في تضييع حقوق المسلمين فيستفيد من لا يستحق ويُحرم من يستحق.
[1] الأصول الاجتهادية التي يبنى عليها المذهب المالكي، حاتم باي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: الكويت، ط1: 1432ه/2011م، 37-42.
[2] القبس في شرح موطأ الإمام مالك بن أنس، ابن العربي، ت محمد عبد الله ولد كريم: دار الغرب الإسلامي: بيروت، لبنان، ط1: 1992م، 2/779.
[3] حاشية التوضيح والتصحيح على شرح التنقيح، ابن عاشور، مطبعة النهضة: تونس، ط1: 1341ه، 2/221.
[4] ترتيب المدارك، القاضي عياض، 2/95-96.
[5] الإشارة في أصول الفقه، الباجي، ت: محمد حسن محمد حسن إسماعيل، دار الكتب العلمية: بيروت، لبنان، ط1: 1424ه/2003م، ص80.
[6] المسالك في شرح موطأ الإمام مالك، ابن العربي، ت: محمد بن الحسين السليماني وعائشة بنت الحسين الشيباني، دار الغرب الإسلامي: بيروت، لبنان، ط1: 1428ه/2007م، 6/23.
[7] الأصول الاجتهادية التي يبنى عليها المذهب المالكي، حاتم باي، ص432.
[8] تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام، ابن فرحون، مكتبة الكليات الأزهرية، ط1: 1406ه/1986م، 1/32-33.