منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أحوال المصطفى ﷺ مع أرباب الذنوب|| سلسلة في رحاب المصطفى ﷺ  

رشيد كريم

0

أحوال المصطفى ﷺ مع أرباب الذنوب|| سلسلة في رحاب المصطفى  

بقلم: رشيد كريم

الحمد لله، غافر الذنب، وقابل التوب، وساتر العيب، سبحانه يغفر ذنوبَ المذنبين كرماً، ويعفو عن المسيئين حلماً، يحب من عباده أن يستغفروه ليلاً ونهاراً، فيغفر لهم إنه كان غفاراً.
وأصلى وأسلم على من أرسل الله ُإليه قوله الكريم:(نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الحجر:49)
وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين، أما بعد:

إن حسنات حب رسول الله ماحيات للذنوب وبشائره تفتح باب الأمل لأصحابها

في هذه المقالة المتواضعة سنتحدث عن جانب من تعامله صلى الله عليه وسلم مع أرباب الذنوب

أحبتي لا يختلف اثنان أننا نعيش في زمن كثرت فيه المغريات و الملهيات، و الشهوات صارت تلاحقنا، دخلت الفتنة من كل باب و كثرت للمعاصي و الذنوب الأسباب، و فتحت لها الأبواب حتى ضاقت الأنفس، بل وصل الحال بالبعض الى القنوط و اليأس، فتأتي اليد الحانية متمثلة في أحوال و أقوال سيدنا محمد ﷺ  نبي التوبة بامتياز ، تأتي تطارد هذا القنوط و تجتثه من قلوب المنتسبين لجنابه الشريف المنيف، مفهمة لهم أن القنوط أخطر من الذنب، قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَّقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا اَ۬لضَّآلُّونَۖ ﴾الحجر: 56] ﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾يوسف: 87]

أخبرنا بني الرحمة والتوبة ﷺ أن الإنسان بطبعه خطاء ولكن خير الخطائين التوابون، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون. أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي.

إن الذنب والزلل أمور مغروسة في الناس إلا من عصمه الله تعالى من أنبيائه ورسله ولولا وجود الذنب والخطأ في الإنسان لتعطل كثير من صفات الله تعالى التي ارتضاها لعباده كصفة العفو والرحمة والتوبة …و إن الله حذر عباده من الذنوب و نهاهم عن المعاصي و مع ذلك فإن الله تعالى فتح لهم أبواب التوبة على مصارعها، و لم يقنط أحدا من رحمته، و بين أنه أرحم الراحمين ، و أن رحمته وسعت كل شيء ، و أن المرء بمجرد توبته يجد ربا غفورا رحيما عفوا يمح سيئاته و يكفر خطاياه ، بل يبدلها حسنات ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾
الفرقان: 70]

لقد حفلت الآيات القرآنية ببيان هذه الرحمات الالهية المتدفقة، وببث روح الأمل في قلب كل مذنب

قال الله تعالى ﴿۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾الزمر: 53]

الله يخاطب الذين بلغوا حد الإسراف والمبالغة في ارتكاب المعاصي إنها الرحمة الواسعة التي تسع كل معصية. كائنة ما كانت وإنها الدعوة للأوبة. دعوة العصاة المسرفين الشاردين المبعدين في تيه الضلال. دعوتهم إلى الأمل والرجاء والثقة بعفو الله. إن الله رحيم بعباده. وهو يعلم ضعفهم وعجزهم. ويعلم العوامل المسلطة عليهم من داخل كيانهم ومن خارجه. ويعلم أن الشيطان يقعد لهم كل مرصد. ويأخذ عليهم كل طريق. ويجلب عليهم بخيله ورجله. وأنه جاد كل الجد في عمله الخبيث! ويعلم أن بناء هذا المخلوق الإنساني بناء واه. وأنه مسكين سرعان ما يسقط إذا أفلت من يده الحبل الذي يربطه والعروة التي تشده. وأن ما ركب في كيانه من وظائف ومن ميول ومن شهوات سرعان ما ينحرف عن التوازن فيشط به هنا أو هناك؛ ويوقعه في المعصية وهو ضعيف عن الاحتفاظ بالتوازن السليم. .

