العالم الإسلامي وإمكانات الفعل الحضاري-في ظلّ جائحة كورونا-
أ.د. علي بن العجمي العشي
العالم الإسلامي وإمكانات الفعل الحضاري – في ظلّ جائحة كورونا –
The Islamic World and the Potential civilizational Action
– In light of COVID pandemic –
أ.د. علي بن العجمي العشي
أستاذ مشارك – كلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة قطر
ملخص:
الأهداف: يهدف البحث إلى استنهاض الوعي الحضاري للأمة، وتحفيز الفاعلين في واقع المسلمين على الحضور التاريخي والراهني تأسيساً لأخلاق إنسانية تواجه الجائحة معرفياً وروحياً، وتحريك مواطن القوة الإسلامية الكامنة في تنوع مقدراتها اجتماعياً واقتصادياً ومعرفياً.
المنهج: اتبع البحث المنهج التاريخي والمنهج الاستقرائي، مع المزاوجة بينهما لرصد حركة الفعل الحضاري في تاريخ الأمة والقيام باستقراء للاستنتاجات المساعدة على تحقيقه.
النتائج: خلص البحث إلى نتائج منها أن خلخلة مقوّمات الفعل الحضاري أدت إلى انحسار سبل التأسيس للإنسان الحضاري وقيادته لحركة الحضارة، فتقدمت أمم تمثلت مفهوم الخيرية وطوّعته بآليات جديدة وانشغلت بقضايا الإنسان وثوّرت تصوّراتها للطبيعة، لكنّ حركة التاريخ أثبتت أن الظروف الصّعبة هي المحفِّزة للفعل الحضاري، بما يفتح الأبواب عند كل نازلة لإثارة سؤال النهضة من جديد، سعياً للبحث عن جواب، وكل إجابة هي مشروع يفتح الأبواب لارتياد أسئلة أخرى، تطويراً لملكة المساءلة والنقد، وتجاوزاً لمشاريع ترقيع الجزئي وإغفال الكلي، وتحقيقاً لوعي متقدّم بحقيقة سؤال النهضة، والأسئلة المعانقة له كسؤال الهوية، والحرية، والتنمية…
الأصالة: البحث أصيل في بابه وهو محاولة جادة للإجابة عن سؤال مؤرّق لازال يعاني حجراً سياسياً وقيمياً ومعرفياً وتكنولوجياً، وهو: هل بالإمكان شهود ميلاد الفعل الحضاري لهذه الأمة من رحم المشقّة في مجابهة هذا الوباء؟
الكلمات المفتاحية: العالم الإسلامي – إمكانات الفعل الحضاري – جائحة كورونا.
Abstract:
This paper aims to stimulate the cultural awareness of the Ummah, and to motivate Muslim actors to the historical and influential presence. This will help establish human morality to face the pandemic and to harness the diverse, inherent Islamic capabilities socially, economically, and intellectually. It adopts the historical and inductive approach to track the movement of civilizational action in the history of the Muslim nation and to draw the conclusions that helped achieve it. On these bases, this research concludes that the shattering of the foundations of civilizational action led to the decay of the civilizational actor and leadership. The movement of history has proved that difficult circumstances are the catalyst for great actions, and after each disaster questions related to renaissance are raised. Each answer paves the way to other questions, this implies an ongoing enhancement of the faculty of questioning and criticism. It is an original paper that attempts to answer a haunting question, which is: Can we witness the birth of this nation’s civilizational action from the recurrent adverse situations in confronting this epidemic?
Keywords: Islamic World, Potential, Civilizational Action, Covid-19, Pandemic.
مقدمة:
لعلّ سؤال الفعل الحضاري أوّل الأسئلة المثارة مع أولى تنزّلات الوحي الشريف، مثل الأمر بالقراءة ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق/1]، والتنويه بالكتابة ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾ [القلم/1]، فهذه العبارات خاطبت مجتمعا أميا لا نجد فيه للقراءة ولا للكتابة أي نوع من التفاضل الثقافي، وعليه ليس غريبا بأن يكون سؤال الفعل الحضاري ساكنا في أوّل ما صدّر به القرآن الكريم هذه الرسالة، استشرافا للمدوّنة الحضارية القادمة ودعوة لقراءة الآخر، فقرأ المسلمون كتابهم، ودوّنوا علومهم، وقرؤوا الوافد واستوعبوا طبيعة المناهج المختلفة، وإلى أواسط القرن السادس الهجري لم يكن أحد يتصور أن مجد هذه الحضارة العظيمة سيؤول إلى الأفول، وحتى مع السكون والتقليد، تكررت محاولات النهوض وتخطي العثرات باستلهام للذات المسكونة بأمجاد الماضي، لكن رياح الحداثة الغربيّة، وعواصفها كانت بالحدة والشدة التي أنهكت السؤال وخلخلت الأصول المسندة إلى ركام من تراث أبلته الشروح وتاه بين الهوامش والمختصرات.
ووجد المسلمون أنفسهم في لحظة تاريخية فارقة تتّسم بالحيرة الشديدة بين هاجس النهضة والواقع المتردي، لاسيما أن وسائل الدفع الحضاري تغيرت كثيراً، إذ إن العولمة ومنتجاتها قد عصفت بكل الأدوات التقليدية وانتهكت حرمتها منذ أعلن العقل الإنساني عن قدراته التي فكّ بها شفرة الطبيعة وألغازها، حيث يتقدّم الآخر والفكر الإسلامي يصاب بالنكسة تلو النكسة، لكن مع ذلك، فإن العقل المسلم وأمام هذا الامتحان الكبير، ورغم الإنهاك فهو يملك من إمكانات القوة الكثير، فقيمه الحضارية ثابتة رغم محاولات التشويه، وعولمة المعرفة رغم السلبيات فإنها تحمل القدر الكبير من الإيجابية، لكن مع ذلك لا نستطيع التغاضي عن العوامل التي لها تأثيرها المباشر على قدرة الإنسان المسلم في تمثل هذه النهضة ما بين واقع مأزوم، وفعل مأمول، وهاجس ما بعد الوباء.
الإطار العام للبحث: بالنظر إلى تاريخ الأمة، نجد أن كل أزمة تمر بها تكون نتيجة فترة طويلة من الركود الفكري والضمور العقائدي، ولعل العامل المحرك لنهضتها في كل مرة هو الاصطدام مع عامل خارجي، حيث تكون ردّات فعل الأمة ذات أهمية بالغة بما تبعثه من حيوية داخل كيانها واستنهاض لمقومات وجودها، ومع ظهور هذا الوباء كقوة صادمة مستفزة للأمة، رأيت أن بحثا كهذا يمكن من خلاله نفض الغبار عن بعض الزوايا المعتمة في تاريخنا كانت ولا تزال تمثل قوة جاذبة لمحفزات الفعل الحضاري.
إشكالية البحث: من خلال ما ذكرته سابقا، وباعتبار فرضية أن العوامل الخارجية قد تسهم في تحريك كوامن الفعل الحضاري الداخلية، يتبادر إلى الذهن تساؤل عن المدى الذي يمكن أن تستفز به هذه الجائحة الفكر الإسلامي وعقيدة الأمة للمشاركة الحضارية في تأسيس حركة العولمة الراهنة، وكذلك التساؤل عن قدرة المسلمين على إثبات الذات في ظل صراع مستمر بينها وبين الآخر الذي لا يعرف المهادنة؟
أهمية البحث: تأتي أهمية البحث من خلال تعقبه للحظات الفعل الحضاري في تاريخ الأمة، وتركيزه على العوامل الذاتية ومدى تفاعلها مع المحفزات الخارجية لتأسيس وعي إسلامي بفعل حضاري ممكن للأمة رغم صعوبة الراهن وتعقيدات العولمة.
أهداف البحث: لهذا البحث وفي مثل هذه الظروف التي يمرّ بها العالم وتتحرك فيها الأمة لتسجيلها حضورها في واجهة الأحداث التي تتشكل على وقع الجائحة عدة أهداف أهمها:
- استنهاض الوعي الحضاري للأمة في فترة تحتاج فيها البشرية إلى ضبط توازنات حضارية لا تستثني أي قدرة على الفعل في واقع يداهمه الخطر من كل مكان.
- تحفيز الفاعلين في واقع المسلمين على سرعة الحضور التاريخي والراهني تأسيسا لأخلاق إنسانية تواجه الجائحة معرفيا وروحيا.
