الْبَلَاءُ الْمُبِينُ|سلسلة خطبة الجمعة
الأستاذ بن سالم باهشام
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
عباد الله، يقول تعالى في سورة الكوثر: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر) [الكوثر: 1-2]. فالصلاة ونحر الأضاحي؛ هما عبادتان تعبِّران عن شكر الإنسان لله على عطاياه الكثيرة.
والأضحية: هي ما يذبح من بهيمة الأنعام أيام عيد الأضحى بسبب العيد، تقرباً إلى الله عز وجل، وهي من شعائر الإسلام المشروعة بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلّم ، وإجماع المسلمين. فمن الكتاب قوله تعالى من سورة الكوثر :( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)، وقوله تعالى من سورة الأنعام : (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: 162، 163]، والنسك في الآية يقصد به الذبح، كما قال سعيد بن جبير، وقيل: جميع العبادات؛ ومنها الذبح، وهو أشمل . وقال تعالى في سورة الحج: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ، فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) [الحج: 34].
أما الدليل من السنة النبوية على مشروعية الأضحية، ما جاء في صحيح البخاري ومسلم، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ : (ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ) . [رواه البخاري ( 5558 و 5564 و 5565 )، ومسلم (1966)]. وما رواه أحمد والترمذي، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: (أَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ يُضَحِّي) [ رواه أحمد (4935) والترمذي (1507)]، وما رواه البخاري، عَنِ الْبَرَاءِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم- : ( مَنْ ضَحَّى قَبْلَ الصَّلاَةِ فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاَةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ) [رواه البخاري(5545).]، وروى البخاري في صحيحه،عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – كَانَ يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى).[رواه البخاري ( 5552 )]، وروى الترمذي، وغيره، وقال: حسن غريب، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا، وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا) [أخرجه الترمذي (4/83 ، رقم 1493) وقال: حسن غريب. وابن ماجه (2/1045 ، رقم 3126)، والحاكم (4/246، رقم 7523)، وقال : صحيح الإسناد. والبيهقي (9/261 ، رقم 18794)] وروى الحاكم، وقال : صحيح الإسناد، عنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْنَا : (يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الأَضَاحِىُّ؟ قَالَ : سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. قَالَ: قُلْنَا : فَمَا لَنَا فِيهَا؟ قَالَ : بِكُلِّ شَعَرَةٍ حَسَنَةٌ. قَالَ: قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالصُّوفُ، قَالَ : بِكُلِّ شَعَرَةٍ مِنَ الصُّوفِ حَسَنَةٌ ). [أخرجه الحاكم (2/422 ، رقم 3467)، وقال: صحيح الإسناد. وأحمد (4/368 ، رقم 19302)، وعبد بن حميد (ص 112، رقم 259)، والطبراني (5/197، رقم 5075) ، والبيهقي (9/261 ، رقم 18796)] . وقد ضحى صلى الله عليه وسلّم وضحى أصحابه رضي الله عنهم، وأخبر أن الأضحية سنة المسلمين، يعني طريقتهم .ولهذا أجمع المسلمون على مشروعيتها ، كما نقله غير واحد من أهل العلم .وذهب جمهور العلماء إلى أنها سنة مؤكدة ، وهو مذهب الشافعي، ومالك وأحمد في المشهور عنهما.
عباد الله، إن أضحية العيد هي سنة خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، وهي من شواهد عظمته؛ إذ أنه أعاد النظر في ثلاثة أشكال أساسية من أشكال العبادات القديمة، والتي كانت منتشرة في أنحاء العالم القديم، من العراق إلى سوريا، إلى مصر القديمة، وهي تقديم الأضاحي البشرية، وعبادة الأفلاك، وتأليه الملوك والأباطرة. ومن أمثلة تلك الأضاحي البشرية، ما يروى في مصر القديمة، من أنهم كانوا يُلقون كل عام امرأة شابة في نهر النيل، من أجل أن يفيض النهر في موعده، وحتى لا يتسبب في فيضانات مدمرة.
