فوائد العمل التطوعي في الإسلام ومميزاته
فوائد العمل التطوعي في الإسلام ومميزاته / الدكتور مصطفى بوهبوه
فوائد العمل التطوعي في الإسلام ومميزاته
الدكتور مصطفى بوهبوه
يمكنكم الاطلاع على الكتاب أو تحميله من الرابط التالي:
المطلب الأول: فوائد العمل التطوعي في الإسلام
يحقق العمل التطوعي في الإسلام عدة فوائد في المجتمع؛ أذكر منها ما يلي:
أ ـــ الفوائد التربوية:
تحصيل الأجر والثواب من الله تعالى:
من جملة الفوائد التربوية التي يحققها العمل التطوعي ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم: “في كل كبد رطب أجر”، كما ورد عنه أن باللقمة الواحدة، أو التمرة الواحدة، تصبح في حجم الجبل، أو أكثر: “ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، تربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل. كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله”.
- مغرفة الذنوب:
إن أبواب التكفير عن الذنوب كثيرة، والعمل التطوعي من أعظم الأبواب للتكفير عن الذنوب قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة العنكبوت: الآية 7). ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: “الصدقة تطفئ غضب الرب”.
- ربط المسلم بعقيدته وزيادة الإيمان:
من فوائد العمل التطوعي في الإسلام ربط المسلم بعقيدته الصافية، من خلال تقديم النفع للإنسان، ودفع الضرر عنه، وبقدر انخراطه في العمل التطوعي والمساهمة فيه، يزداد إيمانه، وتصفو نفسه، ومن ثم ترتفع درجة الأخلاقية لديه، فيصبح مثله الأعلى من الوجهة الإحسانية، أن يكون ضمن الجماعة التي تنفق في سبيل الله مما تحب: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (سورة آل عمران: الآية 92).
ب ـــ الفوائد الاجتماعية:
- غرس الشعور بالأخوة:
يهدف العمل التطوعي إلى غرس الشعور بالأخوة بين المؤمنين، فالأخوة في الله، رابطة توجد بين شخصين أو أكثر بمجرد اشتراكهما في الانتماء إلى المنهج الرباني، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (سورة التوبة: الآية 11). كما جعل من الأخوة العلاقة الوحيدة بين المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (سورة الحجرات: الآية 10). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنا شهيد. أن العباد كلهم إخوة”.
- غرس الشعور بالمسؤولية الفردية والجماعية
إن من فوائد العمل التطوعي في الإسلام غرس المسؤولية الفردية والجماعية، فالفرد مسؤول عن ذاته وأقواله وأفعاله قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ (سورة النجم: الآية 40 ـ 41). والجماعة مسؤولة كذلك قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة الحجر 92ــ 93).
وتجسيدا لمضامين هذه المسؤولية فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت المؤمن شبعان وجاره جائع “ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع”، كما جسد المسؤولية الجماعية حينما قال :” أيما أهل عرصة بات فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله”. وقد جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة على كل شخص مثله، وقال : “لن يهلك أحد على نصف شبعه”.
ج ـــ الفوائد الاقتصادية
- تحرير المعاملات من الاستغلال:
يحرر العمل التطوعي المعاملات من الاستغلال، ومن الوسائل التشريعية الدّالة على ذلك القرض مثلا: فهذا الأخير باعتباره تبرعا بمنفعة إلى أجل، يحرر المقرض من الفائدة الربوية، وهذا مما لا يوجد في نظام من الأنظمة الوضعية الأخرى التي لا تعطي قروضا إلا وتشترط الزيادة الربوية، أو الفوائد عند السداد، وتتضاعف هذه الزيادة مع تأخير التسديد.
أما في التشريع الإسلامي فهذا غير موجود، وإنما المعروف أن القرض هو نوع من الأعمال الخيرية التي حثنا عليها ديننا الإسلامي، بدون أن يترتب على ذلك ربا أو فوائد، وهذا مما لا شك فيه، ينمي روح الإخاء، والتعاطف بين أفراد المجتمع، ويقضي على الأحقاد بينهم.
- تفجير المواهب والطاقات في الأمة.
من الفوائد الاقتصادية غاية في الأهمية تحريك عجلة الاقتصاد عن طريق تفجير المواهب والطاقات في صفوف الشباب والمعطلين عن العمل بتمكينهم من رأسمال لتأسيس مشروع مربح يمكنهم من النفقة عليهم وعلى أسرهم، وفي نفس الوقت يسهم في النهوض بالاقتصاد، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم سباقا لهذه المبادرة الطيبة ففي الحديث الذي رواه أنس رضي الله عنه أن” رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله، فقال: أما في بيتك شيء؟ قال بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء. قال: ائتني بهما، فأتاه بهما فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال : من يشتري هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين فأعطاهما الانصاري وقال: اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدوما فائتني به، فأتاه به فشد فيه رسول الله عودا بيده، ثم قال: اذهب فاحتطب وبع، أريتك خمسة عشر يوما ففعل. فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبا وبعضهما طعاما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة”.
ولم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرضى الفقراء أن يعتمدوا على الصدقات والعطايا ويعرضوا عن العمل واتخاذ المهنة، فكان يقول لهم في خطبه: “يا معشر الفقراء ارفعوا رءوسكم فقد وضح الطريق، فاستبقوا الخيرات ولا تكونوا عيالا على المسلمين”.