- تحريك مواطن القوة الإسلامية الكامنة في تنوع مقدراتها اجتماعياً واقتصادياً ومعرفياً.
منهج البحث: اعتمدت في هذا البحث أساساً على المنهج التاريخي وكذلك المنهج الاستقرائي، ومن خلال المزاوجة بينهما تمكنت من رصد حركة الفعل الحضاري في تاريخ الأمة وجمع بعض الاستنتاجات المساعدة على تحقيق نهضة تخرق حالة الضعف التي يعيشها المسلمون في واقعنا الراهن.
المطلب الأول: واقع المسلمين وإمكانات الفعل الحضاري:
لا يختلف المسلمون حول أزمة الواقع الذي تعيشه الأمة، حيث إن إرادة الفعل جدّ قاصرة عن تمثل القدرة على النهوض وقد أصبح الوجدان المسلم يعيش حالة من الأرق المستمر الذي يغذيه مأزق الانكشاف على الذات في ظل خيبات فكرية واقتصادية وسياسية، وعدم القدرة على الملاءمة بين الإصلاح الذاتي ومواكبة الآخر، لكن المتوافق عليه هو أن الفكر الإسلامي يعاني بحدة وصعوبة وعْيه بالظروف الملابسة للأزمة، وأن الكثيرين «أدركوا أهمية البعد الفكري في أزمة التخلف العلمي والحضاري للأمة، وأدركوا أهمية إعادة تأهيل الأمة بإصلاح مناهج فكرها وتنقية ثقافتها وتطوير منهاجها التربوية»[1]، وهو ما مثّل حالة غياب في واقعنا لفترة طويلة، ولأسباب سياسية أو أطماع استعمارية أو بعوامل التسلط الداخلي أو غير ذلك من العوامل المُنهكة للشعوب، إذ إن إنهاك الشعوب لوقت طويل هو الذي يؤدي إلى قتل روح الإبداع لديها، ومن ثمَّ تأزيم الفعل الحضاري وعجزه عن التطور ومسايرة الآخرين، وفي ظل واقع تداعى إلى السقوط سنجد أن أي محاولة للنهوض تستدعي إعادة النظر في قدرة الفكر على استعادة النشاط والوعي بهذا الواقع، إذ إن الوعي بالواقع هو الذي يستثير الرغبة في إعادة روح التحدي، ثم الاستجابة لهذا التحدي باستثمار الثوابت والمرتكزات التي لن تفقد نبضها مهما تخلفت الأمة وأُريد لها السقوط، لأن بداية تأسيس هذه الأمة كان على أصول الفكر والعقيدة، وما دام هذان البعدان يرتكزان على أسس حية مثل الوحي والأخلاق والحركة المتعانقة مع كل مقومات الحضارة الإنسانية التي شاركت الأمة في بقائها ولم ينقطع تأثيرها وحضورها في كل عصر، ولا أدل على ذلك مما شهده العالم خلال هذه الجائحة من إثارة أسئلة ذات أبعاد عقائدية وتشريعية موجهة إلى الإسلام فكراً وأخلاقاً، الفكر بمواكبته للتطورات العلمية، والأخلاق بما تؤسسه من أنماط للعلاقات الاجتماعية، «ولذلك فإن العقل المسلم- على ضوء التحديات التي تواجهها الأمة الإسلامية وبإمكانات العصر العلمية- يمكنه بعد جمود وانقطاع طويل تجديد النظر والبحث والدرس لتحرير دراساته بشأن الثوابت والمتغيرات، وأخذ صادق العبر والدروس من تاريخ الأمة»[2]، وهو ما انتبه إليه رواد النهضة سالفاً، حيث «يعود البحث في فكر عصر النهضة أساساً إلى البحث في إشكالية التغيير الواجب إدخاله على نمط الحياة الفكرية والاجتماعية مع مطلع القرن التاسع عشر، والبحث في هذه الإشكالية يعني البحث في السبل التي تؤدي إلى الخروج في المجالات الفكرية، أي في نمط التفكير والبنى الذهنية السائدة من حالة سابقة إلى حالة أخرى مرجوّة»[3].
هذا فضلاً عن الوعي بما للفكر من دور حيوي في تحريك الفعل الحضاري وإيقاظ الأمة من غفلتها، فالفكر وحده هو القمين بتشخيص أسباب الوهن والجمود، والكشف عن العوامل التي أدت إلى الضعف الداخلي وقابلية الهيمنة الخارجية، وهو ما تساءل عنه أحد الأعلام المخضرمين بين النهضة والصحوة وقدّر أن الحالة التي عليها الأمة كانت بسبب الاستعمار، لكن السؤال الأكثر حدة هو السؤال المتعلّق بالقابلية للاستعمار، هل كان بسبب انحراف الأمة عن منهج الاستخلاف الرباني أم بعوامل أخرى؟ وكذلك التساؤل عن الآثار السلبية التي خلفها الاستعمار في حقول الأخلاق والفكر والدين والمدنية والاقتصاد والسياسة[4]، فكان تأثيره تأثيراً شديداً في طمس كثير من ملامح الهوية الاجتماعية، لاسيما أن المجتمعات المسلمة لم تتمكن فعلياً من الأفكار والعقائد والأخلاق الإسلامية، حيث إن معاهد العلم لم تستقطب إلا البعض من أبناء الطبقات العليا وبقيت الدهماء على جهلها وعدم تمثلها لتعاليم الإسلام الصافية، فبقيت بعض عادات جاهليتها عالقة بها، فلما صدمتها حضارة الغرب المستعمر زادت من وهن الدين وتوسيع الفجوة بين المجتمعات وحضاراتها[5].
ولعلّ ما سبق يمكن أن يكون صورة مختزلة لعامة الشعوب الإسلامية وبنيتها الأفقية، فلم يكن التعليم منتشراً، بين العامة، وإن اجتهدت بعض الأنظمة القومية أو الوطنية في توسيع دائرة المعرفة، إلا أنها مزقت المشترك الحضاري الذي كانت الهوية الإسلامية من أبرز مقوماته، فانسلّ البعض إلى المناهج الغربية بعضهم في اتجاه المعسكر الرأسمالي، والآخر إلى المعسكر الاشتراكي، وتم تصديع العلاقة بين العروبة والإسلام التي امتد مشروع تأزيمها منذ ترهُّل الخلافة وأفُول ريادتها، إذ «مع بدء الدولة العثمانية مرحلة تراجعها، أو بالأحرى انهيارها، بدأت مرحلة أخرى بالنسبة للشعوب العربية، مرحلة الدعوات إلى استقلال قومي في هذا المصر أو ذلك»[6]، ولما انهارت الخلافة وتشظى العرب كان نصيبهم من الموروث تاريخاً من الاستبداد تمثلوه من خلال واقع يشرع لهذا التاريخ الذي لم يكن منسجماً مع مطلب الحضارة ولا مع أصولها الدينية، وكذلك وهم ينكشفون على خصم مهيمن يُمعن في تكريس استعبادهم، في حين تَنعمُ شعوبه بالحرية والتطور.
هكذا وجد العالم الإسلامي نفسه أمام مأزق حدّي مركب، لم تقدر معه الشعوب الإسلامية على الاستفاقة من ضعفها لاسيما أنها قد طبّعت مع الاستبداد، أو على الأقل أوهموها أن ذلك مشروع ومبرّر دينياً واجتماعياً وواقعياً، وليس هذا بغريب على من يقرأ أمثلة من تاريخ الأمم، حيث أن فرعون قد أغرق شعبه في الظلم فألِفه، حتى «لقد كان الشعب المصري في جوف فرعون، لقد أفسد الطغيان فطرته، وأذلّه الخوف والقهر، ومن ثَمّ فقد مضى الشعب يأكل خبزه بالجبن، ويتفرج على ما يجري له وما يجري لموسى كأنه يشاهد رواية لا علاقة له بها»[7]، ولقد ذكر الله هذه الصورة في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿فاستخف قومه فأطاعوه﴾ [الزخرف54].
