عشرُ ذي الحجة… نفحاتُ الطاعة ومواسمُ القرب
ذ. عبد المالك الادمعي
عشرُ ذي الحجة… نفحاتُ الطاعة ومواسمُ القرب
بقلم: ذ. عبد المالك الادمعي
يفضِّل الله سبحانه بعضَ الأزمنة على بعض، كما فضَّل بعض الأمكنة والبقاع، لحِكمٍ يعلمها سبحانه ورحمةً بعباده، فجعل لهم مواسمَ يتزوّدون فيها من الطاعات، ويتقرّبون إليه بالأعمال الصالحة، لتبقى القلوب متصلةً به، ولتجد الأرواح محطاتٍ تتطهّر فيها من غفلة الدنيا وأثقالها.
ومن أعظم هذه المواسم المباركة: عشرُ ذي الحجة، تلك الأيام التي رفع الله قدرها، وخصَّها بفضائل عظيمة، حتى صارت خيرَ أيام الدنيا وأحبَّها إلى الله تعالى.
فكما فُضِّل شهر رمضان على سائر الشهور، وفُضِّلت ليلة القدر على سائر الليالي، وفُضِّل يوم الجمعة على سائر أيام الأسبوع، فقد فُضِّلت عشرُ ذي الحجة على بقية الأيام، لما اجتمع فيها من الطاعات العظيمة والنفحات الإيمانية المباركة.
موسمٌ تجتمع فيه أمهات العبادات
تتميّز عشرُ ذي الحجة بأنها الموسم الوحيد الذي تجتمع فيه أمهات العبادات كلها؛ ففيها الصلاة، والصيام، والصدقة، والذكر، والحج، والأضحية، ولذلك كانت أحبَّ الأيام إلى الله تعالى.
أخرج البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من أيام العمل الصالح فيها أحبّ إلى الله من هذه الأيام -يعني أيام العشر -قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء.
ولعِظم شأنها أقسم الله بها في كتابه الكريم فقال:﴿ وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾. سورة الفجر 1‑2
وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن المقصود بها عشرُ ذي الحجة، وإقسام الله بها دليلٌ على شرفها وعلو منزلتها.
فضلُ العشر للحاجِّ وغير الحاج
ومن رحمة الله تعالى أن فضل هذه الأيام لا يقتصر على الحجاج وحدهم، بل يشمل المسلمين جميعًا في مشارق الأرض ومغاربها.
فالحاج يعيش في هذه الأيام أعظم مشاهد الإيمان والطاعة؛ يطوف بالبيت العتيق، ويسعى بين الصفا والمروة، ويقف بعرفة منكسر القلب، راجيًا رحمة الله ومغفرته.
أما غير الحاج، فله نصيبٌ واسع من الخير والأجر؛ بالصيام، والذكر، وقراءة القرآن، والصدقة، وصالح الأعمال. وكأن هذه الأيام رسالة ربانية لكل مسلم: إن أبواب القرب من الله مفتوحة للجميع، فمن لم يبلغ البيت الحرام بقدميه، فليبلغه بقلبه الصادق وعمله الصالح.
ومن أعظم أعمال البر في هذه الأيام: إعانة الحجاج وخدمتهم، وكفالة أسرهم، وقد قال النبي ﷺ»: من جهز غازيًا أو حاجًّا، أو خلفه في أهله بخير، كان له مثل أجره « أخرجه ابن ماجه
الصيام في عشر ذي الحجة
يُعد الصيام من أفضل الأعمال في هذه الأيام المباركة، وخاصة صيام يوم عرفة.
وقد ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت»: ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قط « رواه مسلم
وبيَّن العلماء أن هذا لا يدل على ترك فضل الصيام فيها، وإنما قد يكون النبي ﷺ تركه أحيانًا لعذرٍ أو خشية المشقة على الأمة، وقد ثبت عن بعض أزواجه ﷺ أنه كان يصوم تسع ذي الحجة.
ولهذا استحب العلماء الصيام فيها استحبابًا شديدًا، لا سيما يوم عرفة.
يومُ عرفة… يومُ المغفرة والعتق
ويُعد يوم عرفة أعظم أيام العشر، بل من أعظم أيام الدنيا كلها، وقد اختصه الله بفضائل عظيمة؛ فهو يوم إكمال الدين، وإتمام النعمة، ويوم العتق من النار، وخير أيام الدعاء.
قال ﷺ»: ما من يومٍ أكثرَ من أن يُعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة «.رواه الإمام مسلم
وقال ﷺ في فضل صيامه»: أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده « رواه الإمام مسلم .
أما الحاج، فلا يُستحب له صيام يوم عرفة، لأن الأفضل في حقه أن يتفرغ للدعاء والذكر والابتهال.
التكبير… شعارُ هذه الأيام
ومن أعظم السنن في عشر ذي الحجة: الإكثار من التكبير والتهليل والتحميد، قال ﷺ»: ما من أيّام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد «.رواه الإمام أحمد
وكان الصحابة رضي الله عنهم يرفعون أصواتهم بالتكبير في الأسواق والمساجد والبيوت، حتى تمتلئ الأجواء بذكر الله وتعظيمه.
ومن أشهر صيغ التكبير: “الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد”.
وما أحوج الأمة اليوم إلى أن تحيا بمعاني هذا التكبير؛ فالله أكبر من الظلم، وأكبر من الطغيان، وأكبر من كل قوةٍ تتجبر في الأرض.
يومُ النحر والأضحية
وتُختَم هذه الأيام المباركة بيوم النحر، وهو أعظم الأيام عند الله تعالى، وفيه تُقام صلاة العيد، وتُذبح الأضاحي تقربًا إلى الله وإحياءً لسنة إبراهيم عليه السلام.
وليست الأضحية مجرد عادةٍ اجتماعية، بل هي معنى عظيم من معاني الطاعة والبذل والتسليم لله تعالى.
ومن السنة لمن أراد الأضحية أن يُمسك عن أخذ شيءٍ من شعره وأظفاره حتى يضحي.
كيف نغتنم هذه الأيام؟
ينبغي للمسلم أن يستقبل هذه الأيام بالتوبة الصادقة والعزم على الطاعة، وأن يجعلها فرصةً حقيقية لتجديد إيمانه وتقوية صلته بالله، وذلك من خلال:
- المحافظة على الصلوات.
- الإكثار من الذكر والتكبير.
- قراءة القرآن وتدبره.
- الصيام، وخاصة يوم عرفة.
- الصدقة والإحسان إلى المحتاجين.
- صلة الأرحام وبر الوالدين.
- قيام الليل والدعاء والاستغفار.
- إدخال السرور على الفقراء والمحتاجين.
ختامًا
إن عشر ذي الحجة ليست أيامًا عابرة، بل نفحاتٌ ربانية قد تكون سببًا في تغيير حياة الإنسان كلها. والسعيد حقًّا من اغتنمها بالقرب من الله، وأحيا فيها قلبه بالطاعة، وجعلها بدايةً جديدة في سيره إلى الله.
فاللهم بلّغنا هذه الأيام المباركة، وأعنّا فيها على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واكتب لنا فيها القبول والمغفرة والعتق من النار.