عباد الله، نحن في أمسِّ الحاجة اليوم الذي أصبحت فيه الأضحية مباهاة ورياء، أو تكلفا بما لا يطاق، وتجارة لامتصاص دماء الفقراء المعوزين، إلى إعادة اكتشاف المعاني الروحية والاجتماعية للدين، ومن تلك المعاني؛ اكتشاف المضمون العميق لمفهوم الأضحية، والانتقال بها من عبادة القرابين والطقوس، إلى طهارة الروح وتزكية النفوس، ومن الأضاحي والدماء، إلى معرفة معاني التقوى الكامنة في التضحية والفداء. قال تعالى في سورة الحج: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) [الحج: 37]
عباد الله، عندما أمر الله خليله إبراهيم عليه السلام بأن يُضحّي بأعزِّ ما لديه، وهو ابنه الوحيد الذي انتظر ميلاده سنوات طويلة، قال تعالى في سورة الصافات: (قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ، قَالَ: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ، سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) [الصافَّات: 102]، لم يكن الله عز وجل يريد أن يرى عنق إسماعيل مقطوعًا، ولكنه أراد لخليله إبراهيم عليه السلام، أن يكتشف عمق محبة الله المحتجبة وراء الألم، وقساوة البلاء المبين ، وكيف أن للمحبة ثمنًا يزداد غلاء كلما كانت المحبة أعظم قدرًا. والأضحية تكون أكثر قربًا لله، كلما كانت محبتها أعظم في قلب عبده، ولا يملك الإنسان أضحية هي أعظم من نفسه ليقدمها لمحبوبه الأعظم. قال تعالى في سورة التوبة: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ، فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) [التوبة: 111]
عباد الله، إن التضحية تولد من أحشاء المحبة، وحقيقة التضحية؛ هي أن يعطي الإنسان محبوبه أعز وأعظم ما لديه، ومن هذه الحقيقة ندرك مدلول سورة الكوثر. (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر)
عباد الله، هذا إبراهيم عليه السلام، يسأل الله تعالى الذرية الصالحة،( رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)، فيستجيب الله له على الفور، (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ )، ويأتي بعد هذا العطاء الامتحان والبلاء المبين (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى، قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ )، وينجح إبراهيم عليه السلام وأسرته في الامتحان، وتأتي بشرى الفداء من الله تعالى (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ) [ سورة الصافات: 100 – 111]
عباد الله، جميل أن نشتري الأضحية، ولا نبتغي بها رياء ولا سمعة، ولا انسياقا وراء التقاليد المخالفة للشرع، ونذبحها ونأكل منها ، ونطعم الفقير والمسكين، ونجمع الأهل والأقارب والجيران، ونطعمهم منها، ولكن للأضحية معنى أعظم من ذلك، لقد تم الفداء لسيدنا إسماعيل عليه السلام فلذة كبد سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، وسار الرسول صلى الله عليه وسلم على سنة أبيه إبراهيم عليه السلام، وهنا يأتي السؤال: لماذا كان هذا الامتحان والذي سماه القرآن الكريم ب( البلاء المبين) فقال سبحانه في سورة الصافات: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ)، شيخ كبير طعن في السن، وبلغ من الكبر عتيا، وامرأته عاقر، واشتاقا إلى الذرية، فسألا الله تعالى أن يهبهما من الصالحين، واستجاب الله دعاءهما، وامتحنه الله الامتحان الأول بترك زوجته وابنه في مكان قاحل لا زرع فيه ولا ضرع، ولا طير ولا شجر ولا بشر، ولا ماء ولا طعام ولا شراب، ويرفع يديه إلى السماء واثقا بالله، ومتضرعا لله الرحمن الرحيم، قال تعالى في سورة إبراهيم: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) [إبراهيم: 37]، ويستجيب الله لدعاء نبيه، فينبع الماء رقراقا ثجاجا في أرض قاحلة إلى قيام الساعة، وتهوي الأفئدة إلى ذلك المكان ويمتلئ بشرا، ويكبر الابن إسماعيل عليه السلام، ويشتد أوده، ويري الله عبده إبراهيم في المنام أنه يذبح ابنه، ورؤيا الأنبياء وحي، فيستجيب لنداء الله، مرة ثانية ، فيأخذ ابنه إلى مكان قفر ليضحي به، إنها أولا تنقية قلب الخليل من كل حب إلا حب الله، وهنا استحق الفداء، فالأضحية تنقية لقلب المؤمن، ورجوع به إلى الأصل، فهذا الدم الذي يسيل من الأضحية، هو بديل للدم الذي يسيل من المسلم، فهل أوقفنا في عيد الأضحى ونحن نضحي، شلالات دماء المسلمين التي