منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

السياسات العامة في الفكر الإسلامي: دراسة في ضوء مقاصد الشريعة

الأستاذ شفيق الفلاح

0

السياسات العامة في الفكر الإسلامي:
دراسة في ضوء مقاصد الشريعة

الأستاذ شفيق الفلاح

 

مقدمة:

 إن مقاربة السياسة العامة في سياق الفكر الإسلامي تفرض مقاربة إبستمولوجية تضع القيم والمبادئ الإسلامية كأساس تحليلي ومعياري في إعداد، وصياغة السياسات، وتنفيذها وتقييمها. وتشكل هذه المنظومة القيمية، التي تعرف ب ” مقاصد الشريعة “، المرجعية العليا التي تحدد غايات الدولة.

لقد أثمر الحراك السياسي والاجتماعي في فجر الأمة نشأة دولة تهدف إلى تأصيل إدارة السياسات العامة عبر تفعيل المقاصد العظمى لجلب المصالح ودرء المفاسد، فالسياسة العامة للدولة لها تأصيلها الراسخ من السياسة الشرعية، التي تعنى بتدبير الشؤون العامة بما يكفل تحقيق المصالح ورفع المضار. وانطلاقا من وحدة الدين والدولة في التصور الإسلامي، يظل التركيز منصبا على النهج والمقاصد والغايات في كل ما يتصل بالأمور التنموية والتطورية، ومنها قيادة الأمة ورسم سياساتها.

يعد التفكير المقاصدي المفتاح الأساسي للنجاح في عالم يشهد تحولات سياسية واقتصادية وثقافية متسارعة، في حين أن إهمال هذا التفكير المقاصدي يعوق تحقيق غايات السياسات، كما أن تأصيلها في هذه المقاربة يحدد كيفية تعبير الأمة عن أهدافها، والدفاع عنها، والالتزام بالأوامر الشرعية، وقبول السنن الكونية، والاعتراف بدور الفئات المشاركة.

من هنا، يهدف هذا البحث إلى تعميق النظر في طبيعة هذه العلاقة، ساعيا للإجابة عن الإشكالية المحورية التالية:

ما مدى فاعلية مقاصد الشريعة كإطار توجيهي وإستراتيجي لتحقيق الغايات المثلى للسياسات العامة؟ وما هي الآليات التي تضمن الانتقال من القاعدة الأصولية إلى التطبيق السياساتي الناجع؟

التساؤلات الفرعية والاستفهام المنهجي.

 للإحاطة بالإشكالية، يسعى البحث إلى الإجابة عن التساؤلات التفصيلية الآتية:

1- ما هو التكييف الفقهي-السياسي لمفهوم السياسات العامة في الإسلام، وكيف تفصل العلاقة الجدلية بين السلطة الدينية والتدبير السياسي (الدين والسياسة)؟

2- ماهي الضوابط الشرعية والأصولية التي تحكم السياسة العامة في الإسلام، وكيف يؤصل دورها ضمن فضاء السياسة الشرعية؟

3- كيف يمكن توظيف مقاصد الشريعة تحديدا في مراحل صناعة وتقييم السياسات العامة لضمان مأسسة التوحيد والشورى والإصلاح، وتحقيق التفاعل البناء بين الالتزام القيمي والمنفعة العامة؟

أهمية البحث وأهدافه.

يستمد هذا البحث أهميته من ضرورة الربط بين الإطار القيمي والتوظيف الاجرائي:

  • الأهمية النظرية: إثراء الحقل الأكاديمي عبر بناء نموذج تحليلي مقاصدي يدمج بين نظريات السياسات العامة الحديثة والمفاهيم الأصولية الإسلامية، مما يعزز الفهم العميق للظاهرة السياسية من منظور حضاري.
  • الأهمية التطبيقية: تبيان الكيفية التي يمكن بها للمفكرين وصناع القرار توظيف الفكر المقاصدي في تطوير السياسات العامة (كحلول عملية) لتمكين الأمة من التعبير عن أهدافها والدفاع عنها في عالم متغير، مع تحقيق التفاهم والتكامل بين الأحكام الشرعية والسنن الكونية.

منهجية البحث.

 يعتمد البحث على المنهج التحليلي الاستنباطي، حيث يتم تحليل المفاهيم الأصولية والفقهية (كالسياسة الشرعية)، واستنباط الأبعاد التطبيقية والآليات الإجرائية لهذه المقاصد في مراحل بناء السياسات العامة وتنفيذها.

خطة البحث.

