منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بيت القصيد …الامتلاء بوجود الله (١١) سلسلة “نتغير لنغير”

د.فاطمة الزهراء دوقيه

0

بيت القصيد …الامتلاء بوجود الله (١١) سلسلة “نتغير لنغير”

بقلم: د.فاطمة الزهراء دوقيه

ويصل حديث هذه السلسلة “نتغير لنغير” إلى خاتمتها، وقد تناولت ذلك الموضوع الذي لا ينتهي، طالما بقيت الحياة على هذه الأرض .. وطالما الإنسان هو الإنسان .. مجبول على الخطإ والغفلة والنسيان .. إنه موضوع تغيير ما بالأنفس حتى يتغير الواقع .. سنة الله قضاها لا تبديل ولها تحويل، والله تعالى يقول:﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ یَأۡتِیَكَ ٱلۡیَقِینُ﴾ الحجر:٩٩.

وتروم هذه المقالة أن تجمع القول وتصل إلى بيت القصيد .. وهو أن تغيير ما بأنفسنا ليتغير واقعنا، لا يتم إلا عبر تجديد الإيمان بدواخلنا، ليكون فاعلاً في حياتنا، ومقَوِّمَ سلوكنا، ليتحقق شرط فلاحنا في معاشنا ومعادنا ..

نعلم تلك القاعدة النحوية التي مفادها أن الفاعل مرفوع دوماً .. والعجيب أنها تنطبق على قضية الإيمان من حيث ما يجب أن يكون، فهو الذي لا يكون فاعلاً إلا حين يكون مرفوعاً .. وهو ما يحتاج منا إلى السعي وبذل الجهد، لا أن ننتظر ونتمنى أن يفعل فينا فعل السحر، فالدين ليس بالتمني، وليس كل من ادعى أمراً حصل له بمجرد دعواه، والله تعالى يقول:﴿لَّیۡسَ بِأَمَانِیِّكُمۡ وَلَاۤ أَمَانِیِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ﴾ النساء:١٢٣، فالقضية قضية عمل وسعي وجهد، وليس بمجرد التمني. ونحن نتلو قوله سبحانه:﴿وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡـَٔاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡیَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنࣱ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ كَانَ سَعۡیُهُم مَّشۡكُورࣰا﴾ الإسراء:١٩،﴿وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡیَهَا﴾، أي المطلوب السعي الحثيث المسبوق بالإرادة،﴿وَمَنۡ أَرَادَ﴾، وقد سبق تناول مسألة الإرادة كمنطلق وشرط في التغيير[1]، وفِي الآية تنبيه عَلى قانون “أنَّ إرادة كل شيءٍ لا بد لنجاحها مِنَ السعي في أسباب حصوله”[2]..

ولعل أول السعي لرفع الإيمان ليكون فاعلاً، رفع منسوب الوعي والعلم بكل ما أمرك به ربك، الذي يسبق الفعل والعمل، أو ليس أول ما فرضه الإسلام القراءة والعلم والوعي قبل كل الفرائض والواجبات:﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِی خَلَقَ ۝١خَلَقَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ۝٢ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ۝٣ٱلَّذِی عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ ۝٤ عَلَّمَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مَا لَمۡ یَعۡلَمۡ﴾ العلق:١-٥. وسبق وتناولنا مسألة القراءة والعلم كأول فرائض الإسلام ومنهج التغيير في مقالة خاصة [3].

وعلى رأس هذه القراءة والوعي علم ووعي لا إله إلا الله:﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥلَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ محمد:١٠.

والسؤال الذي يحضر هنا: ما مضمون هذا الوعي وما خلاصته؟ وما المطلوب فعله لتحقيق الرفع لتحقيق الفاعلية …

المطلوب ما تلخصه تلك العبارة الموجزة والعجيبة والرائقة “الامتلاء بوجود الله”.

في كتابه“التوحيد ومضامينه على الفكر والحياة” يحدثنا الفاروقي عن معنى فكرة الامتلاء بوجود الله؛ فيقول:”مفهوم الرب هو نواة الخبرة الدينية. ويعني الركن الأول من أركان الإسلام “لا إله الا الله”- ببساطة- مركزيةَ مفهوم الله بالنسبة للمسلم، في كل مكان، وفِي كل فعل، وفِي كل فكرة، وفِي كل زمان. فوعي المسلم ممتليء بوجود الله تعالى على الدوام، وهو شاغله الأسمى… إن بؤرة الخبرة الدينية الإسلامية مشغولة بإله واحد أحد صمد، ليس كمثله شيء، إرادته لا معقب عليها، وهادية لكل جوانب حياة الإنسان على الأرض”[4].

وهذا المفهوم “الامتلاء بوجود الله” يذكرنا بحديث معلم الأرض لما أتاه معلم السماء يعلمه ويعلمك؛ سأل الأمين الأمين عليهما الصلاة والسلام: ما الإحسان؟ فأجابه:”أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك”[5]؛ أي أنك لما علمت أن الله يراقبك، وينظر إليك، وهو الأقرب إليك من حبل الوريد، ينبغي أن تتقن عملك، وأن تكون مرضيًا له متقياً له في كل حركاتك وسكناتك ..

