مولد النبوة نور حرر البشرية من الظلم والظلام
مولد النبوة نور حرر البشرية من الظلم والظلام/ الأستاذ محمد الغالي
مولد النبوة نور حرر البشرية من الظلم والظلام
بقلم: الأستاذ محمد الغالي
فاتحة:
الأنبياء رحمة من الله لعباده في الأرض وهم الوسطاء بين البشر وخالقهم، بهم تم إنقاذ البشرية وحفظها من الظلم والظلام والزيغ والضلال، تعاليمهم وحدة متكاملة من مصدر واحد تشترك في مضمون خالد هو الايمان بالله وحده والالتزام بمنهجه في الحياة؛ استقامة وعدلا. “رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما” الحديد،25. وهي حكمة إلهية حتى لا يحتج البشر بأفعالهم وكفرهم ومنكراتهم ويتعللوا بأنهم لم يأتيهم من يرشدهم ويدلهم على الخالق سبحانه وتعالى. ومن المنطق الرباني أن يكون للبشرية نبي كامل خاتم يختم الله به الرسل والرسالات، يكمل به الدين ويتم به الشرع الحنيف؛ فكان مولد الإمام الأعظم، البشير النذير، السراج المنير، النعمة والرحمة المهداة للعالمين “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” الأنبياء،105.
أولا: ولادته صلى الله عليه وسلم نور
أعلنت الدنيا حالة الطوارئ لاستقبال محرر البشرية من الظلم والظلام، يخبر بذلك الغيب من السماء وتشهد على ذلك الأحداث والوقائع على الأرض. فقد أخبرتنا كتب السير والتاريخ أن مولده عليه أفضل الصلاة وازكى التسليم كان في السنة التي وقعت فيها حادثة أصحاب الفيل،” ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل” الفيل،1. لقد آن الأوان لتحرير الكون من ظلم البشر وتسلط الطغاة وتحرير الانسانية من كل فساد واستبداد. مولده عليه السلام نور أزال الله به الظلم والظالمين، وهي سنة كونية وحكمة ربانية سائرة في خلقه إلى يوم القيامة. إن إحياء سنته واتباع هديه صلى الله عليه وسلم إحياء للأمة وخلاص للبشرية من كل ظلم وظلام وظالم.
وروى ابن حبان عن ابن عباس أن آمنة بنت وهب قالت: “لقد علقت به، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما وجدت له مشقة حتى وضعته، فلما فصل مني خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق إلى المغرب”. فكانت البشرية في حاجة ماسة إلى نور ينير دربها وسراج منير تهتدي به في طريقها وتنقشع به الظلمة ويبدد به الظلم والظلام في مشارق الأرض ومغاربها، فجاء مولد الهدى الذي حرر البشرية من العبودية، وكانت أول مستفيد من هذه الحرية المرأة “ثويبة” جارية أبي لهب عم محرر النساء من الرق والظلم والاستحياء. نور أيقظ الأمة ووحدها ونشر الهدى على أرضها، روى الإمام احمد والحاكم، أنه صلى الله عليه وسلم قال: “أنا دعوة إبراهيم وبشرى عيسى، رأت أمي حين حملت بي كأن نورا خرج منها أضاءت له قصور من أرض الشام” فمولده نور أخرج الناس من الظلمات إلى النور، ارتجس من قوة نوره إيوان كسرى وتساقطت محاسنه، وخمدت من أثر نوره نار فارس ولم يعد لها لهيب، المولد النبوي نور يحيي القلوب وينير العقول ويرشدها لاتباع طريق النور وهديه، وبنوره تزول كل آثار الشرك والكفر والطغيان.
ثانيا: طفولته صلى الله عليه وسلم نور
الذات الشريفة كلها نور، فهو صلى الله عليه وسلم في طفولته نور أضاء الله به دار مرضعته حليمة السعدية وقبيلتها، نور ملأ بهائمهم لبنا ولحما، وأخصب أراضيهم ماء وعشبا، نور أغدق عليهم من الخير والبركات ما لم تراه أعينهم بعد سنين من الجذب والجفاف. نور زاده الله نورا بعملية جراحية بدون دم او تعقيم تولى أمرها بأمر ربهم جبريل عليه السلام لكيلا يبقى للشيطان موطنا أو حظا في قلب نبي الرحمة، ذكر القصة الامام مسلم في صحيحه، قال أنس بعدها” وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره”. ليست مجرد حادثة ذكرتها كتب السيرة وخلدتها كتب التاريخ، وإنما هي مرحلة مهمة للاعتبار والاستبصار، شاب نور الله قلبه وعقله وجسمه لتحمل ما سيأتيه من قول ثقيل وأحداث ومهام جسام، كان أول الغيث فقدانه لأمه ولما يبلغ السابعة من عمره، ثم فقدانه لجده آخر سند له لكي يصبح يتيم الأب والأم والجد وهو في الثامنة من عمره، حكمة ربانية من رب العزة حتى لا يدعي أحد تربيته أو تأديبه وهو القائل علية الصلاة والسلام: أدبني ربي فأحسن تأديبي.