لتحقيق أهداف البحث، تم تقسيم الدراسة وفق المباحث والمطالب التالية:

مقدمة

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي للسياسات العامة في التصور الإسلامي.

. المطلب الأول: مفهوم السياسات العامة: التحديد والتكييف.

. المطلب الثاني: العلاقة الجدلية بين الدين والسياسة.

المبحث الثاني: مقاصد الشريعة قوة دافعة وغائية للسياسات العامة.

. المطلب الأول: التأصيل الشرعي للسياسة العامة وضوابطها المقاصدية.

. المطلب الثاني: دور المقاصد في التطبيقات العملية للسياسات العامة وتحقيق غاياتها.

خاتمة.

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي للسياسات العامة في التصور الإسلامي.

 يعتبر الإسلام عقيدة تنبثق منها شريعة يبنى عليها سلوك ونظام عام يحكم الشأن الخاص ويدبر الشأن العام، والسياسة في الإسلام جزء لا يتجزأ من السياسة الشرعية، التي هي كل ما يوافق مقاصد الشريعة، ويحقق مصالح الإنسان في الدنيا والآخرة، وتشمل كذلك منصوصات الشريعة وكل ما وافقها، ولم يخالف مقاصدها من الاجتهادات السياسية والإبداعات التدبيرية في تنظيم العمران، ورعاية المصالح العامة في الدنيا والآخرة.

فالسياسة في منطلق الشريعة هي مجموع الإجراءات والتدابير المصلحية التي تتخذها السلطات العامة لفائدة الخاصة والعامة، ويأتي فيها حكم شرعي خاص؛ كما جاء في كتاب البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم: ” السياسة هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي “[1].

ويعتبر الدين في مجتمعاتنا عاملا مهما في زرع القيم في نفوس الحاكمين، والوقوف ضد متاجرتهم بقضية الشعوب، فالعلاقة بين الدين والسياسة علاقة جدلية منذ القدم، فإما أن تكون علاقة تصالحية توافقية، أو علاقة استغلالية، أو علاقة تصارع وتقاطع وعداء.

المطلب الأول: مفهوم السياسة العامة: التحديد والتكييف

 من الناحية الأكاديمية، يختلف الباحثون والمفكرون في تحديد تعريف دقيق للسياسة العامة، فقد عرف ” توماس داي ” السياسات العامة بأنها ” العلاقة بين الوحدة الحكومية وبيئتها، فهي تعبير عن كل شيء تقوم به الحكومة، أو هي تقرير، أو اختيار حكومي، أو عدم الفعل ”[2]. كما يرى أيضا ” جابرييل ألموند ” أنها تمثل أي السياسات العامة محصلة عملية منتظمة عن تفاعل المدخلات مع المخرجات للتعبير عن أداء النظام السياسي في قدرته الاستخراجية، التنظيمية، التوزيعية والرمزية.[3]

فبينما اختلف الأكاديميون والفلاسفة على إمكانية وجود علوم اجتماعية وضعية محررة من القيم، فإنهم اتفقوا على أن السياسة والحوكمة العامة تحليلا، وممارسة حبلى بالقيم، بالضرورة، سواء كانت شخصية أو موضوعية، لأن السياسة العامة تقيم – بطبيعتها- الوضع الراهن، محاولة تغييره وتحسينه، وفقا لرؤية معينة[4]

وقد جاء الاهتمام بالسياسة العامة من قبل الحكومات والأنظمة السياسية لسد حاجات المجتمع وتطلعاته من ثنايا التوجه نحو حل المشكلات العامة الماثلة في المجتمع بشكل علمي قادر على التوفيق بين تلك الحاجات والمطالب وبين المتغيرات البيئية الداخلية والدولية الراهنة[5].

كما أن السياسة العامة تلامس كافة مناحي الحياة، الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية، فضلا عن أنها تمس جميع أفراد المجتمع، بما يحل مشاكلهم ويحقق مطالبهم، عبر برامج وقرارات لتنظيم شؤون الدولة والمجتمع، وتحديد كيفية توزيع السلطة والموارد والقيم.

والسياسة العامة من الناحية الشرعية فهي رعاية الشؤون العامة، وفق أحكام الشريعة الإسلامية، في مختلف نواحي الحياة، بما يحقق مصالح العباد من جلب للمنفعة ودفع للمضرة، وهي باختصار مقاصد الإمامة التي تعنى بحفظ مصالح الدين والدنيا.