“الامتلاء بوجود الله“، انشغال برقابته وشهادته، ولا يكون الامتلاء امتلاءً، ولا الوعي وعياً، ما لم يظهر أثره في حسن سلوك، ونبل أخلاق، وإتقان عمل، وتحرك فاعل في الحياة، وقيام استخلافي في الأرض حيث تقف، وبما تستطيع، وعمرانٍ للحياة بالخير والصلاح والإصلاح، أداءً للعبادة الحقة لله تعالى ..

فالحديث هنا إذاً عن الامتلاء الحقيقي، الذي ليس من خصائصه الهشاشة، ولا الانكسار، وكم من امتلاء ليس بامتلاء، بل خواء ونفخ في الهواء !!!

وكيف لا نمتلئ بوجود الله وقد هدانا السبل، فعلينا التوكل: ﴿وَمَا لَنَاۤ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا﴾ إبراهيم:١٢، وجعل بين أيدينا آيات الكتابين:

  • الأول: فيه ما شرعه لنا الله عز وجل من أصول عبادته ..

وكيف لا نمتلئ بوجود الله وَنحن نرتاد أعظم مدارس الروح، مدارس الإسلام التغييرية العليا، من حج وصوم وزكاة، وأعظمها تلك التي لا نظير لها، التي نرتادها كل يوم عدة مرات؛ جعلها سبحانه وتعالى لتقيم علينا الحجة، فهي الوسيلة الربانية الأنجعَ بين أيدينا، اليومية المتكررة للتربية على القيم، لتغير ما بأنفسنا وحياتنا والعالم من حولنا، إنها “الصلاة” ..

وعجبا لأمر هذه الشعيرة، ولكل ما ارتبط وحف بها من شروط ومقدمات، وتضمنته من كلمات وحركات وهيئات!!! التي رأينا -في مقالات سابقة-كم أن دروسها غزيرة ومعانيها عميقة!!

بل عجباً لأمر كل العبادات،كلها بلاغات وهدايات تُضمرُ.. وتبلغ بها الدروس والعبرُ.. وتغرس من خلالها القيم والمعاني والأفكارُ.. مقصدها سُقيا شجرة الإيمان، ليبنى الوعي، ويتحقق الرفع، فيتيسر أن يكون الإيمان فاعلاً.. فلنمعن الفكرة، ونشحذ الهمة، ونجدد العهد من أجل المهمة ..

إنه الامتلاء بوجود الله وما يعنيه من الوعي والعلم من طريق شرع الله وآياته في الكتاب المحفوظ سطراً وصدراً..

  • الثاني: الكتاب المنظور الحي المتحركة آياته الفاعلة كلماته أمام أنظارنا ..

وكيف لا نمتلئ بوجود الله، ونحن محاطون ومحاصرون ومنغمسون متمرغون في نعم الله متقلبون وملتفون فيها وبها، إن أردنا إحصاءها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، ولن نعرف كيف .. وكل آية من الايات حولنا، بل ونحن أنفسنا الآية العظمى، غاية الإبداع الإلهي ..

يفترض ألا نمر على هذه الآيات مرور الكرام، بل أن نمتلئ من خلالها بوجود الله، فنشحن بالطاقة، فيرتفع فينا منسوب النشاط والفاعلية. يفترض أن نزداد وعياً شديداً برقابته وشهادته علينا، أن نتذكر عهدنا له، لما شهدنا ألا إله إلا الله.

لا يمكننا إلا أن نمتلئ بوجود اللَّهِ ونحن وسط آياته ونعمائه، والله تعالى يقول:﴿سَنُرِیهِمۡ ءَایَـٰتِنَا فِی ٱلۡـَٔافَاقِ وَفِیۤ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَلَمۡ یَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥعَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ شَهِیدٌ﴾ فصلت:٥٣.

شهيد لا يغيب عنه مطلقاً أي شيء في ملكوته، قائم بكل شيء، وكل شيء راجع وساعٍ إليه، متوقف على أمره ..

ومَن هَذا شَأنه: كيف يليق بِالعِباد أن يعصوه، وأن يغفلوا عنه، كيف يليق بهم أن يسعوا في الأرْضِ بِالفَسادِ والطغيان والظلم وقهر المسكين واليتيم والضعيف، وفعل المنكرات، وسوء الخلق؟!!.. مالهم لا يرجون لله وقاراً؟ .. كيف يفعلون ومن هذا شأنه جل وعلا شهيد عليهم قاهر فوقهم؟.. أحسبوه أنه خلقهم وخلق لهم، ووضع لهم قوانين الكون والنُّظُم، ونثر لهم النعم، وانتهى دوره عند ذلك ؟!!! .. من ظن ذلك به، وجوزه عليه؛ فَهو مِن أبعد الخلق مِن معرفته المعرفة الحق، وأجهل بمعنى “لا اله الا الله”. وصدق الشاعر لما قال:      فَيا عَجَباً كَيفَ يُعصى الإِلَهُ  ****   أَم كَيفَ يَجحَدُهُ الجاحِدُ

وَفي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ     ****   تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ واحِدُ

وَلِلَّهِ في كُلِّ تَحريكَةٍ     ****    وَتَسكينَةٍ أَبَداً شاهِدُ

إن شهادته الدائمة عَلى كل شيء التي لا تحجزها قيودُ، وقدرته التي لا تحدها حدود، وقيامه وقيوميته على خلقه التي لا تحسبها مدد، كل ذلك يَأْبى منا الغفلة، والعصيان، والكسل، والخمول، والجمود واليأس وكل مساوئ الدنيا كُلَّ الإباءِ، بل يأبى علينا إلا الامتلاء بوجود الله..