يعلم الله – سبحانه – عن هذا المخلوق كل هذا فيمد له في العون؛ ويوسع له في الرحمة؛ ولا يأخذه بمعصيته حتى يهيئ له جميع الوسائل ليصلح خطأه ويقيم خطاه على الصراط. وبعد أن يلج في المعصية، ويسرف في الذنب، ويحسب أنه قد طرد وانتهى أمره، ولم يعد يقبل ولا يستقبل. في هذه اللحظة لحظة اليأس والقنوط، يسمع نداء الرحمة الندي اللطيف:

قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله. إن الله يغفر الذنوب جميعاً. إنه هو الغفور الرحيم. .

وليس بينه – وقد أسرف في المعصية، ولج في الذنب، وأبق عن الحمى، وشرد عن الطريق – ليس بينه وبين الرحمة الندية الرخية، وظلالها السمحة المحيية. ليس بينه وبين هذا كله إلا التوبة. التوبة وحدها. الأوبة إلى الباب المفتوح الذي ليس عليه بواب يمنع، والذي لا يحتاج من يلج فيه إلى استئذان – في ظلال القرآن للشهيد سيد قطب –

وصف الله تعالى نفسه فقال ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾سورة طه: 82]

ولقد جاء القرآن بجميع صيغ المبالغة، فجاء قوله غفار، غافر، غفور، ذو مغفرة، تواب، قابل التوب، عفو، رحيم، واسع المغفرة …

وها هو نبي الرحمة يغرس هذا المعنى في قلوب الناس، فيروي عن ربه عز وجل قوله ﴿يا عِبَادِي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ﴾

الراوي: أبو ذر الغفاري – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – خلاصة حكم المحدث: صحيح

ويقول ﷺ: قال الله ﴿يا ابنَ آدمَ! إنك ما دعوْتَنِي ورجوتني غفرتُ لك على ما كان فيك ولا أُبالي، يا ابنَ آدمَ! لو بلغت ذنوبُك عنانَ السماءِ ثم استغفرتني غفرتُ لك ولا أُبالي، يا ابنَ آدمَ! إنك لو أتيتني بقُرابِ الأرضِ خطايا ثم لقيتَني لا تُشركُ بى شيئًا؛ لأتيتُك بقُرابِها مغفرةً.

الراوي: أنس بن مالك – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الترغيب – التخريج: أخرجه الترمذي واللفظ له، وأحمد مختصراً بمعناه

قال الله تعالى: ﴿۞ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾آل عمران: 133]

وأخبرنا ﷺ أن الله تعالى فتح باب توبته لعبده مهما كان منه من ذنوب

﴿إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يبسُطُ يدَه باللَّيلِ ليتوبَ مسيءُ النَّهارِ، ويبسُطُ يدَه – يعني بالنَّهارِ – ليتوبَ مسيءُ اللَّيلِ، حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ من مغربِها﴾

الراوي: أبو موسى الأشعري – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – خلاصة حكم المحدث: صحيح

بل إن رسول الرحمة ﷺ كان يحبب عباد الله إلى الله بما يغرسه في نفوسهم من لطفه وحنانه ورحمته حيث يتفنن ﷺ في الأساليب لفتح الأفاق أمام أمته …

قال ﷺ ﴿لَلَّهُ أفْرَحُ بتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِن رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وبِهِ مَهْلَكَةٌ، ومعهُ راحِلَتُهُ، عليها طَعامُهُ وشَرابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنامَ نَوْمَةً، فاسْتَيْقَظَ وقدْ ذَهَبَتْ راحِلَتُهُ، حتَّى إذا اشْتَدَّ عليه الحَرُّ والعَطَشُ أوْ ما شاءَ اللَّهُ، قالَ: أرْجِعُ إلى مَكانِي، فَرَجَعَ فَنامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فإذا راحِلَتُهُ عِنْدَهُ.

الراوي: عبد الله بن مسعود – المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري – خلاصة حكم المحدث: صحيح – التخريج: أخرجه مسلم باختلاف يسير

الله أشد فرحا بتوبة العبد من صاحبنا براحلته

الله يفرح بتوبتنا وهو الغني عنا.

الله يحبنا ولا يريد أن يعذبنا.

وعن ابن عباس عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: ﴿إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذلكَ، فمَن هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، كَتَبَها اللَّهُ له عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، فإنْ هو هَمَّ بها فَعَمِلَها، كَتَبَها اللَّهُ له عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ، إلى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ، ومَن هَمَّ بسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، كَتَبَها اللَّهُ له عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، فإنْ هو هَمَّ بها فَعَمِلَها، كَتَبَها اللَّهُ له سَيِّئَةً واحِدَةً.