وتعد السياسة الشرعية باب من أبواب العلم والفقه في الدين وقيادة الأمة، كما تهتم بتحقيق مصالح الناس الدينية والدنيوية، فالواجب الأول لمقاصد السياسة الشرعية هو حراسة الدين، كما جاء في قوله تعالى: ” أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه “[6]؛ فإقامة الدين هي الغاية الأسمى، والنبيء صلى الله عليه وسلم حرص في بداية دعوته على إقامة الدين، ثم بقي على ذلك ثلاثة عشر عاما، ثم بعد ذلك أقام المجتمع الإسلامي، فمتى أقام الناس الدين، تحقق لهم إقامة الدولة والمجتمع.

وقد اشتملت نصوص القرآن والسنة على أصول هذا العلم، بوضع أسسه وقواعده، مثال ذلك ما جاء في قوله تعالى: ” إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به، إن الله كان سميعا بصيرا “[7]، ولم يكن فقهاء الإسلام يوما بمنأى عن ميادين السياسة، منعزلين في أبراج الفقه الفردي يتأملون الأحوال الطهورية، ويهملون الشأن العام، ومتطلبات الأمة، بل كانوا في قلب المعترك الحضاري، يبصرون بأعين الشريعة حركة السلطان، ويقيسون بميزان الوحي عدل السلطة، و يدونون في فقه الإمامة الكبرى ومهام السلطة و مسؤوليات الأمة، فأبدعوا في رسم معالم الدولة الرشيدة بمنهج المقاصد وبعين فاحصة تربط النص بالواقع[8].

المطلب الثاني: العلاقة الجدلية بين الدين والسياسة.

 مما لا شك فيه أن كل عمل يقوم به الانسان المسلم يعد بمثابة عبادة (إن هو أداها لله وحضرت النية)، ويشمل عمل الانسان كل ما يقوم به سواء كان ماديا أو معنويا، أو روحيا. وتصح هذه النظرة بالنسبة للعمل السياسي، فنية الإنسان يمكن أن تضفي بعدا دينيا على عمله، مهما كان دنيويا، ماديا. ففي الحضارة الإسلامية منذ مجيء الإسلام لم تكن هناك إشكالية حول مفهوم العلاقة بين السياسة والدين، فالإمام الغزالي رحمه الله يرى أن السلطان ضروري في نظام الدنيا، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة[9]، فكان وجوب الإمام من ضروريات الشرع الذي لا سبيل إلى تركه.

كما أن دخول الدين في السياسة ليس شرا كما يصوره العلمانيون، فالدين الحق إذا دخل في السياسة، كان بمثابة الموجه للخير، الهادي إلى الرشد، المبين للحق، والعاصم من الضلال والغي، فالدين يمنح السياسي الضمير الحي أو (النفس اللوامة) التي تزجره أن يأكل الحرام من المال، أو يأكل المال العام بالباطل[10].

إنَّ العلاقة بين الدين والسياسة تضرب بجذورها عميقاً في حقب التأريخ الإنساني، متجاوزة حدود الظرفية الزمانية أو المكانية. ولا يمكن لمنظومة الدين أن تكتمل أو تؤدي وظيفتها الكلية (مقصد حفظ النظام العام) دون آليات سياسة التدافع بين الناس. وبالمقابل، لا تستطيع قاطرة السياسة أن تسير بفعالية دون محرك فكري وقيمي يوفر لها الوقود التوجيهي والغائي، وهذا الدور يضطلع به الدين.

يؤكد التحليل الأنثروبولوجي أن الإنسان في تقلب نشأته الأولى هو كائن سياسي متدين بالطبع. وقد شهدت التجربة البشرية تحولاً عميقاً، فلم يعد الدين شأناً فردياً مقتصراً على العلاقة بين الإنسان وربه فحسب، وكذلك لم تعد السياسة مجرد ممارسة ذاتية لتنظيم الشأن اليومي للفرد، بل تبلورت لتصبح شأناً جماعياً ومؤسسياً.

بناءً على هذا الاندماج العضوي، تصبح محاولة الفصل بين الدين والسياسة محاولة يائسة وتجريدية لا يمكن أن تتحقق في الواقع. كما أن التأسيس لأي قراءة جديدة تنطلق من فرضية التباين الموضوعي أو التقابل البنيوي بين الدين من جهة والسياسة من جهة أخرى، يخل بلا شك بـالقراءة السليمة والواعية لجوهر الظاهرة. ولذلك، فإن دراسة العلاقة بين الدين والسياسة في الفضاء الإسلامي تستدعي استحضار معطى الإضمار والانصهار الكلي للسياسة في المرجعية الدينية الإسلامية، حيث لا يمكن فصل الوظيفة القيادية عن الأبعاد المقاصدية للتشريع.