وهكذا تبدو صورة الواقع الإسلامي في أحلك لحظاته الحضارية، أزمات ونكبات يعقب بعضها بعضاً، وكأن الشعوب قد سئمت المواجهة التي تنتهي في أغلب حالاتها بقمع أشد، وسجنٍ أكثر إحكاماً، وتشويهٍ طال حتى أقدس المقدسات، وحتى القلة الحية في المجتمع سرعان ما تتم شيطنتها وترذيلها ويقع تذويبها في صناعات مخابراتية غاية في المكر والمخاتلة، حتى جاءت جائحة «كورونا»، فوحّدت العالم تحت سقف المأساة، ولعل المسلمين كانوا أشدّ الناس وعياً بما طرحته كورونا من الأسئلة، «أسئلة تسائل إنسانيتنا في الخيارات التي اجترحناها، وفي الطرائق التي ابتدعناها، وفي العادات التي ألفناها، والأماكن التي عمّرناها، والعمران الذي شيدناه، أسئلة كشفت أوهامنا حول ذواتنا، وأوهامنا حول حضارتنا وتمدُّننا وتقدمنا، أسئلة كانت مدار اشتباك معرفي وفكري تنوعت حولها الرؤى والمقاربات، ووضعتنا أمام محكّ النظر مجدداً»[8].
المطلب الثاني: «كورونا»، استفاقة الفكر وسؤال العقيدة:
إذا قلنا إن الأحداث الكبرى هي نوع من الصدمات التي توقظ الغافلين، أو تستفز من عجز عن استيعاب لحظة النهوض الحضاري مثلما أفاق المسلمون على النهضة الأوروبية، وبعدها على ضربات الاستعمار القوية، وردود فعل الصحوة الإسلامية بكل مفاعيلها الإيجابية والسلبية، فإن اللحظة تبدو مهيَّأة لرد فعل عميق تجاه حدث كبير حرّك العالم ولم يستثن شعبا من الشعوب ولا أمّة من الأمم، إنه الوباء الذي اجتاح المعمورة كلها، فاهتزت له عروش أعتى الدول قوة وتقدما علميا، وخضع لسلطانه أشد الحكام عنادا وكبرياء، إنها «كورونا» الذي ذوّبت حدود الجغرافيا وشدت أنظار الناس إلى تاريخ الحضارة، وساءلت نواميس العلم عن نجاعة إنجازاتها ووثوقية قوانينها، ووضعت علامة استفهام كبرى على بوابات المخابر العالمية، وانصاعت لها شركات الطيران العالمية تنذر بالاحتواء الذاتي بعد أن جعلت الأرض كرة صغيرة فلم تعد قادرة على التحليق فوق مرابضها، وانحسر الاقتصاد وعاد سؤال القدَر يهاجس القلوب التي كانت قد أرخت العنان للعقول التي تزعم أنها أحكمت جغرافيا الفيزياء وطوّقتها بمُبَرهنات الرياضيات التي لا يجاوزها عقل عاقل ولا حدس راهب، ولا نبالغ إذا قلنا إن الوباء الذي حط رحاله على أرضنا أعاد صياغة الأسئلة من جديد، وصرف الأنظار عن كل الأجوبة السالفة، لقد أثار شجون الفلسفة الغابرة، لُهاثا خلف تعاليم العقيدة الباهتة وعجز المعرفة، فهل تكون هذه اللحظة مرتكزا ممكنا لفعل حضاري لا يزال صداه يتردد في ثنايا التاريخ لأمة مسكونة بالوحي الخاتم والشرع الناسخ وأمانة الاستخلاف والفعل ضرورة لا عن إرادة عارضة؟.
الفرع الأول: «كرونا» تستفز العقل الحضاري:
إذا كانت الحضارة مشتقة من الحضري فإن ابن خلدون، يبين أن أصالتها قائمة في البداوة وهي تعني موضوعيا فضاءً جغرافيًا بكل مكوناته المتمثلة في مظاهر التقدم التي تتوارثها الأجيال، كما تعني ذاتيا ذلك التحول من مرحلة همجية إلى أخرى أكثر تنظما وسموا[9]، لكن هذا التصور لا يقدم لنا العوامل الموضوعية التي تسهم في قيام الحضارات، وقد شهد الفكر الإنساني عديد النظريات العلمية التي تحاول فهم هذا التطور الذي يستفز الإنسان للرقي والانتظام، وإن كان ابن خلدون من أوائل من حرّك هذا السؤال الذي كان سندا رئيسيا في تقعيد علم العمران البشري، فإن المفكرين المحدثين كان لهم الباع الوفير في فك التشفير المعقد لحركة التاريخ داخل النطاق الحضاري الذي يضيق ويتسع انسجاما مع وعي الإنسان وجرأته على الفعل والتحدي، ولعل أهم من أسهم إسهاماً غزيراً في محاولة فهم التحولات الحضارية الكبرى المؤرخ والفيلسوف الانجليزي (أرنولد توينبي)[10] صاحب الرأي الشهير الذي مفاده أن الظروف الصعبة لا السهلة هي التي تستثير في الأمم قيام الحضارات، وقد قال: «انتهى بنا المطاف إلى نبذ الافتراض الشائع بأن الحضارات تظهر وقتما تهيئ البيئات ظروفاً للحياة فيها سهولة غير مألوفة، وسقنا الدليل على صحة الرأي المخالف لذلك تمام المخالفة»[11]، وهو صاحب نظرية التحدي والاستجابة في نشأة الحضارات، وهو الذي اطلع على إحدى وعشرين حضارة بيّن نُموّها وأفولها، وما ثبت منها وما اندرس[12]، لكن الذي يهمنا هو تصوره بأن التحدي يحدث الاستجابة، وأن الشدة تبعث على القيام، وهو ما يُمكّننا من أن نخلص إلى مبحثنا هذا الذي أبرزتُ فيه التحديات الراهنة التي أراها حافزاً للمسلمين على الفعل الحضاري. وكل ذلك سياقا على أحداث الماضي ومحاولة التحديث الإسلامية وما تلاها من ظهور رواد النهضة، ثم صدمة الاستعمار فاستفزاز الصحوة، ثم ارتخاء وإنهاك بعد تغلغل الاستعمار في مجالات الحياة وسلب السيادة الذاتية بتفريغ حمولة الهوية التي دكّت رياح العولمة المشوهة ما تبقى من معالمها.
نجد اليوم أنفسنا أمام تحدّ جديد حرك العالم على كل المستويات، لكنه أيضا أحدث هزة عنيفة في بنية الوجدان الإسلامي الذي كان يتداعى لسبات عميق، ويتمثل ذلك في ظهور جائحة «كرونا» بوجوهها المتعددة الصادمة حينا والمخاتلة حينا آخر، ولعل رصد أبعاد هذه الظاهرة المستجدة على مجتمعات العالم ولاسيما على العالم الإسلامي يوجهنا إلى ملاحظة نوع من الاستفزاز يباشر العقل من جهة ويتجه إلى الإيمان من جهة أخرى، حيث إن العقل الإنساني الذي أحدث ثورة الحداثة وأنتج الثورات العلمية المتعاقبة جعل أغلب الناس من متخصصين وغير متخصصين ينظرون إلى قدراته وكأنها مطلقة، لا يحدها عجز ولا يشوش عليها تقصير، لاسيما لدى الغرب الذي ودّع مع عصر الحداثة السكولائية الفلسفية واللاهوتية، إذ «مع القرن السابع عشر يختلف الأمر: فلم يكن من الممكن لأفلاطون وأرسطو والإكويني وأوكام أن يكون لهم شأن عند نيوتن»[13]، فالعقل روّض الطبيعة، وكشف أدقّ أسرارها، وقيّد ألغاز الأمراض والجوائح التي تحُلُّ سواء بالطبيعة أو بالإنسان، وحفّز قدراته لمواجهتها بتوقعاته المذهلة واحتياطاته الشاملة، لكن قدر «كورونا» كان بمثابة اختبار إلهي يهدّئ من نزوة عقلية جامحة، فانتابت العالم حيرة وانطفأ العقل المزهو يخجل من سؤالٍ، مشقةُ الجواب عليه ليست بهيّنة، لقد وقف العقل خجِلاً أمام هذه الجائحة التي قفزت إلى أعلى درجات سلم الاهتمام العالمي، حيث «إن احتمالات تحول هذا الفيروس الذي يُظهر سلوكاً غير مستقر جينياً قد يُصعّب من مهمة تتبعه علميّا وبحثياً… واحتمالية عدم التوصّل إلى لقاح بشكل سريع… واحتمالات تراجع النظام الصحي…»[14]، إنها الاحتمالات التي لا ترسو على نهاية، ولم يألف العقل هذا النوع من التحدي السافر لإمكاناته الهائلة، لكن العقل أيضاً أمام فرصة نادرة، إذ إن السؤال الغامض هو الذي يدفع للمغامرة والإبداع وإفراغ الوسع في البحث والتقصي ودراسة الأسباب والتخطيط ورسم الأهداف، لاسيما أننا لسنا أمام واقعة جزئية يمكن فكّألغازها في مؤسسات بحثية محلية، فالجائحة عامة ومركبة ولها بعد حضاري لم يترك قيمة في حياة الناس والمجتمعات إلا وترك فيها الأثر العميق: «وفي خلاصة فإن العالم العربي والمنطقة والإقليم سيشهد عديداً من المتغيرات، ربما تتزايد الضغوط المالية والاقتصادية والاجتماعية داخل المنطقة، ومع ذلك فإن قوى التغيير السياسي والاجتماعي أمام فرصة لتوحيد جهودها من أجل بناء وحدة وطنية داخل كل قطر ولتدعيم العمل المشترك العابر للأقطار»[15].