تراق بينهم، وإذا كنا نحن لا نرى عدونا الشيطان اللعين، والذي يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، فإن إبراهيم عليه السلام، أكرمه ربه فأراه إبليس لعنه الله، والذي اعترض طريقه حتى لا يستجيب لأمر الله في شأن ذبح ابنه، فرجمه إبراهيم عليه السلام، في العقبة الكبرى، ورجمته مولاتنا هاجر في العقبة الوسطى، كما رجمه سيدنا إسماعيل في العقبة الصغرى، وهذه هي الأماكن الثلاثة التي أدخلها الله تعالى تكريما لهذه الأسرة الطائعة، ضمن شعائر الحج، فنرجم الشيطان في منى يوم العيد، وثلاثة أيام التشريق، فهل رجمنا الشيطان في نفوسنا، كما رجمته هذه الأسرة النموذجية؟ حجاجا كنا أو مسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ونحن نضحي بأضاحي العيد، استجابة لسنة الحبيب المصطفى صلوات الله عليه وسلامه عليه، لنبعد الشيطان عن نفوسنا، هل استحضرنا عمق الأضحية التي قال تعالى في شأنها في سورة الحج: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) [الحج: 37]، فتغيرت نفوسنا ، ورقت واستجابت لخالقها وهي تمارس شعيرة هي شكل من أشكال التضحية، هل نضحي بشجعنا وطمعنا، وحسدنا وحقدنا وتنافرنا على أي مستوى من المستويات، هل نضحي بالاحتكار والأنانية والغش ونحن نذبح الأضحية، إذ ليس المهم أن تكون الأضحية من البلد الذي نعيش فيه ولادة ومنشأ، أو مستوردة من الخارج، فالمواشي كلها مواش ومخلوقات تختلف في الاسم، وتتساوى في المضمون؟
عباد الله، إن التضحية التي يجب أن نستحضر ونحن نشتري الأضاحي، ونذبحها يوم العيد تقربا إلى الله، وفرحا بنعم الله علينا، تعني؛ التخلي عن النفس ورغباتها في سبيل العدل والإحسان. فالأضحية ليست مجرد عبادة قربانية تقدَّم لآلهة غاضبة خوفًا منها، أو استرضاءً لها، وإنما هي عطاء يعبِّر عن المحبة والشكر اللّذَين يستشعرهما المؤمن تجاه من وهب له الحياة والوجود.
عباد الله، إننا في أمس الحاجة إلى قومة روحية، تنتقل بالفكر الديني، من التضحية بالبشر تقربًا إلى الله، إلى التضحية بالنفس ورغباتها إحسانًا للبشر ومحبة لله. قومة تجعلنا ندرك أن التضحية ليست أن نقدم الآخر قربانًا على مذبح الذات، وإنما التضحية أن نقدم الذات قربان محبةٍ لمن نعرف ومن لا نعرف. وهذا هو البلاء المبين.
عباد الله، ما جدوى ملايين الأضاحي التي تذبح كل عام في أيام عيد الأضحى، دون أن يذبح المؤمن في نفسه رغبة الكراهية، وشهوة الانتقام، أو دون أن ينتصر على أنانيته وعصبيته العرقية والطائفية؟! يمكن لمفهوم الأضحية العميق، أن يصحح المفاهيم المغلوطة للجهاد، والتي جعلت منه محرقة قرابين بشرية، تتنسَّمها آلهة غاضبة تشتهي رؤية الدماء والأشلاء، قال تعالى في سورة الحج: (لن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ) [الحج: 37].
عباد الله، هناك جوانب نفسية واجتماعية عديدة تحتاج إلى دراسة أوسع للعبادات القربانية التي شاعت بين عموم أتباع الأديان، لعلَّها تعالج العلاقة بين خوف الإنسان من الموت، واعتباره حدثًا مرغوبًا، بل واحتفاليًّا في بعض الأحيان. واليوم، ومع أن الأضاحي البشرية على مذابح الآلهة لم تعد موجودة، إلا أن مجتمعاتنا الإنسانية ما تزال تقدم الأضاحي البشرية، وأشلاء الأطفال، والأبرياء، على مذابح الصراعات السياسية والاقتصادية….
عباد الله، يجب أن نتعلم من قصة إبراهيم عليه السلام، أن التضحية هي من أجل الحياة والإنسان، وليست تضحية بالحياة والإنسان. فالأضحية في معناها الأعمق، ليست مجرّد كبش أملَح يُذبح ليُؤكل، وإنما هي نفس زكية تطعم الطعام وتهب السلام لخلق الله جميعًا. فالأضحية عطاء، والعطاء يبلغ ذروته عندما يهب الإنسان حياته رحمة للناس جميعًا. وهذه هي العقبة الواجب اقتحامها، قال تعالى في سورة البلد: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) [البلد: 11 – 17]
عباد الله، مثلما أن التدين فيه شكل ومضمون، ظاهر وباطن، فالشعائر الدينية، هي عبارة عن أشكال وحركات ومضامين، ولا تؤدي الغرض منها إلا اذا استقرت في النفوس سلوكا وطباعا، فإن الأضاحي تبقى أشكالا مهما كانت، إلا إذا حصلنا على النتيجة منها، فهل ستغير الأضحية منا حالنا إلى أحسن الأحوال، أم أننا نمارس طقوسا لا نلتفت إلى مضامينها، وهذا عكس المطلوب من العبادات ومنها الأضاحي. ؟! والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.