كما أن الولاية العامة تعد في نظر الشريعة الإسلامية من أجل الواجبات الشرعية التي يقوم عليها الدين والدنيا، فاعتبر ولاة العدل أعظم أجرا من ولاة الظلم[11]، فالقصد من الولاية العامة والمناصب العامة هو تدبير المصالح العامة، كما هو معلوم، وبالتالي فإن قيمة الوازع السلطاني تظهر أهميتها في منظومة التشريع الإسلامي وضرورته في الحفاظ على مقاصد الشارع ومصالح العباد، فالأصل في السياسة الشرعية هو أن يسبق وازع القرآن ومنهجه وازع السلطان، وهو ما كانت عليه الدولة في عهد النبوة وبعدها عهد الخلافة الراشدة.

المبحث الثاني: مقاصد الشريعة قوة دافعة وغائية للسياسات العامة.

تتركز السياسة العامة في جوهرها على مقصد أساسي يتمثل في تحقيق مصالح الرعية وتدبير شؤونهم ورعاية احتياجاتهم الأساسية. ويُقاس تقدم أي دولة أو تخلفها بـمستوى الخدمات التي تُقدمها، وما تحققه من رفاهية وإسعاد لمجتمعها.

وفي هذا الإطار، سلطت قوانين الإسلام الضوء بقوة على مصالح الناس. وقد بذل فقهاء الإسلام جهودًا تأسيسية في تصنيف كتب المقاصد، وفصلوا فيها الغايات الكلية للشريعة، والتي تقوم على الركيزة المزدوجة لـجلب المصالح ودرء المفاسد. وعلى الصعيد العالمي، لا تزال كل الشعوب تجتهد لتحقيق مصالح مجتمعها والوصول إلى التنمية المستدامة.

إنَّ الإنسان هو قاطرة التنمية وغايتها ووسيلتها. وبالتالي، يُلزم المسار التنموي بأن لا يكون على حساب راحة الإنسان ورفاهيته حاضراً ومستقبلاً. بل يجب أن تتسم التنمية بصبغة إنسانية عميقة تُلبي تطلعات الإنسان وتوفي باحتياجاته ورغباته، ضمن سياق يعزز الترابط الاجتماعي والأخلاقي.

تُعرّف مقاصد الشريعة بأنها تلك الغايات والأهداف العليا التي تُشَكّل منظومة متكاملة تدمج المفاهيم والقيم والسنن الإلهية والأحكام والحجج ذات الصلة في آن واحد. ومن الجدير بالذكر أنه ليس مقصوداً بـالتقعيد المقاصدي أن يُستخدم كأداة للدعوة فحسب، بل هو مصدر إرشادي لمن يبحث عن الحقيقة حول كيفية إنشاء حياة كريمة. هذه الحياة الكريمة لا تقتصر على الحفاظ على أفضل ما في الإنسانية وتقدمها، بل تتسع لتشمل قيمة كل كائن حي.

إذن، لا بد للسياسة العامة (علما وتطبيقا) من منهج ومقاصد وغايات صريحة أو شريعة تأمر بها، وتؤسس عليها، وقد تكون الديموقراطية أو الليبيرالية أو الاشتراكية، مهما عرفت هذه المفاهيم الخلافية، أو قد تكون الشريعة الإسلامية، بحيث تصبح قيمها وأبعادها القطعية والشورية، هي الأساس والمنطلق[12]

إنَّ ترسيخ سياسات مستنيرة بـالمقاصد الشرعية من شأنه أن يُوجه موقف الأمة في الساحة الدولية، ويُمكنها من التعبير عن أهدافها والدفاع عنها بوضوح. وهذه المقاربة تساعد الأمة على تحديد المفاهيم المهمة، والعمل على أساس القيم المنبثقة عنها، واحترام السنن الإلهية. كما تجعلها قادرة على تقبّل القوانين العالمية، والإقرار بدور وطبيعة الفئات المشاركة في عملية السياسة، وفهم الحجج التي تظهر نقاط القوة والضعف في موقفها التفاوضي.