وجد العالم الإسلامي نفسه أمام تحديات جسيمة بفعل الجائحة، والأكيد أن أصعب الأسئلة واجهت العقل المسلم والعقل الحضاري بالذات، إذ إنه أمام التحرك العالمي لمواجهة الوباء ومحاولات الاحتواء الداخلي والانحسار الوطني، وجدت الأقطار الإسلامية نفسها تراقب، وليس لها من استعدادات إلا ما تملكه بعض الدول من المال بفعل خيراتها الباطنية، أو الجهد الإجرائي المتحرك بمساعدة السلوك الأخلاقي الذي يصاحب مخيال المسلمين، فالتحديات الاجتماعية والصحية والاقتصادية كانت أشد وطأة من كل ما يمكن أن تتوقعه مؤسسات الدراسات الاستراتيجية شبه المنعدمة أصلاً، أمام انكفاء الدول الغنية على نفسها وهي تجهد في إيجاد الحلول لشعوبها، حيث إنه منذ ظهور (كورونا) «والعالم يعيش في حالة من الإرباك والفزع في جانبي العرض والطلب التي أدت إلى ظهور أزمة اقتصادية عالمية لم تسلم منها أي دولة سواء الدول المتقدمة أو النامية على مستوى الاقتصاد المحلي للدول فيؤثر الفيروس من خلال ثلاث قنوات: إعاقة النشاط الاقتصادي… تكاليف التصدي والاحتواء… الثقة واليقين…»[16].
وكل هذه المؤشرات تبيّن خطر الزلزال الذي أحدثه هذا الوباء، وهو ليس أقل مما شهده العالم الإسلامي من تحديات سابقة، ولمّا قلنا آنفاً إن الخطر كلّي عام وليس حدثاً جزئياً، فهذا يعني أن كل مفاصل الحياة الإنسانية قد تأثرت به، وكانت مفاعيل هذا التأثير عميقة وشديدة السلبية في ظاهرها وفي بعدها الراهن، إذ كانت متزامنة مع أسئلة حادة حول حقيقة الحضور الحضاري للمسلمين في منظومة العولمة والمحركات الكونية التي تتحكم في آلية إدارة المجتمعات العالمية وآلياتها السياسية والاقتصادية.
وتزويد الإنسان المسلم بملكة العقل التي ميزته عن غيره من المخلوقات، وتأييده برسالة الوحي الإلهي والتي يقبلها العقل أيضا وعياً وفهماً، ويتبناها استجابة لنداء الفطرة وتحقيقاً لوظيفة الاستخلاف، ويتكامل معها، يوجب على هذا المسلم ضرورة ملزمة بأن يتحرك في اتجاه خلخلة مغاليق الأبواب والسؤال عن إمكانية الفعل الحضاري مرة أخرى، والعقل بلا منازع هو مفتاح لغز النهضة الحضارية، ولهذا استجاب المسلمون في مرحلة مبكرة جداً إلى تحديات العقل حين لقي تفويضاً عقائدياً التقط مشروعيته الأولى من نصوص الوحي المتجهة إليه أساساً من مثل قوله تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك﴾[العلق1]، وقوله تعالى: ﴿ن، والقلم وما يسطرون﴾ [القلم1]. إذ الخطاب مساجلة للعقل والمنهج (باسم ربك)، فهو توحيدي خالص، ومنه انطلق الفعل الحضاري يقوّض أصول الخرافة، ويُثبّت أركان العقل تأسيساً لمسار أمّة قائدة، في حين غرقت الحضارة الأوروبية في رتابة السكولائية والمصادرة اللاهوتية المغلقة، حتى ثار عليها العقل واُعتُبِر تصدُّره لوسائل المعرفة إيذاناً بمنعطف جديد للحضارة الإنسانية، ولعل أهم من مثّلها هو «ديكارت أب الفلسفة الحديثة، بإخضاعه إدراك الوجود لأولوية الكائن المفكر»[17]، من خلال مقولته الشهيرة (أنا أفكر إذن أنا موجود)، لكننا اليوم أمام عجز جديد، وعلى الأقل حيرة شديدة للعقل الإنساني، والمسلم بصفة خاصة ليس أمامه إلا مبررات التحدي والاستجابة لهذا التحدي كما ذكر آرنولد توينبي، فالظروف الصعبة لا السهلة هي التي تستثير في الأمم الحوافز من أجل قيام الحضارات.
الفرع الثاني: «كورونا» تهاجس عقيدة المسلمين:
إن الإنسان بطبيعته معرض لصعوبات لا حصر لها، ولعل أهم ما يميز حياته أنها مقاومة مستمرة لهذه الصعوبات، فلا يكاد الإنسان يعبر أزمة إلا ويجد نفسه يكابد غيرها، ولعله يكون قد تمرّس على التعامل معها مسلحاً بما اكتسبه من الخبرات السابقة، وبما أعده من خلال توقعاته وآلياته التي هيّأ العلم ووسائله كيفية مواجهتها وإدارة مخاطرها، «وإدارة الأزمات، أحد المصطلحات الحديثة في الإدارة، وأحد الفنون الإدارية الرامية إلى حسن التعامل مع الصعوبات التي تواجه الفرد والمجتمع على أرض الواقع، والتنبؤ بالأحداث المحتملة، ووضع الخطوط المناسبة للتعامل معها حال حدوثها، والخروج باقل الخسائر الممكنة»[18]، لكن الإنسان المزود بالحواس والعقل والخبرات قد تعترضه من الأمور الجليلة ما يفوق طاقته فيعجز بوسائله المتاحة عن إيجاد الحلول الضرورية لتجاوز العراقيل، خاصة في عصر العولمة الذي صودرت فيه كثير من القيم الأخلاقية وأعراف الهوية لصالح التدفقات الوافدة عبر وسائل المعرفة الحديثة، لأن «الحياة المتمركزة حول الاستهلاك لابد من أن تستغني عن القواعد والضوابط، إنها تهتدي بهدي الإغراء والرغبات المتزايدة والأماني المتقلبة على الدوام، فلم تعد تهتدي بهدي الضبط الذي تحكمه القواعد»[19].
إن الارتخاء الذي شهدته القيم الأخلاقية في بلاد المسلمين ليس حالة، بل هو نتاج مرحلة طويلة من الوهن الحضاري الذي عجز عن تحيين موروثه، ومن ثمَّ عن مواكبة حركة التطور والاستمرارية في العطاء، حيث إن حضارة منفعلة لن تتمكن من الصمود طويلاً في مواجهة مرحلة طبيعتها التاريخية صدامية لا تشاركية، تأسست على المغالبة لا على التعاون، وهو ما انتهى إليه الحال من هيمنة الآخر، حيث أصبح «العالم كله كأنه قد ضُمَّ إلى نطاق الغرب، ومن ثَمّ فقد دخل مجال التاريخ، لكن أخْذ العالم بالأساليب الغربية كان حديث العهد، والأقطار التي قبلت بالصيغة الغربية للحياة كانت تابعة أو على حال هامشية»[20]، وعليه لم يجد المسلمون السند الذاتي لمواجهة هذه الجائحة العابرة للحدود، لكن إمكانات مواجهتها إمّا وقع التعبير عنها بالفزع الدولي والتوتر بين الحكومات، أو بتبادل التهم تبريراً لعجزها، أو تقوم على وجل ببعض محاولات وقائية تغالبها بالقوة الاقتصادية التي تفتقر إليها أغلب بلدان المسلمين، وهو ما جعل العقل يترك فراغاً كبيراً سيتيح مجالاً واسعاً لحضور الإيمان بوصفه واجهة الدفاع الأولى أمام هذا الخطر الزاحف، ليس فقط من خلال استنهاض الوعي بالقضاء والقدر وسلطان الله المطلق على الكون وكائناته مهما عظمت أو دقّت، بل استفزازاً للوعي بضرورة تفعيل الإيمان لصالح الفعل الحضاري الكامن في ذات المؤمن المستخلف بطبيعته لإدارة شؤون الحياة وتقرير مستوى المقاومة التي تلزم لإدارة الأزمات، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴾[لقمان32].