ومن عجيب رحمة الله وعنايته بنا، أن دعانا إلى الإيمان به وتوحيده، فانزل علينا الايات المتلوات المسطورات في القرآن، كما نظَمَ لنا الايات المنظورات في الأنفس وفِي الافاق المنبهات المذكرات لنا على الدوام، ليرينا كل ذلك الحق فلا ننساه، وتذكرنا بالعهد لنجدده، ولتملأنا بوجوده ونحسن الفعل، ولا نغفل عنه، ونُحضر الفكر، ونُشغل الذكر، ولا نترك الدنيا إلا وقد خلفنا الأثر ..

والعجيب أنه لما يأمرنا بالإيمان، فوسط استعراض فعالية الكون وحركته ونشاطه، ويسألنا: أفلا تعقلون؟ أفلا تنظرون؟ أفلا تؤمنون؟ أفلا تذكرون؟ أفلا تنتهون؟ أفلا تفكرون؟ أفلا تبصرون؟

فكل ما خلقه الله يسبحه ويحمده إيمانًا:﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِیهِنَّۚ وَإِن مِّن شَیۡءٍ إِلَّا یُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦوَلَـٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِیحَهُمۡ﴾ الإسراء:٤٤، وفي نفس الوقت يسبحه نشاطاً وفاعليةً، وحركةً وفعلاً خدمةً وتسخراً لنا؛ فالشمس تجري لمستقر لها، والقمر منازل في فلك يسبحون، والسماء تمطر علينا ماء، والأرض تنبت جنات وحب الحصيد، والنخل باسقات، والجبال تشد الأرض رواسي أن تميد بنا وأنهارًا وسبلاً، والرياح تجري تحمل لنا سحاباً ثقَالاً من كثرة ما فيها من الماء.

إن الكون كله ينبض بالحركة والحياة مسخراً لنا حاملاً لنا الرزق والخير والبركات، بأمر الله وحكمه ..

وهكذا يضرب الله لنا الأمثال كيف يكون الإيمان الفاعل، بأن أرانا هذا الكون المؤمن المسبح المطيع، نشيطاً متحركاً معمراً، متسخراً لخدمتنا، فأين تسبيحنا وفاعليتنا ونشاطنا وتسخّرنا لخير أنفسنا ولغيرنا وللإنسانية جمعاء؟!

القصد من كل هذا، ألا نترك آية من آيات الله حولنا إلا ونغترف منها معاني الإيمان والانضباط والطاعة والتسبيح والتقوى والاستقامة على هدي صاحب الملكوت ..

هذا ولا يخفى من معاني قول الرسول الكريم ﷺ:«أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَهو يَرَاكَ».

إنه الامتلاء بوجود الله … الذي يريدنا الله أن نحققه، وهو يعلمنا الإيمان والتوحيد، ويرينا آياته في الآفاق والأنفس أينما ولينا وجوهنا، كما أرانا في الآيات وأحكام الوحي كلما تلونا ونفذنا..

إننا إذا امتلأنا استقمنا، وإذا استقمنا اتقينا وأطعنا وفعلنا ما يرضي ربنا في كل الأحوال وميادين الحياة، نقوم بمهامنا؛ نعمر الأرض بالخير والصلاح، ونتقي الفساد والطلاح.

وختاما .. وعود على بدء

إن “الفاعل لا بد مرفوع أبداً”، ولا شك أن حديث هذا الرفع طويل وذو شجون، وله مسائل وقضايا .. لكن هذه البقية علينا أن نخوضها بأنفسنا تجربةً .. فحسبنا ما مر  من مقالات وكلمات .. ليصل بنا المقام إلى النهاية .. وإسدال الستار على سلسلتنا “نتغير لنغير”، رجاء أن تكون موفقة مسددة قد وجدت طريقها إلى الوعي والفعل .. فما كان من صواب فمن الله وتوفيقه .. وما كان خطإ فمن تقصير ..


[1]– راجع مقالنا﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (2) سلسلة “نتغير لنغير”،  https://islamanar.com/we-change-to-change-2/

[2]– التحرير والتنوير، ١٥/٦٠.

[3]– راجع مقالنا:﴿ٱقۡرَأ﴾ أول فرائض التغيير(٤) سلسلة “نتغير لنغير”، https://islamanar.com/we-change-to-change-4/

[4]– التوحيد ومضامينه على الفكر والحياة، إسماعيل الفاروقي، طبعة ٢٠١٦، ص ٣٩و٤٥.

[5]– أخرجه مسلم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.