ومن جهة أخرى لم يغفل الإسلام البعد المؤسسي للدولة، بل وضع قواعد عامة لإدارة شؤون الناس بما يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة. ويتجلى ذلك بوضوح في التجربة النبوية والخلافة الراشدة، حيث تضمنت هذه المراحل الكثير من السياسات المدروسة التي راعت تغير الأحوال وتنوع البيئات. ولقد تحققت مقاصد الشريعة خلال تلك التجارب الرائدة من خلال الاستعانة بـأدوات مرنة ومتغيرة في التدبير والحكم.

والقرآن المجيد نزل ليؤسس أمة تكون ” أمة الأمم ” أو” الأمة القطب ” التي تستطيع أن تستقطب العالم-كله- حول مجموعة من الأهداف والقيم بحيث تجعله قادرا على تحقيق غايات الحق من الخلق، عالما تهيمن عليه القيم العليا: ” التوحيد والتزكية والعمران “، عالما إنسانيا يفي ب ” العهد الإلاهي “، ويؤدي مهام ” الاستخلاف ” في إطار من ” الأمانة ” وإدراك لطبيعة ” الابتلاء ” وانتظار ” الجزاء الإلاهي “[13]

وتعتبر السياسة العامة ساحة لتطبيق الشريعة ومقاصدها، إذا ما وضعت لها قواعد منهجية منضبطة، تراعي الواقع وتعتمد على الاجتهاد المؤسسي، وتربط الفتوى بالسياسة، والنص بالمصلحة، والحكم بالرؤية الكلية. كما أن غياب الفقه المؤسسي يعد من أسباب تخلف المجتمعات الإسلامية، لأجل ذلك يجب إعادة صياغة مناهج الفقه لتشمل علم السياسة، وعلم الإدارة، والعلاقات الدولية، من منظور شرعي، ويعيد بناء وعي فقهي بمسؤولياته تجاه الشأن العام.

المطلب الأول: التأصيل الشرعي للسياسة العامة وضوابطها المقاصدية.

تُشَرِّع السياسة العامة لنفسها مشروعية راسخة، تستمد أصولها من نبع الشريعة الخالد: الكتاب والسنة النبوية، والإجماع، والقياس. هذه هي المنارات الأساسية التي تقوم عليها صروح التشريعات الإسلامية. ولا يمكن لهذه السياسات أن تنفك عن بوصلتها الكبرى المتمثلة في مقاصد الشريعة الكلية، التي هي إطارها الضابط، فغايتها القصوى هي صيانة الضرورات الخمس: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. فالأصل في التأصيل هو الوجهة نحو تحقيق المصلحة. وحيثما غاب النص التفصيلي المُعارض لحكم السياسة، أو كان النص الجزئي مرهوناً بعلة غابت عن الواقعة المستجدة، فإن هذه السياسة لا تُعد خروجاً عن الشريعة؛ بل تندرج بحق تحت مظلة السياسة الشرعية الحكيمة التي تسعى لاستقطاب المصلحة العامة، شأنها في ذلك شأن الممارسات التي أقرها السلف، كـجمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق.

غير أن تطوير حقل تحليل السياسات العامة وعلومها – بطبيعتها المعيارية المتأصلة – يتطلب إعادة الربط من جديد بين القيم (الغايات) والحقائق (الوسائل)، من دون اكتفاء بوصف الغايات على أساس أنها أمر مفروغ منه أو “معطاة “؛ وهذا الأمر أدخل تحليل السياسات العامة وعلومها في معضلة معرفية وأخلاقية؛ فإذا تعذر اشتقاق القيم والغايات الجماعية منطقيا، ومن الحقائق والنظريات العلمية تحديدا، فما مصدرها؟ ومن يحددها؟ وإذا استثنينا المخططين والنخبة العلمية، فمن المسؤول عن تحديد الغايات المجتمعية: الأغلبية، أم الأقلية، أم التقاليد، أم الاستبداد؟[14].

منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، انخرط المسلمون في تناول مواضيع السياسة العامة بشكل عميق وواسع، وهذا الاهتمام يرجع إلى الارتباط الوثيق لهذه السياسات بمفاهيم الجماعة والأمة والاجتماع السياسي.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم القدوة والنموذج في هذا المجال؛ فقد جمع بين كونه القائد والإمام وولي الأمر، وتجسدت فيه الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا معاً. وشكّل الرسول صلى الله عليه وسلم ومن حوله من الصحابة الكرام جهازاً مؤسسياً قام بمهام إدارة الدولة وتحديد الأهداف الإستراتيجية ورسم السياسات العامة. وقد تميز التدبير السياسي النبوي بالمنهجية الرصينة؛ إذ لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم ليرسم خطة أو يبني رأياً إلا على أساس دراسة دقيقة وواعية للواقع الذي سيشكل مسرحاً لتنفيذ تلك الخطة وتنزيل ذلك الرأي.