ولقد أصيب المسلمون كغيرهم بالصدمة، خاصة مع غياب الحلول العلمية حيث بقي العالم يدور في فراغ السؤال الذي تمثل في «سيل جرار من الفتاوى هطل على سماء الدنيا، وانتشر في الآفاق شرقاً وغرباً حول آثار فيروس كورونا الذي أفزع العالم مسلمهم وكافرهم، وأقعدهم في بيوتهم ساكنين خائفين»[21]، إذ لما شقَّ على المخابر إيفاء الناس بالعلاج كان علماء الدين أمل العامة والخاصة، ورغم أن دُور العبادة أُغلقت أمام عُمّارها، إلا أن أصوات المآذن أُريد لها أن تصدح برفع الآذان تستغيث الإله الرحيم بأن يجلي عن الدنيا هذا الأذى، وإذ يستيقظ المسلمون على أصوات البشرية تستلهم عقيدتهم وتتمثل الوحي الذي قدم النموذج الأفضل للوقاية منذ قرون عديدة متمثلاً في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة6].
- فهل إن هذا الحكم الذي حافظ على ثباته ونجاعته مجرد تقدير بشري؟
- أم أنه وحي إلهي أنزله الذي خلق الإنسان ويعلم ما ينفعه وما يضره؟
- وإذا كان كذلك، فلماذا أصبحت الصلاة التي هي نفسها مشروطة بصحة الوضوء سمة لأمة تُنعت بالإرهاب والتخلف؟
- ألا يستدعي ذلك مراجعة جذرية لكل مظاهر الإسلاموفوبيا التي جعلها خصوم الإسلام ذريعة للتخويف من الإسلام والتهوين من قيمه الحضارية؟
- ألم يصبح ستر العورة نعمة واقية من هذا الوباء بعد أن كان التبرج والتعري وصفة ناجعة للحداثة والتقدم مقابل المنعوتين بانعكاس فينومونولوجيا الجسد التي أصبحت تمثل فلسفة الآخر للتحكم في مقومات الحضارة رغم الشكوك الكثيرة التي تحُفّ بمناويل الأخلاق المشبوهة التي يحاول الغرب تصريفها في المجتمعات دون خجل؟
أسئلة كثيرة مثيرة لا يعنينا منها غطرسة الآخر ومستوى التشفي الذي يشعر به المغلوب وهو يقف على عجز غالبه، بقدر ما نستلهم منها السؤال المشكل، أو السؤال المأزق الذي يقف بنا أمام لحظة فارقة، إما أن تكون مرتكزاً للفعل الحضاري الإيجابي إيمانا بمخزون الأمة من الوحي والإيمان الذي لا ينضب، وتفعيلاً لدورها الاستخلافي المعدِّل لمناهج الحياة، أو أن نكون على عتبة نكسة أخرى لكنها ستكون أشد حدة وأوغل عمقاً بالقدر الذي يصعب معه استنهاض الوعي والقدرة على النهوض من جديد، حيث إن الفراغ يدعو المسلمين بكل قوة لسد حاجة الإنسانية من التشاركية والمحبة، فطيلة تاريخ طويل «طُبع تاريخ الإنسانية بالصراع واللاتوافق،.. فأن أعيش في العالم فالأمر مشروط بضرورة الانتماء لطرف ما- وإن حصل العكس نكون أمام حالة مرَضية أو شاذة- وكأننا أمام إنسانيات وليست إنسانية واحدة»[22].
حيث إن السؤال المأزق الذي حضر مع وباء كورونا، كان قائماً على هاجس واحد هو أن العالم الإسلامي لم يستنفذ كل إمكانات الفعل الحضاري، فهل يتسنى له ذلك؟
المطلب الثالث: هاجس ما بعد «كورونا» والفعل الحضاري المأمول:
في اللحظة التي يركز فيها خبراء العالم وقواه على التعامل مع وباء «كورونا»، قد يبدو من المبكر الحديث عن المتوقع في المستقبل القريب، لكن مع ذلك لا يبدو أن طرفاً سيُستثنى من المتغيرات الجيوسياسية التي تهاجس العالم حيرة كلما ازدادت تمظهراتها تأثيراً في كل المجالات، ولا شك أن هذا التأثير لن يقتصر على مجتمع دون آخر ولا فئة دون أخرى بل سيؤثر في كل البشر أفراداً وجماعات من خلال تنظيم أساليب الحياة والتعامل معها، عوْداً على ذات الإنسان وذات المجتمع، أي أن العقل الفردي كما العقل الجمعي، والعلاقات الضيقة كما العلاقات العابرة للحدود ستشتغل على صياغة جديدة بنمط مستحدث اجتماعي وعلمي واقتصادي، ولعل رصداً لبعض هذه المساحات يعيننا على استجلاء إمكانات الفعل الحضاري بعد هذا الحدث الكبير، ونروم من خلاله تمثلاً لضرورة نهضة الأمة بعد الملمّات التي مرت بها.
الفرع الأول: إعادة تنظيم الفرد الاجتماعي:
لعل أهم ما ميز مرحلة «كورونا» هو أنها نزعت الأقنعة عن الذاتية الفردية، وكذلك عن الذاتية الاجتماعية، وكشفت عن عجز العاجز، وعمّن يملك إرادة الصمود، إنه «فرز ذاتي من أجل إيجابية الداخل الإنساني واكتشاف ما تختزنه من تسامح وعفو وغفران ورحمة وتنوع واستقلالية وتضامن وروابط تغير أنماط الشخصية وملامحها»[23]، وهو سبر للأخلاق الأصيلة الكامنة وراء السقوف الوهمية من التمويه والكبرياء المزيف ومخادعة الذات، لقد نزعت «كورونا» غشاوة سميكة من ادعاء الإنسان الغربي من جهة قدرته المطلقة على فك ألغاز الطبيعة، كما رفعت عن الشرقي ادّعاءه جدارته الدينية رغم عطالة العقل والحجر عليه زمناً طويلاً، إن أخلاق الإنسان وفكره متلازمان إذا أرادا حضوراً حضارياً إيجابياً، ولا يتسنى ذلك إلا من خلال إيمان عميق بأن وجوده في هذا الكون ليس عبثياً، وأنه إذا أراد إحداث التغير الإيجابي لا بدّ أن يستشعر روح التدينّ ليجعل للفكر والأخلاق معنى حيوياً، حيث «إن المجتمع العاجز عن التدين هو أيضاً عاجز عن الثورة، والبلاد التي تمارس الحماس الثوري تمارس نوعاً من المشاعر الدينية الحية، إن مشاعر الأخوة والتضامن والعدالة هي مشاعر دينية في صميم جوهرها، وإنما موجهة في ثورة لتحقيق العدالة والجنة على الأرض.»[24].
إن التدين كان عاملاً حاسماً في تغيير المجتمعات، ولعل ما أحدثه ظهور الإسلام بتمظهراته التّدَيّنيّة خير دليل على ذلك، فالتدين كان دائما محفِّزاً حاسماً في إحداث أي نقلة نوعية، لأن التعامل مع الطبيعة من خلال حافز مادي فقط، هو تعامل محكوم بالظرفية والحاجة، ومنتهٍ بانتهاء هذه الشروط، لكن الدين عامل متدفق عبر الروح يجدّد طاقة العقل ويجعل للمادة معنى بما هي نعمة إلهية، أو بما هي دليل على وجود الله تعالى وعلى رعايته لخلقه، وعليه يكون كل فعل للمؤمن هو توجيه العبادة إلى الله تعالى، إذ «لا يأتي المواطن فعل الإخلاص من أجل الوصول إلى مبادئ للعدل يضعها من عنده، وإنما من أجل الوصول إلى الكائن الإلهي الذي يتجلى عليه بأحكامه العادلة، فيعلمه حكمتها ويهديه إلى تطبيقها، بحيث يكون عدل المخلص لا من عدل نفسه، وإنما من عدل المتجلي الإلهي عليه بعدله»[25]، وعليه سنجد أن استحضار الأخلاق والفكر تتضمنها حاضنة دينية من أكبر العوامل المستنهضة للفعل الحضاري، حيث لن تكون الغاية ذاتية محضة، وإن كانت ذاتية فهي محفوفة بعناية إلهية تجذبها إليها، وتؤيدها بإرادة تتسم بالاستمرارية والثبات.