ثالثا: شبابه صلى الله عليه وسلم نور
- شباب نبوي تميز بثلاث خصال:
أولاها أثر نوره في الكد والعمل، فليس من شأن الرجال أن يقعدوا، كما يقول الإمام الغزالي، وهذه عادة الأنبياء من قبله، فقد كانوا يأكلون من عمل أيديهم، ويحترفون مهنا ليعيشوا على كسبها. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:” ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة”، ولم يكن عليه السلام كغيره من شباب مكة يشتهي اللهو واللعب وما جاورهما، بل كان شبابه جد واجتهاد في الكد والكدح. وذكر ابن إسحاق في سياق سرده قصة سفر النبي صلى الله عليه وسلم بتجارة خديجة بنت خويلد إلى الشام أنها باعت ما جاء به في تجارتها ضعف ما كانت تبيع، فبارك الله لها في تجارتها بنور بركة محمد عليه الصلاة والسلام.
أما ثاني خصال شبابه صلى الله عليه وسلم فهي:
الطهارة والعفاف، فقد أحاط الله نبيه بنور حماه من أقذار الجاهلية، وملوثات الأخلاق ومدمرات الفضائل والمكارم، روى ابن اسحاق في سيرته كما ذكر ابن هشام وصحح ذلك الحاكم والذهبي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشرب الخمر قط، ولم يسجد لصنم قط، ولم تعرف عنه الخيانة ولا الكذب ولا الغش. والتصقت به صفات الصدق ونال درجة الأمين، فكان في شبابه عليه السلام: الصادق الامين. وبعدما عصمه الله من اللهو والفسق ورفقة الفجور ختم فترة شبابه بزواجه من الطاهرة العفيفة في قومها خديجة بنت خويلد فأتم له النور بمولد الطيب الطاهر وعبد الله والقاسم ونور بيته بأم كلثوم ورقية وزينب وفاطمة. سنة للشباب المسلم بالزواج طلبا للطهارة والعفاف والذرية الحسنة التي تعبد الله ولا تشرك به.
وأما ثالثة الأثافي في شباب المصطفى صلى الله عليه وسلم هي مشاركته الفعالة في قضايا مجتمعه. روى الامام أحمد بن حنبل في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي به حمر النعم، وأني أنكته” هذا تسميه كتب السيرة بحلف الفضول، وهو عبارة عن جمعية خيرية أو منظمة حقوقية مهمتها نصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم. فكانت مشاركته صلى الله عليه وسلم في مجتمعه نور يخدم مصلحة الضعيف والمظلوم ويقف أمام الظالم والمستبد. ومشاركته في مثل هذه الأعمال الخيرية أكثر مما تحصى، فقد شارك في بناء الكعبة عندما اضطرت قريش لتجديدها بعدما أوشكت على الانهيار بسبب السيول والأمطار وكان ينقل الحجارة بنفسه على كثفيه، ونال ثوبه الشريف نقل الحجر الكريم الأسود ووضعه في مكانه من الكعبة بعدما كادت تشتعل حرب العصبية الجاهلية بين قبائل قريش، نور أطفأ الله به ظلام الجاهلية وأرشد به البشرية إلى الهداية والحرية والعدالة.
رابعا: بعثته صلى الله عليه وسلم نور
قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: “فلما كمل له أربعون، أشرف عليه نور النبوة، وأكرمه الله تعالى برسالته وبعثته إلى خلقه واختصه بكرامته وجعله أمينه بينه وبين عباده”.
ويا حسرتاه على قساوة حياة ذلك الانسان وخسارتها حينما لا يؤمن بنور النبوة ولا يعرف صاحبها، فالعباد مضطرون فوق كل ضرورة لمعرفة ذلك، لأنه لا سبيل للسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة إلا على أيدي الرسول الكريم، ولا سبيل لرضا الله تعالى ومعرفة الخبيث من الطيب إلا على يديه وباتباع هديه ومنهجه عليه السلام. ويضيف ابن القيم” وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيجب على كل من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو فضل عظيم”.