فدراسة الواقع في نطاق التدبير السياسي لتحصيل فقه فيه يشمل ظواهره وخوافيه، ليس مقصودة لذاتها على سبيل التحصيل العلمي المجرد، بقدر ما هي مقصودة من أجل أن تنزل عليه الرؤى السياسية التي ترسم نظريا، إذ هذه الرؤى قد تكون حقا في ذاتها تحمل حلولا لمشاكل المجتمع، أو تحمل له عدلا وحرية، أو تنمية مادية وبشرية.[15]

كما أن عملية وضع وتنفيذ السياسات العامة تخضع في الإسلام لضوابط صارمة تضمن شرعيتها وفعاليتها، نذكر من بين هذه الضوابط:

1- موافقتها للنصوص الشرعية والقطعية: بمعنى ألا تتعارض هذه السياسة العامة مع نص قطعي الثبوت والدلالة سواء من القرآن الكريم أو من السنة النبوية.

2- تحقيقها للمصلحة ودرئها للمفسدة: بحيث يكون الهدف الأساسي للسياسة العامة هو تحقيق مصلحة معتبرة (سواء جلب مصلحة أو دفع مفسدة) للأمة أو لقطاع كبير منها.

3- العدل والمساواة: تنزيل السياسة العامة يكون بالعدل والمساوات، دون التمييز بين أفراد المجتمع.

4- مبدأ الشورى: من المبادئ الرئيسية لاتخاذ القرارات والسياسات العامة في القضايا المجتمعية، الاجتماعية منها والاقتصادية، والتي تتطلب تدخل الرأي العام والخبراء.

5- الابتعاد عن الافساد والضرر: لا يجب أن تتسبب السياسة العامة في إحداث ضرر أو فساد يتعدى المصلحة المرجوة.

5- التحلي بالأخلاق الإسلامية: إحاطة السياسات العامة بالقيم الأخلاقية العليا، كالصدق والأمانة والرحمة.

المطلب الثاني: دور المقاصد في التطبيقات العملية للسياسات العامة وتحقيق غاياتها.

إنَّ الهدف الجوهري لـلسياسة العامة هو تدبير الشأن العام بما يعود بـالنفع الشامل على الجميع، وتحقيق الرفاه الحقيقي لكافة البشر على وجه الأرض. ويجب أن يتحقق هذا الهدف بتجرد مطلق، بغض النظر عن العرق واللون والعمر والجنس والجنسية، وأن تُلبى حاجياتهم ومطالبهم كافة. وهذا المبدأ الإلزامي هو جوهر السياسة العادلة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية.

ويُشكل إشباع هذه الحاجيات أحد حقوق الإنسان الأساسية التي تناولتها الأدبيات الإسلامية تحت المصطلح الشمولي “مقاصد الشريعة”. لذا، يصبح لزاماً تحديد الحاجيات البشرية الضرورية التي ينبغي تحقيقها، ليس فقط لرفع مستوى تنميتهم المستدامة، بل لتمكينهم من أداء دور الاستخلاف في الأرض بفاعلية وكفاءة.

يقدم الإسلام تطبيقات شمولية تلائم نطاقات وجوانب متنوعة ومتضمنة في السياسات العامة. وهي تطبيقات قادرة على محاكاة قضايا إنسانية معاصرة ملحة، مثل تخفيف حدة الفقر، ومعالجة قضايا الصحة والتعليم والأخلاق، وتنظيم شؤون المواطنة والهوية، وقضايا التشغيل، وغيرها. وتأتي هذه المقاربة في محاولة لمعالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة من منظور إسلامي متجدد.

وتوفر هذه المنظومة بيئة خلاقة تسلط الضوء على جوانب متعددة تُطرح من منظور السياسة العامة في الإسلام، كما تفتح آفاقاً جديدة وحديثة تلائم بنية السياسة العامة في الإسلام وتسهم في بنائها. ولهذا، لا بد من وضع القيم الإسلامية كأساس في تحليل وصنع السياسات، سواء في المراحل الأولى لبروز المشكل الاجتماعي أو الاقتصادي، أو في مرحلة إعداد وتنفيذ هذه السياسة العامة. إن أهم خاصية في هذا النظام أنه يضع الإنسان باعتباره كائنا حيا في مركز صنع القرار السياسي من جهة، ويتم النظر في حقوق وحاجيات وضروريات المجتمع كقضية رئيسية ومركزية من جهة أخرى.