الفرع الثاني: التأهيل العلمي حاسم في الفعل الحضاري:
لم يعد خافياً ما للعلم ومتعلقاته – وأهمها التقنية – من أثر في تحديد معالم الحضارة المعاصرة، حتى أن المبادئ التاريخية لحركة الحضارة مثل الأخلاق والدين أصبحت طيّعة بيد العلم ومنجزاته، لاسيما أن العلاقة بين العلم والتقنية لم تعد كالسابق، حيث «إن العلاقة بينهما أضحت علاقة تداخل قوي تأخذ التقنية بزمامه، فبعد أن كانت التقنية وسيلة في يد العلم، صار العلم وسيلة في يدها تزوده بآفاق جديدة في البحث تستنبطها من خصائصها الاستعمالية ونتائجها التحويلية»[26]، ونحن كما نعلم أن العالم الإسلامي يفتقر إلى التقنيات المتطورة، ولن يسعفه مجرّد العلم ولا حتى إرادة تملك العلم في افتقار مكشوف للتكنولوجيا المتقدمة، وهو ما يدعو العالم الإسلامي وبعد انكشاف العجز الدولي في مجابهة داء «كورونا» بالتعويل على تضييق الحدود الجغرافية إلى التنبه إلى ضرورة التوحد والتعاون استناداً إلى الحاضنة الدينية بمفاعيلها الجديدة واستفزازاتها الفكرية الأخلاقية التي جعلت من العالم الإسلامي مركز أمل تتوجه إليه أنظار العالم بحثاً عن الخلاص من زحمة الحياة اليومية التي تتهددها العولمة بما تدعيه من كونية مُغلفة بخصوصية السوق الرأسمالية المهيمنة، رغم أنّ أداء المسلمين في أكثر المجالات العلمية كما ظهر في المجال الطبي ودور العرب في إنقاذ مواطني الغرب كان فعّالاً ومُعترَفاً به، إذن فالذي يفتقر إليه المسلمون هو ذلك الشعور بضرورة الأداء الجماعي، وإعادة استقطاب الكفاءات المسلمة داخل البلاد الإسلامية، لكن ضمن استراتجيات تعاون علمي مشفوع بتطبيع العلاقات البينيّة بين الشعوب أولاً، ثم سياسياً ولو في شكل كيانات موسعة، وقد قال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا…﴾[آل عمران103].
إن المعضلة التي عاشتها الحضارة الإسلامية، وإن كانت عجزاً عن تثوير الفكر الديني ليواكب العصر، أي أن هناك قصوراً في الفكر الديني والفكر القيمي شهدته الأمة طيلة قرون، والأدهى هو ما سببه هذا القصور في تعطيل حركة العلم وتقويض علاقاتها التفاعلية مع الطبيعة والواقع، حيث إن «باب التحقيق والاجتهاد العلمي كان موصداً عندنا إلى حد عظيم منذ عدة قرون، فكنّا لا ندرُس ولا ندرِّس إلا ما تركه لنا أسلافنا»[27]، وحيث انقطعت الوسيلة إلى فتح باب المعرفة وانخرط العلماء والعامة على حدّ سواء في تقديس الماضي بكل مناويله المعرفية، بل أصبح الواجب منظوراً إليه من خلال إحكام الطوق وضبط الحدود على سلطة العقل حتى لا يكشف الزوايا المعتمة والمطوّقة بسدود من الرّهاب النفسي المفتعل لأجل مصالح تحالف مخاتل بين السلطة ورجال الدين، وهكذا تربت الأمة على الطاعة وتمت مصادرة الحريات بذرائع شتى وجدت مبرّراتها من خلال تطويع المفاهيم الفقهية لمصلحة السياسة، فبالأساس نجد «الشرعية الدينية بما تشمله من جوانب سياسية وقانونية كانت تأبى شرعنة الواقع السياسي ما لم يكن مستجيبا لتحديداتها، ولكن اتساع شبكة المفاهيم الإسلامية والثراء الفقهي في الأحكام والمعاملات، أتاح إمكانية الاستيعاب النظري لنظم الحكم غير الشرعية عبر تنشيط مفاهيم أخرى كالمصلحة والجماعة والضرورة وغيرها»[28]، وهو العائق الذي أحكم حجره على العلم وفك شفرة الطبيعة حتى لا تتعارض مع المفاهيم التقليدية في إدارة الكون وعلاقات الطبيعة وما وراءها، لكن الزمن تغير، وانكشفت الطبيعة وتوفرت آلة استكشافها، بل انكشفت معها عورة الجهل، ونزع الدين لمّا تجلى عليه نور العقل غطاءه عنها، بل عاد والوحي أساساً للفعل الحضاري متجاوِزاً للنمطية المغلقة، قال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ [فصلت53].
الفرع الثالث: التأسيس للفعل الحضاري بثورة اقتصادية ممكنة:
لا شك أن وباء «كورونا» كشف أن حدة التأثير السلبي في الشعوب أمكن تجاوزه أساسا بقدرة اقتصادية مكنت كثيراً من الشعوب من سرعة تضميد جراحها، فليس من قبيل الصدفة أن يشاهد الناس عبر منصات التواصل مستشفى ترتفع قواعده في حيّز زماني لا يتجاوز أسبوعاً واحداً، أو نرى دولا تمدد الحجْر الصحيّ على مواطنيها فترة بعد فترة مع توفير كل مستلزمات الحياة، بينما نشاهد بألم كثيراً من دول المسلمين تتداعى قواعدها الصحية حتى في كادرها الطبي وشبه الطبي، وتعجز عن توفير أبسط متطلبات الحماية، بل تتعمد إخفاء مصيبتها حتى لا تفتضح هشاشة بنيتها السياسية، إضافة إلى الضعف الاقتصادي الذي يُمثّل أهم عوامل الارتخاء عند الأزمات، ولعل التنبّه بالإكراه إلى هذا الضَّعْف الاقتصادي الكبير، والتّساؤل الشعبي الأفقي عن أسبابه سيجعل العالم الإسلامي الذي يمتلك مخزوناً هائلاً من الثروات المتنوعة القادرة على تغطية الحاجيات الغذائية والصناعية بما يفيض حتى عن مجالنا الحضاري، لكن تمزق الأمة أدى إلى انكسار شوكتها أمام عدوها، ومع ذلك فإنه يمكن أن نطمح اليوم أكثر من أيّ وقت مضى إلى أن «يتكامل هذا العالم الإسلامي لكي يصنع عالماً عظيماً، ولكن بشرط أن ندخل عصر التكنولوجيا المتطورة جماعة لا فرادى كما نصلي لله جماعة، ينبغي أن ندخل هذا العصر جماعة»[29].
وليس المسلمون اليوم فحسب من يحتاجون إلى إعادة صمّام الأمان إلى اقتصادياتهم، بل إن البشرية جمعاء في حاجة إلى إصلاح نظام الاقتصاد العالمي، «إن ما تعانيه المجتمعات اليوم من واقع مؤلم ومن ماض تعيس، ومن مستقبل مشكوك في نتائجه إلا دلالة على فشل النظام العالمي»[30]، ذلك الفشل الذي كان نتيجة التجربة الاشتراكية، وسِمَة الرأسمالية المتوحشة، وهو ما جعل العالم اليوم يحتاج إلى اقتصاد يحوز على تسويغ أخلاقي مطلق، ولن نجد هذا الكمال إلا في مصدر كامل، ألا وهو الوحي، «والبديل الذي سينقذ العالم من وهدته هو النظام الاقتصادي الإسلامي الذي به قوام الحياة وسعادة البشرية، يقول الله تعالى: ﴿طه* ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى* إلا تذكرة لمن يخشى*﴾ [طه1-3]»[31].