الراوي: عبد الله بن عباس – المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري – خلاصة حكم المحدث: صحيح – التخريج: أخرجه مسلم باختلاف يسير

و عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال :﴿إنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ، وآخِرَ أهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْها، رَجُلٌ يُؤْتَى به يَومَ القِيامَةِ، فيُقالُ: اعْرِضُوا عليه صِغارَ ذُنُوبِهِ، وارْفَعُوا عنْه كِبارَها، فَتُعْرَضُ عليه صِغارُ ذُنُوبِهِ، فيُقالُ: عَمِلْتَ يَومَ كَذا وكَذا كَذا وكَذا، وعَمِلْتَ يَومَ كَذا وكَذا كَذا وكَذا، فيَقولُ: نَعَمْ، لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُنْكِرَ وهو مُشْفِقٌ مِن كِبارِ ذُنُوبِهِ أنْ تُعْرَضَ عليه، فيُقالُ له: فإنَّ لكَ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فيَقولُ: رَبِّ، قدْ عَمِلْتُ أشْياءَ لا أراها هاهُنا. فَلقَدْ رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ضَحِكَ حتَّى بَدَتْ نَواجِذُهُ﴾.

الراوي: أبو ذر الغفاري – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – خلاصة حكم المحدث: صحيح –

التخريج: من أفراد مسلم على البخاري

وإن نظرة سريعة إلى تعامل مولانا رسول الله ﷺ مع المذنبين والعصاة لتنبئك عن عظمته ورأفته و رحمته، فكيف لا وهو الرؤوف الرحيم بالموسوم بالرحمة للعالمين. وإليكم بعض النماذج

عن ابي هريرة قال: بيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قَالَ: ما لَكَ؟ قَالَ: وقَعْتُ علَى امْرَأَتي وأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ: لَا، فَقَالَ: فَهلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا. قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَكَثَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَبيْنَا نَحْنُ علَى ذلكَ أُتِيَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ – والعَرَقُ المِكْتَلُ – قَالَ: أيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: أنَا، قَالَ: خُذْهَا، فَتَصَدَّقْ به فَقَالَ الرَّجُلُ: أعَلَى أفْقَرَ مِنِّي يا رَسولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ ما بيْنَ لَابَتَيْهَا – يُرِيدُ الحَرَّتَيْنِ – أهْلُ بَيْتٍ أفْقَرُ مِن أهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى بَدَتْ أنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: أطْعِمْهُ أهْلَكَ.

عن ابي هريرة قال : ﴿أُتِيَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ برَجُلٍ قدْ شَرِبَ، قَالَ : اضْرِبُوهُ -قَالَ أبو هُرَيْرَةَ : فَمِنَّا الضَّارِبُ بيَدِهِ، والضَّارِبُ بنَعْلِهِ، والضَّارِبُ بثَوْبِهِ- فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ القَوْمِ : أخْزَاكَ اللَّهُ ! قَالَ: لا تَقُولوا هَكَذَا؛ لا تُعِينُوا عليه الشَّيْطَانَ﴾. وفي روايةٍ عند البُخاريِّ: ﴿لا تَكونوا عَوْنَ الشَّيطانِ على أخيكم

الراوي: أبو هريرة – المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري – خلاصة حكم   المحدث: صحيح

التخريج: من أفراد البخاري على مسلم

فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن رجلاً على عهْدِ النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله، وكان يُلَقَّبُ حِمَاراً، وكان يُضحِكُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدْ جلدَه في الشَّراب (الخمر)، فأُتيَ به يوماً فأمَرَ بِهِ فجُلِدَ، فقال رجلٌ مِن القوم: اللَّهُمَّ العَنْه، ما أكثر ما يُؤتَى به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿لا تَلْعَنُوه، فوالله ما عَلِمْتُ إلَّا أنه يُحِبُّ اللهَ ورسولَه﴾ رواه البخاري. وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم لمن لعَنَه: ﴿لا تلعنْه فإنه يحبُّ اللهَ ورسولَه﴾.

هكذا كان رسول الله ﷺ، هكذا كان عطفه وحلمه، هكذا حبب القلوب في التوبة وقربها من ربها وأطمعها في رحمته.