كما أن الإنسان هو نواة الجهد التنموي، وهو لب العملية التنموية، لذا يوليه الاقتصاد الإسلامي مكانته الواقعية، فيهدف إلى إصلاح معاش الأفراد، وتحسين مستواهم الاقتصادي والاجتماعي، بما يكفل الحياة الطيبة لهم، وفقا لمقاصد الشريعة الخمس[16].

خاتمة:

 في الختام، يؤكد هذا البحث على أن العلاقة بين السياسات العامة ومقاصد الشريعة ليست علاقة أخلاقية أو استدلالية، بل هي علاقة هيكلية وإبستمولوجية تحدد جوهر الشرعية السياسية والفعالية التطبيقية.

لقد أوضحت النتائج أن السياسة العامة في الإسلام ترتكز على مبدأ التكليف الاستخلافي، المستمد من قوله تعالى: ” إني جاعل في الأرض خليفة “[17]. هذا التكليف ينشئ مسؤولية سياسية عليا أمام الخالق والخلق، تستوجب على السلطة الحاكمة صياغة سياسات تحافظ على الكرامة الإنسانية وتضمن الرفاه الاجتماعي والعيش الكريم وتحقق جميع احتياجات ومتطلبات الانسان. وبالتالي، فإن فشل مخرجات هذه السياسات في تحقيق النتائج التنموية في جميع الميادين الاجتماعية منها والاقتصادية الموعودة، يعرضها حتما لأزمة شرعية وللمسائلة والطعن في مصداقيتها على مستوى الرأي العام.

إن القوة المنهجية للإطار المقاصدي تكمن في كونه يوفر قواعد معيارية واضحة تضمن الحقوق، مع ترك المجال مفتوحا للابتكار المؤسسي والمرونة الإجرائية في اختيار سبل التطبيق. ويجسد هذا المبدأ القرآني الإلزام بالعدالة الإجرائية والتوزيعية، حيث يقول الله تعالى: ” يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى “[18]. هذا الإلزام بالقسط يجعل تحقيق العدل هو الغاية الكلية والنتيجة المرجوة لكل فعل سياسي يخدم المصلحة العامة.

إن السياسة العامة المؤصلة ضمن الإطار المقاصدي تمثل بجدارة النموذج البديل المنشود. هذا النموذج قادر على ترجمة القيم الإسلامية إلى مقررات استراتيجية تهدف إلى تحقيق المصلحة العليا للأمة وتلبية مطالب الحركات الاجتماعية التي تتطلع إلى عالم أكثر عدالة وشمولية.

ويبقى من أهم الإشكالات المفتوحة لآفاق البحث قولنا: بعد ترسيخ الرؤية النظرية والمنهجية: كيف يمكن للأنظمة السياسية المعاصرة، التي غالبا ما تعمل ضمن هياكل حكومية مستلهمة من نماذج ليبرالية وضعية، أن تفعل هذه المقاصد ك ” متغير مستقل ” في نماذجها الكمية والنوعية لصناعة السياسات، وهل تتطلب ترجمة المقاصد إلى ” مؤشرات أداء رئيسية ” وإعادة هيكلة جذرية للمؤسسات الحكومية نفسها؟.


لائحة المصادر والمراجع:

إليك قائمة المصادر والمراجع المستخلصة من الهوامش، مع حذف السور القرآنية وحواشي الصفحات التي لا تخص بيانات النشر، وترتيبها ترتيباً ألفبائيًا كاملاً:
قائمة المصادر والمراجع مرتبة ألفبائيًا