لكن هل أنّ مجرّد العودة إلى هذا الاقتصاد كفيلة بأن تكون ملاذاً للقوى الهشة لاستعادة السيطرة على موارد الثروة ومواطن توزيعها؟
لا شك أن التوجه إلى هذا الاقتصاد بوحدة الشعوب بعد تحرُّرِها، وجرّ الأنظمة وتطويعها لأداء واجبها الاستخلافي، وتوحيد قدرات الأمة في مواجهة توغل الرأسمالية وتوحش العولمة المغلفة بالتعطش الغربي لالتهام الفقراء، هو الذي يُبشّر بتهيئة الأرضية، ووضع الأسس المتينة لإمكان إنقاذ البشرية وإحياء الفعل الحضاري الذي فيه وحده يكمن خلاص الإنسانية من مستقبل مجهول.
خاتمة:
إنّ الأحداث النّازلة بالمجتمعات لا تتمثّل نتائجها فقط في ما تُحدثه من منافع أو توقِعُه من مضارّ تؤثّر في الفرد وفي المجتمع، بقدر ما تؤسّس لخطاب مُتجدّد في فضاء ثقافي ما، تتّضح مفاهيمه وقد تتولد عنها مصطلحات أخرى بحمولة معرفية جديدة، كما قد تكشف بعض الثوابت عن رخاوة قد تُسْهِم في تقويضها مثلما نشاهد من مُتغيّرات بدأت تطرأ في الفضاء الأوروبي، حيث يعسر مستقبلا المحافظة على القِيَم والمعايير الأخلاقية التي تأسست عليها منظومة هذه الوحدة لتبقى عارية إلا من بعض المعالم المصلحية التي لم تعد تُقنِع هذه الشعوب باتخاذها وسائل تصلح للمحافظة على ذلك البناء المُتداعي الذي طالما كان عنصر فخرهم، بينما نجد في الضفة الأخرى وعلى ضعف الإمكانيات وقلّة الحيلة شعوبا تجتهد مستندة إلى قِيَمِها ومبادئها للحيلولة دون تفشي الوباء مع ما صاحب ذلك من صياغة جديدة للمخيال الجمعي والمنظومة الأخلاقية التي كانت بديلاً حقيقياً للوقاية من هذا الخطر الزّاحف، ومعه نُسجّل حضوراً لافتاً للخطاب الدّيني الذي بدأ أكثر انسياباً وانسجاماً وهو يؤسّس لجدلية التواصل بين الأصالة والمعاصرة وإمكانية الفعل الحضاري استناداً إلى الأصول الشرعية وتحقيقاً للمقاصد التي نصّت عليها الشريعة، بل نفض الغبار عن هذا الإرث الزّاخر بالمنافع، وقد ظهر وقت الحاجة إليه خير سند لا إلى المسلمين فقط، بل قد لفت إليه أنظار الشعوب الأخرى لمّا انكشف عن حقيقته التي تُشِعّ نوراً رغم عِتْمة الجاهلية الجديدة، وهو ما لفت أنظار المسلمين أيضا إلى ضرورة الاستفاقة على وعي جديد يتأسس على مفاهيم راهنة ومناهج متطوّرة تستمدّ أصالتها من الموروث الفكري الزاخر، لكنها غيرُ مُترسِّبة فيه ولا مشدودة إليه بالوجدان، بل مستنهضة عبقرية التجديد والإحياء لفكر إبداعي يستمرّ في العطاء والحياة يستلهم الماضي حافزاً ولا يعتاش على ذكرى الأجداد.
ويواصل الفكر الإنساني في تطوّره ويتطور معه الفعل، وما يميز هذه الحركة الإنسانية أنها تتصل مباشرة بمفهوم الحضارة وتحولاتها في التاريخ، وإذا كان الإنسان هو محورها فلا شك أن رسالة الحياة التي تضمنت هذا الفعل الحضاري إنما كان مُحرّكها الأساسي هو استخلاف الإنسان الذي يتمثّلُه الوحي منهجاً حيّاً ينسج علاقة فاعلة بين العقل والطبيعة، هذه العلاقة التي بقدر ما تكون منسجمة معرفياً وأخلاقياً في إطارها الوجودي المتعيِّن بوحدانية الخالق والتعدد في الوجود، إلا وكان منتَجُها إيجابيا يُحقّق وعي الإنسان بذاته وبرسالته، لكن أي خلل في هذه العناصر سيُحدِث الفراغ الذي سيشغله فاعل آخر له القدرة على الاستمرارية والفعل، وهكذا كانت حضارة المسلمين قائمة على جدارة الحراك الإيجابي المُحقّق لكرامة الإنسان وتحرّره من قيود العبودية والظلم زمناً طويلاً، لكن لمّا تخلخلت مقوّمات الفعل الحضاري انحسر معه إمكان الاستمرارية في تأسيس الإنسان الحضاري وقيادته لحركة الحضارة، وتقدمت أمم تمثلت مفهوم الخيرية وطوّعته بآليات جديدة انشغلت بقضايا الإنسان وثوّرت تصوّراتها للطبيعة بما أحدث نقلة نوعية في وعينا بالعلاقة الضرورية بين المخلوق والخالق، لكن، وفي هذا الزخم تراجع منسوب تأثير الوحي لصالح الإشباعات المادّية، ممّا أحدث انحرافاً حتى في مفهوم الفعل الحضاري ووسائل تحقيقه، وبات الاستعمار هو اليد الطويلة لهيمنة القوي على الضعيف، وانتكست الأمّة الإسلامية مرّات عدّة، لكن حركة التاريخ أثبتت أن الظروف الصّعبة شديدة التحفيز للفعل الحضاري، وها هي الأمة تعيش أشد المراحل قسوة في تاريخها وقد تعددت أوجه الأزمة وجودياً ومعرفياً وقيمياً، وهو ما أورث النفس الفردية والجماعية إحباطاً مركباً زاده العجز الاقتصادي المثقل بوباء «كورونا» استفحالا، وها هي كورونا تدقُّ الأبواب في موجتها الثانية في كثير من البلاد فتخلف الموت والرعب وحيرة السؤال المؤرّق كيف السبيل للخلاص من هذا الخطر الداهم، وما بين الحيرة والرجاء، يطلُّ سؤال النهضة من جديد، لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟
ولا شك أنه ليس من السّهل معاودة النّظر في أسئلة جاءت في سياقات تاريخية مغايرة لما نعيشه اليوم، إلا أن ما نلمحه من استمرار ثلاثية الغياب الحضاري وهي الجهل والتبعية والتخلف مع مراكمة حالة الإحساس بمقادير من اليأس لدى بعض المنتمين لهذه الأمة في إمكانيّة إبصار تباشير صبح وفجر جديد لهذا الظلام الذي أرخى سدوله على ربوع أمتنا قرون متطاولة، أو بداية نهاية لهذا النفق الطويل الذي غيّب مقدّرات الأمة وحجبها عن إمكانات النهوض والإقلاع من جديد.
ولا يعزّينا وسط هذا الركام سوى أن العقل المسلم لم يتوقف منذ إثارة سؤال النهضة عن البحث عن جواب، وكل إجابة هي مشروع يفتح الأبواب الموصدة لارتياد أسئلة أخرى تحتاج للبحث والنظر، ولم تسلم كل مشاريع النهوض من المساءلة والنقد، وبعضها لم يرتق ليكون مشروعاً شمولياً للأمة وإنما كان يعالج بعداً من أبعاد الشهود الحضاري للأمة ويغفل عن أبعاد أخرى، وبعضها توقف عند الحلم دون أن يؤسس في الواقع ما يوحي بمشروع تغييري، ومشاريع أخرى كانت الحيرة فيها أكثر من الرؤية، والأسئلة حولها أكثر من الأجوبة، والخلاصة أن أكثر هذه المشاريع بقيت ترقيعاً للجزئي دون ملامسة الكلي، فلم تجسّد وعياً متقدّماً بحقيقة السؤال المؤرِّق وهو سؤال النهضة، والأسئلة المعانقة له كسؤال الهوية، وسؤال الحرية، وسؤال الديمقراطية، وسؤال التنمية…..