كان ﷺ يأتيه الرجل أو المرأة معترفا بذنبه مقرا بخطئه، فلم يكن يفرح لزلة واحد منهم أو يبادر بالعقوبة، بل كان يعرض عنه ليعطيه الفرصة أن يستغفر ربه بل ويلقنه كلمات لتعفيه من الخطأ

عن أنس رضي الله عنه قال: ﴿كُنْتُ عِنْدَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي أصَبْتُ حَدًّا، فأقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ: ولَمْ يَسْأَلْهُ عنْه، قَالَ: وحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى مع النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمَّا قَضَى النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الصَّلَاةَ، قَامَ إلَيْهِ الرَّجُلُ فَقَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي أصَبْتُ حَدًّا، فأقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ: أليْسَ قدْ صَلَّيْتَ معنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فإنَّ اللَّهَ قدْ غَفَرَ لكَ ذَنْبَكَ. أوْ قَالَ: حَدَّكَ﴾.

الراوي: أنس بن مالك – المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري – خلاصة حكم المحدث: صحيح

التخريج: أخرجه البخاري واللفظ له، ومسلم

لم يسأله ﷺعن ذنبه مع تتكرارِه للسُّؤالِ بعد الصَّلاةِ، وإنَّما قالَ له: «أليْسَ قدْ صلَّيتَ مَعنا؟» فأخبره أن صلاته سبب في غفران ذنبه، خُصوصًا وقدِ انضمَّ إليها ما أشَعَرَ بإنابتِه وندمه على هذا الذنب، وهذا مِصداقٌ لقول الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ هود: 114

عن عمران بن حصين قال: أنَّ امرأةً قال في حديثِ أبانٍ من جهينةَ أتت النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالت إنَّها زنت وهي حُبلَى فدعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وليًّا لها فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسِنْ إليها، فإذا وضعت فجِئْ بها. فلمَّا أن وضعت جاء بها، فأمر بها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فشكت عليها ثيابَها، ثمَّ أمر بها فرُجِمت، ثمَّ أمرهم فصلَّوْا عليها. فقال عمرُ: يا رسولَ اللهِ، تُصلِّي عليها وقد زنت؟ قال: والَّذي نفسي بيدِه! لقد تابت توبةً، لو قُسِّمت بين سبعين من أهلِ المدينةِ لوسِعتهم، وهل وجدت أفضلَ من أن جادت بنفسِها

خلاصة حكم المحدث: صحيح -الراوي: عمران بن الحصين – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح أبي داود – التخريج: أخرجه أبو داود واللفظ له، ومسلم، والنسائي، بلفظ مقارب، وابن ماجه مختصرا.

و عن بريدة الأسلمي: أنَّ مَاعِزَ بنَ مَالِكٍ الأسْلَمِيَّ أَتَى رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي قدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَزَنَيْتُ، وإنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَرَدَّهُ، فَلَمَّا كانَ مِنَ الغَدِ أَتَاهُ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي قدْ زَنَيْتُ، فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ، فأرْسَلَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إلى قَوْمِهِ، فَقالَ: أَتَعْلَمُونَ بعَقْلِهِ بَأْسًا؟ تُنْكِرُونَ منه شيئًا؟ فَقالوا: ما نَعْلَمُهُ إلَّا وَفِيَّ العَقْلِ مِن صَالِحِينَا، فِيما نُرَى، فأتَاهُ الثَّالِثَةَ، فأرْسَلَ إليهِم أَيْضًا فَسَأَلَ عنْه، فأخْبَرُوهُ أنَّهُ لا بَأْسَ به، وَلَا بعَقْلِهِ، فَلَمَّا كانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ له حُفْرَةً، ثُمَّ أَمَرَ به فَرُجِمَ. قالَ: فَجَاءَتِ الغَامِدِيَّةُ، فَقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي قدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي، وإنَّه رَدَّهَا، فَلَمَّا كانَ الغَدُ، قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، لِمَ تَرُدُّنِي؟ لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كما رَدَدْتَ مَاعِزًا، فَوَاللَّهِ إنِّي لَحُبْلَى، قالَ: إمَّا لا فَاذْهَبِي حتَّى تَلِدِي، فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بالصَّبِيِّ في خِرْقَةٍ، قالَتْ: هذا قدْ وَلَدْتُهُ، قالَ: اذْهَبِي فأرْضِعِيهِ حتَّى تَفْطِمِيهِ، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بالصَّبِيِّ في يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقالَتْ: هذا يا نَبِيَّ اللهِ قدْ فَطَمْتُهُ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إلى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بهَا فَحُفِرَ لَهَا إلى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا، فيُقْبِلُ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ بحَجَرٍ، فَرَمَى رَأْسَهَا، فَتَنَضَّحَ الدَّمُ علَى وَجْهِ خَالِدٍ، فَسَبَّهَا، فَسَمِعَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ سَبَّهُ إيَّاهَا، فَقالَ: مَهْلًا يا خَالِدُ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لو تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ له. ثُمَّ أَمَرَ بهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ.