لذلك فالاعتناء بهديه صلى الله عليه وسلم ومنهجه في الحياة، والسير وفق سننه وأخلاقه يعتبر من قبيل الضروريات لدى المسلم في كل الزمان. فالنجاة والسعادة في الدارين تكمن في محبة المصطفى واتباع هديه، جاء على لسان رسول الله قوله تعالى:” قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم” آل عمران،31.
خامسا: هجرته صلى الله عليه وسلم نور
كانت المدينة المنورة في حاجة ماسة لهذا النور وهي لما تتعافى من صراع الاخوة الأوس والخزرج ومكر اليهود وعبية الجاهلية وحكمها وتبرجها، نور أضاء أرض المدينة وسماءها واستبشرت بطلعته البدرية جميع المخلوقات من انس وجن وغيرهما، فقد روى الترمذي عن انس بن مالك قال:” لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء”. ولكي يبقى هذا النور خالدا مخلدا جعل له مسالك تبقى على مر الأزمان ويتجدد بها الدين والإيمان فكان المسجد النبوي أول بناء جامع لتربية المسلمين وتعليمهم، لأن المسجد في عصره صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين، كان عرين أسود، ورياض جهاد، ومدرسة جامعة، ومقر قيادة أركان جند الله، ومجلس شوراهم، ذلك أن بيت الله أحق البيوت أن ينطلق منها ويرجع إليها ويتجمع فيها ويتآلف جند الله كما يقول عبد السلام ياسين رحمه الله.
وإلى جانب ذلك قام صلى الله عليه وسلم بعقد الأخوة بين المسلمين أنصارا ومهاجرين حتى تسري المحبة وتتقوى الصحبة في الجماعة المؤمنة وتذوب العصبيات والنعرات القبلية الجاهلية. وبعد إرساء القواعد الأساسية للأمة الجديدة والمتمثلة في الوحدة العقدية والسياسية والنظامية بين المسلمين، بدأ بتنظيم العلاقة مع الأمم الأخرى من غير المسلمين وذلك لتوفير الأمن والأمان والسلامة والسعادة والحرية والخيرية للبشرية جمعاء.
سادسا: كلامه نور وطلعته نور وكله نور على نور صلى الله وسلم وبارك على النور
” لقد جاءكم من الله نور وكتاب مبين” المائدة،15 نور أنار الله به الحق وأمحق به الشرك وأظهر به الاسلام. روى الترمذي في السنن عن عبد الله بن سلام قال: لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة وانجفل الناس قبله، وجئت في الناس لأنظر، فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال:” يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام” كلمات نور خرجت من فم النور كانت كافية ليعلن الحصين بن سلام إسلامه أمام نور النبوة فيصبح عبد الله بن سلام. كلامه صلى الله عليه وسلم نور واسمه النور وهو السراج المنير والهادي الى طريق النور، يصف ذلك ابن عباس كما جاء في كتاب الشفا بقوله:” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه”، كأن الشمس تجري في وجهه يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر كما يصفه أبو هريرة رضي الله عنه. فهو صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خَلقا وخُلقا مع حسن القلب والروح، ويكفيه وصف الله تعالى له:“وإنك لعلى خلق عظيم”القلم،5. أجمل الناس من بعيد وأحلاه وأحسنه من قريب؛ هكذا لخصت وصفته أم معبد البدوية وهي تصف نبي الرحمة.
خاتمة:
يعتبر مولد الحبيب صلى الله عليه وسلم نور يهتدي به الفرد المسلم في حياته، وبشرى للأمة جمعاء بالنصر والخيرية ” كنتم خير أمة أخرجت للناس”آل عمران،13.فقد أعطيت هذه الأمة بفضل مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم تناله أمة من قبل، أعطيت الخيرية بفضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأعطيت والشفاعة العظمى والرحمة والحكمة، ورفع عنها الاصر والأغلال وزادها رفعة وشرفا وتعظيما ولم يحملها ما لا طاقة لها به. مولده صلى الله عليه وسلم رسالة توحيد للقلوب والأبدان ومنارة للعقول ورافعة للهمم والعزائم والجهود. بكلمة واحدة المولد النبوي هو النور وهو النعمة العظمى التي تعد أصل كل النعم التي أنعم وينعم المنعم بها علينا سبحانه.
نعم ذهب نور الذات الشريفة وأظلمت المدينة بموته عليه السلام، ذهب نور الأعضاء وبريقها، لكن بقي نور كتابه القرآن وسنته وهديه، بقي نور الاسلام والايمان والاحسان، بقي نور العدل والشورى والجهاد، بقي نور الحب واللين والرفق، بقي الخير كله ما بقت الأرض والسماء، والله غالب على أمره. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد نور الدنيا والآخرة والحمد لله رب العالمين.