وفي ظل هذه الجائحة جائحة كورونا وفي ظل عجز الأمة عن اجتراح الحلول الحقيقية لأزمتها الحضارية للإجابة عن سؤال النهضة والأسئلة المحيطة به، يطلُّ علينا اليوم سؤال آخر لازال يعاني حجراً سياسياً وقيمياً ومعرفياً وتكنولوجياً، وهو:
- هل من الممكن أن نشهد ميلاد الفعل الحضاري لهذه الأمة من رحم المشقّة في مجابهة هذا الوباء؟
- وهل يمكن أن تكون هذه الجائحة حافزاً لاستفزاز العقل المسلم؟
ليعود إلى الشهود الحضاري بعد غياب حضاري بل غيبوبة عن الحضارة.
المصادر والمراجع:
القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم.
- الكتب:
– أبو سليمان، عبد الحميد أحمد، أزمة الإرادة والوجدان المسلم، دار الفكر، بيروت، ط1، 2004.
– باومان، زيجمونت، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط1، 2016م.
– بهجت، أحمد، فرعون والطغيان السياسي، العصر الحديث للنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1408هـ، 1988م.
– تويني، أرنولد، تاريخ البشرية، ترجمة، نقولا زيادة، بيروت، الأهلية للنشر والتوزيع، 2004.
– توينبي، أرنولد، مختصر دراسة التاريخ، ترجمة، فؤاد محمد شبل، المركز القومي للترجمة، بيروت، د. ط، 2011م.
– رسل، برتراند، تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة، ترجمة، محمد فتحي الشنيطي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1977م، د.ط.
– شريعتي، علي، تاريخ الحضارة، ترجمة، حسين نصير، دار الأمير للثقافة والعلوم، بيروت، ط2، 1428هــ، 2007م.
– صبري، مسعود، فتاوى العلماء حول فيروس كورونا، دار البشير للثقافة والعلوم، القاهرة، ط1، 1441هـ، 2020م.
– الطريقي، عبد الله بن عبد المحسن، الاقتصاد الإسلامي أسس ومبادئ وأهداف، مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض، ط11، 1430هـ، 2009م.
– عبد الرحمن، طه، روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس روح الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2006.
– القرضاوي، يوسف، المجتمع الإسلامي التحديات وإمكانات النهوض، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1432هــ، 2011م.
– كتورة، جورج، طبائع الكواكبي في طبائع الاستبداد، دراسة تحليلية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1،1407هـــ، 1987م.
– لويس، جنفياف روديس، ديكارت والعقلانية، ترجمة، عبدو الحلو، منشورات عويدات، بيروت، ط4، 1988.
– مجموعة باحثين (جمعية مجموعة التفكير الاستراتيجي)، العالم وجائحة كورونا: السيناريو المتوقع للعالم العربي إلى نهاية ديسمبر 2020م، اسطنبول، ط1، 2020.
– مؤلف جماعي، الجوائح في الأزمنة المعاصرة، رؤى دينية وفلسفية، دار العرفان للنشر والتوزيع، أكادير، المغرب، ط1، 2020.
– المغلس، هاني عبادي محمد سيف، الطاعة السياسية في الفكر الإسلامي، النص والاجتهاد والممارسة، المعهد العالي للفكر الإسلامي، هيرندن/ فرجينيا، ط1، 1435 هــ/ 2014م.
– المودودي، أبو الأعلى، واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم، مكتبة الشباب المسلم، دمشق، د. ت، د. ط.
المقالات والأوراق العلمية:
– بتال، أحمد حسين (جامعة الأنبار)، فهد، أيسر ياسين (الجامعة العراقية)، جزء من مقدمة دراسة بيانية حول كورونا، العراق، 2020.
– بيجوفيتش، علي عزت، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة، محمد يوسف عدس، مجلة النور الكويتية، 1414هـ، 1994م، الكويت، مؤسسة يافاريا، ميونخ، ألمانيا، ط1.
– الزعبي، محمد صالح، إدارة الأزمات في ضوء السنة النبوية (حادثة الإفك أنموذجا)، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، 1435هـ، 2014م، المجلد (10)، العدد (3)، جامعة آل البيت، الأردن.
[1] – أبو سليمان، عبد الحميد أحمد، أزمة الإرادة والوجدان المسلم، دار الفكر، بيروت، ط1، 2004، ص:287.
[2] – م ن، ص:293.
[3] – كتورة، جورج، طبائع الكواكبي في طبائع الاستبداد، دراسة تحليلية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت،1407هـــ، 1987م، ط1، ص: 7.
[4] – انظر: المودودي، أبو الأعلى، واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم، مكتبة الشباب المسلم، دمشق، د. ت، د. ط، ص: 8-9.
[5] – انظر: م ن، ص: 11.
[6] – طبائع الكواكبي، م س، ص:9.
[7] – بهجت، أحمد، فرعون والطغيان السياسي، العصر الحديث للنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1408هـ، 1988م، ص:10.
[8] – مؤلف جماعي، الجوائح في الأزمنة المعاصرة، رؤى دينية وفلسفية، دار العرفان للنشر والتوزيع، أكادير، المغرب، ط1، 2020، ص:5.
[9] – انظر: شريعتي، علي، تاريخ الحضارة، ترجمة، حسين نصير، دار الأمير للثقافة والعلوم، بيروت، ط2، 1428هــ، 2007م، ص: 6-7.
[10] – توينبي، أرنولد، مؤرخ وفيلسوف إنجليزي، (1889/1975)، درس 21 حضارة وبيّن كيفية توالدها من بعضها ولم يقل بحتمية انهيارها كما كان سائداً. انظر: طرابيشي، جورج، معجم الفلاسفة، ص: 246.
[11] – توينبي، أرنولد، مختصر دراسة التاريخ، ترجمة، فؤاد محمد شبل، المركز القومي للترجمة، بيروت، د. ط، 2011م، ص:132.
[12] – انظر: م س، مقدمة، عبادة كحيلة.
[13] – رسل، برتراند، تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة، ترجمة، محمد فتحي الشنيطي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1977م، د.ط، ص:58.
[14] – مجموعة باحثين (جمعية مجموعة التفكير الاستراتيجي)، العالم وجائحة كورونا: السيناريو المتوقع للعالم العربي إلى نهاية ديسمبر 2020م، اسطنبول، ط1، 2020، ص: 23.
[15] – م ن، ص:7.
[16] – بتال، أحمد حسين (جامعة الأنبار)، فهد، أيسر ياسين (الجامعة العراقية)، جزء من مقدمة دراسة بيانية حول كورونا، العراق، 2020.
[17] – لويس، جنفياف روديس، ديكارت والعقلانية، ترجمة، عبدو الحلو، منشورات عويدات، بيروت، ط4، 1988، ص:10.
[18] – الزعبي، محمد صالح، إدارة الأزمات في ضوء السنة النبوية (حادثة الإفك أنموذجا)، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، 1435هـ، 2014م، المجلد (10)، العدد (3)، جامعة آل البيت، الأردن، ص:135.
[19]– باومان، زيجمونت، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط1، 2016م، ص:131.
[20] – تويني، أرنولد، تاريخ البشرية، ترجمة، نقولا زيادة، بيروت، الأهلية للنشر والتوزيع، 2004، ص: 12.
[21] – صبري، مسعود، فتاوى العلماء حول فيروس كورونا، دار البشير للثقافة والعلوم، القاهرة، ط1، 1441هـ، 2020م، ص:6.
[22] – الجوائح في الأزمنة المعاصرة، م س، ص:102.
[23] – م ن، ص: 95.
[24] – بيجوفيتش، علي عزت، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة، محمد يوسف عدس، مجلة النور الكويتية، 1414هـ، 1994م، الكويت، مؤسسة يافاريا، ميونخ، ألمانيا، ط1، ص:115.
[25] – عبد الرحمن، طه، روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس روح الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2006، ص:223.
[26] – م ن، ص:81.
[27] – واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم، م س، ص: 17
[28] – المغلس، هاني عبادي محمد سيف، الطاعة السياسية في الفكر الإسلامي، النص والاجتهاد والممارسة، المعهد العالي للفكر الإسلامي، هيرندن/ فرجينيا، ط1، 1435 هــ/ 2014م، ص:79.
[29] – القرضاوي، يوسف، المجتمع الإسلامي التحديات وإمكانات النهوض، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1432هــ، 2011م، ص:30.
[30] – الطريقي، عبد الله بن عبد المحسن، الاقتصاد الإسلامي أسس ومبادئ وأهداف، مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض، ط11، 1430هـ، 2009م، ص:136.
[31] – م ن، ص: 136.