الراوي: بريدة بن الحصيب الأسلمي – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – خلاصة حكم المحدث: صحيح-التخريج: أخرجه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة))، والبيهقي في ((السنن الصغير)) واللفظ لهما، وأحمد، وابن أبي شيبة مختصرا.

صاحبُ مَكْسٍ هو مَن يأخذُ مالَ الناسِ ظلماً وعدواناً، وهو مَن يجمعُ الضّرائبَ بغير حقٍّ بطريق الماكِسِ أو العَشّارِ، وهذا العمل من الكبائر في الإسلام ويُعَدّ من أقبحِ الذنوبِ التي توعَدُ بالعقابِ الشديد، ويُشبه في حكمه فعلَ قطّاعِ الطريقِ، حيثُ يُعذّبُ عليه في نارِ جَهَنَّمَ

تأمل عزيزي القارئ كيف أن هذه الصحابية انهزمت في معركتها مع الشيطان، فاقترفت فاحشة الزنا، فأقبلت إلى نبي الرحمة (لقد زنيت فطهرني يا رسول الله)

نبي الرحمة يعلم كيف يكون التطهير،إنه رجم بالحجارة حتى الموت ،ولكنه ﷺ لا يريد إثبات التهمة بل أن تستر نفسها و تتوب فيما بينها وبين ربها ، فييح عنها وجهه الشريف كأنه ما سمع اعترافها ، فتأتيه من الجهة الأخرى فيشيح بوجهه فالتطهير يعني الموت و مع إلحاحها يقبل الشفيق الرحيم عليها فتخبره بجرمها فيجعل لها مهلة (اذهبي حتى تضعي ما في بطنك) ظنا من الرحيم ﷺ أن فترة الحمل تطفئ حرقتها ، فتعود بوليدها ، فيضرب لها مدة ثانية (اذهبي حتى تفطميه) هذه المرة المدة سنتين ، لكن شعور هذه المرأة بالذنب كان أقوى ، فأتت بعد سنتين و قد فطمت وليدها ، فأقام النبي ﷺ عليها الحد.

أرأيتم محاولات النبي الرحيم كيف كان يستر برحمته في الختام نؤكد أن الأصل فيمن رأى المنكر أن يقوم بالإنكار على فاعله مع الستر عليه وعدم التشهير به، لما ورد في قصة ماعز ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ﷺ قال لرجل من أسلم يقال له هزال ﴿يا هزال لو سترته بردائك لكان خيرا لك﴾ فهذا فيمن لم يكن مجاهراً بالمعصية، فإذا كان مجاهراً ومفتخرا بالمعصية فإنه يجوز الكلام عنه لردعه وردع غيره حتى لا تنتشر الذنوب ولا يُتهاون بشأن المعصية

قال الحافظ في الفتح: ” وقد ذكر النووي أن من جاهر بفسقه أو بدعته جاز ذكره بما جاهر به، دون ما لم يجاهر به ..
لا شك أن المذنب والعاصي له حق على مجتمعه، يتمثل في نصحه وتقويم اعوجاجه بأفضل الطرق وأقومها، فلو أن المسلمين ـ وخاصة الدعاة ـ اقتدوا برسول الله ﷺ، وبذلوا جهدهم في النصح للعاصي بهذا الأسلوب النبوي الكريم الرحيم الشفيق، وما فيه من رفق وستر، وشفقة ورحمة، لأثروا بأسلوبهم في العصاة والمذنبين، تأثيراً يجعلهم يسارعون لتنفيذ أوامر الله، ويتمسكون بهدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ

اللهم صل على سيدنا محمد نبي الرحمة والتوبة الذي أرسلته رحمة للعالمين اجعلنا على أثره رحمة في العالمين آمين و الحمد لله رب العالمين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.