وكان يوصي الفقراء والأغنياء معا: أن يتعلموا المهنة فإنه يوشك أن يحتاج أحدهم إلى مهنة وإن كان من الأغنياء.
المطلب الثاني: مميزات العمل التطوعي:
يمتاز العمل التطوعي في الإسلام بخصائص تميزه عن غيره من الأعمال الأخرى، استمدها بانتمائه إلى شريعة الله تعالى التي اصطفاها واختارها لعباده المؤمنين، وهذه المميزات إنما تمثل فرعاً وامتداداً لأصول وجذور خصائص هذه الدين الإسلامي العظيم.
أ ـــ الطواعية والاختيار دون إلزام
من مميزات العمل التطوعي عن غيره من الإعمال أنه عمل اختياري ندب الشرع إليه ولم يوجبه يعني أن الفرد يلتزم به طواعية من غير إلزام لإبراز قوة إيمانه في البر والإحسان وتحصيل الأجر والثواب.
فالعمل التطوعي هو أمر مفتوح على مصراعيه خارج الإطار الواجب من الأعمال، وهذا المعنى هو نفسه ما وجدته عند السادة المالكية، قال الإمام الخرشي: “وهدي التطوُّع هو ما سيق لغير شيء وَجَبَ أو يجب في المستقبل”. فكل عمل ليس بواجب في بعده الآني أو بعده المستقبلي فهو من هدي التطوع عندهم، وهذا الإطلاق يقصد به مجال العبادات لكن يصح إطلاقه على مجالات أخرى للتطوع.
ب: عمل غيري نفعي
من مميزات العمل التطوعي أنه عمل غير عوضي بمعنى أن القائم به لا يقصد به نفع مادي أو معنوي دنيوي كالسمعة مثلا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (سورة الإنسان: الآية 8) قال الإمام السعدي في تفسيره هذه الآية: أي يقصدون بإنفاقهم وإطعامهم وجه الله تعالى، لا جزاء مالياً ولا ثناء قولياً.
فالسعي وراء تحصيل الأجر والثواب في الآخرة هو الهدف الأسمى للتطوع والباعث على تحقيق خاصية الإخلاص الصادق في النفع العام، وثقافة الأجر والثواب ثقافة راقية اختصَّت هذه الأمة بمعرفتها، وتحقيقها في ميادين الأعمال الخيرية، ولا أظن أن أمَّة غيرها تدرك هذه الثقافة أو تجاريها فيها، والمتطوع الراجي لثواب الله تعالى يقايض ربّه في شيء لا يدركه إلا أهل الإسلام، وبهذه الثقافة نستطيع أن نصل بالتطوع إلى إنجاز الكثير من المشاريع ذات النفع العام بصورة أكثر إتقاناً ممَّا نحن عليه اليوم.
ج: تنوع صوره وأساليبه
رغّب الإسلام في العمل التطوعي بشتى أنواعه وصوره، وأساليبه المتعددة؛ وذلك قصد تلبية حاجيات المعوزين والفقراء والمساكين، ومنح فرصة لكل من لديه الرغبة والقدرة في فعل الخير.
فقد يعمل على تحقيق المطالب المادية للمحتاجين، من مأكل ومشرب ومسكن وعلاج، وقد يعمل على تحقيق المطالب المعنوية للإنسان، مثل عيادة المريض ونشر المعرفة والثقافة. كما يحقق المطالب النفسية للإنسان، مثل إدخال السرور عليه، وزره الثقة في نفسه، ومطاردة شبح اليأس من قلبه.
وقد يحقق العمل التطوعي أمراً ضرورياً مثل إغاثة الملهوف ورعاية الأقارب، أو أمراً حاجياً مثل النِحلى والإعارة والسكنى والرقبى، أو أمراً تحسينياً مثل الدعاء للمريض وإفشاء السلام وتشميت العاطس.
والترغيب في العمل التطوعي والتنوع في أصنافه يؤكده الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قوله: (على كل مسلم صدقة، قالوا يا نبي الله فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق، قالوا فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قالوا فإن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروف وليسمك عن الشر فإنها له صدقة).
وصفوة القول: إن العمل التطوعي في الإسلام لا يقتصر على الإنفاق المادي فقط، بل يشمل آفاقا واسعة وكثيرة، تبدأ بحاجيات مادية من مأكل ومشرب وملبس وينتهي بحاجيات روحية. يقول الدكتور إبراهيم البيومي غانم: “العمل الخيري الذي يبدأ بأقل الأشياء “شق تمرة” كم في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصل إلى كل ما يملكه الفرد من أموال”.
د: الاستمرار في النفع، والأجر
يمتاز العمل التطوعي في الإسلام بثباته واستمراره، وعدم انقطاعه وخير مثال على ذلك مسألة الوقف، فالأصل فيه طلب ثباته واستمراره ودوامه، فقد صحّ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أم علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”. فالوقف عمل تطوعي وهو من أدوم الصدقات؛ لأن الأصل فيه البقاء وهو تحبيس الأصل وبقاؤه مع تسبيل الثمرة والانتفاع بها.