  1. ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق. مطبعة دار الكتب الغربية الكبرى.
  2. أبو حامد الغزالي، “الاقتصاد في الاعتقاد”، طبعة بيروت، دار ومكتبة الهلال، قدم له وعلق عليه وشرحه الدكتور علي بو ملحم، 1993م.
  3. جابرييل ألموند، بنجهام بويل، ”السياسة المقارنة، إطار نظري”، ترجمة محمد بشير المغازي، منشورات قازيونس، 1996.
  4. جمال الحمصي، فقه السياسات العامة نحو دولة ومجتمع الخير المشترك، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، الطبعة الأولى 2023م.
  5. طه جابر العلواني، المؤسسة في الإسلام تاريخا وتأصيلا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، سنة 2012م.
  6. عبد النور بزا، ما علاقة السياسة بالشريعة؟، مجلة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، 27/08/2024.
  7. عبد المجيد النجار، الأسس المنهجية الحاكمة للمقاربات الشرعية في المجال السياسي، المقاربة الشرعية المعاصرة للمفاهيم والموضوعات السياسية: قراءة في المنهج، مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة قطر، الطبعة الأولى، 2020.
  8. فؤاد عبد المنعم أحمد، السياسة الشرعية وعلاقتها بالتنمية الاقتصادية وتطبيقاتها المعاصرة، البنك الإسلامي للتنمية، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، جدة، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى 2001م.
  9. محمد خير موسى، هل في الإسلام نظرية سياسية؟ مرافعة تأصيلية شرعية وفكرية، مقال من مجلة الكترونية لاتحاد العالمي لعلوم المسلمين، الرابط المختصر https://iumsonline.org/ar/ContentDetails.aspx?ID=39972، 16/08/2025.
  10. مها يحي محمد أحمد حسين، تحليل السياسات العامة، التطور والمنهجية، مجلة كلية التجارة للبحوث العلمية، كلية التجارة، جامعة الإسكندرية، العدد الأول، المجلد الخامس والخمسون، يناير 2018، القاهرة.
  11. يوسف القرضاوي، “الدين والسياسة تأصيل ورد شبهات”. الطبعة
  12. Daniel Kubler, jaques de Maillard, analyser les politiques publiques’, presse universitaire de – Grenoble, France, 2009.

 

[1] ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، مطبعة دار الكتب الغربية الكبرى، الجزء الأول، ص: 5.

[2] Daniel Kubler, jaques de Maillard, analyser les politiques publiques’’, presse universitaire de – Grenoble, France, 2009, p9.

[3]  جابرييل ألموند، بنجهام بويل،” السياسة المقارنة، إطار نظري ”، ترجمة محمد بشير المغازي، منشورات قازيونس،1996، ص272.

[4]  جمال الحمصي، فقه السياسات العامة نحو دولة ومجتمع الخير المشترك، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، الطبعة الأولى 2023م، ص 39.

[5]  مها يحي محمد أحمد حسين، تحليل السياسات العامة، التطور والمنهجية، مجلة كلية التجارة للبحوث العلمية، كلية التجارة، جامعة الإسكندرية، العدد الأول، المجلد الخامس والخمسون، يناير 2018، القاهرة، ص 1.

[6] سورة الشورى، آية 13.

[7] سورة النساء، آية 58.

[8]  محمد خير موسى، هل في الإسلام نظرية سياسية؟ مرافعة تأصيلية شرعية وفكرية،  مقال من مجلة الكترونية لاتحاد العالمي لعلوم المسلمين، الرابط المختصر https://iumsonline.org/ar/ContentDetails.aspx?ID=39972، 16/08/2025، زيارة الموقع يوم 14/11/2025 على الساعة 10،45.

[9]  أبو حامد الغزالي،  الاقتصاد في الاعتقاد ، طبعة بيروت، دار ومكتبة الهلال، قدم له وعلق عليه وشرحه الدكتور علي بو ملحم، 1993م، ص: 256..

[10]  يوسف القرضاوي، ” الدين والسياسة تأصيل ورد شبهات ”، طبعة من إصدارات المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، دبلن 2007، ص: 64.

[11]  عبد النور بزا، ما علاقة السياسة بالشريعة؟، مجلة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين،27/08/2024،  https://iums.me/36088، تاريخ دخول الموقع 16/11/2025 على الساعة 12:10.

[12]  جمال الحمصي، مرجع سابق، ص 42.

[13]  طه جابر العلواني، المؤسسة في الإسلام تاريخا وتأصيلا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، سنة 2012م، ص 20.

[14] جمال الحمصي، مرجع سابق، ص 47-48.

[15]  عبد المجيد النجار، الأسس المنهجية الحاكمة للمقاربات الشرعية في المجال السياسي، المقاربة الشرعية المعاصرة للمفاهيم والموضوعات السياسية: قراءة في المنهج، مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة قطر، الطبعة الأولى، 2020.

[16]  فؤاد عبد المنعم أحمد، السياسة الشرعية وعلاقتها بالتنمية الاقتصادية وتطبيقاتها المعاصرة، البنك الإسلامي للتنمية، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، جدة، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى 2001م، ص 63

[17]  سورة البقرة، آية 90.

[18]  سورة المائدة، آية 8.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.