منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الصابر الجميل

الصابر الجميل/ د. أسامة الأشقر

0

الصابـــر الجميـــل

بقلم:د. أسامة الأشقر

1. الصبر الجميل فيكَ يعني أنّك نقيّ عافٍ، وتقيّ صافٍ، وأنّك ذو محبّة تامّة لا تزداد بالوفاء، ولا تنقص بالجفاء.

2. وذلك أنّه صافي التوحيد، شديد الحياء من ربّه الذي أغدق عليه المِنَح، وأجزل له النّعم، وهو عظيم الرضا عنه، يخاف من شكواه فلا يستعين بأحدٍ من بريّته بها، ولا يتبرّم ولا يتحرّم إلا لاستدعاء دعاء أو استيفاء دواء.

3. إذا أتاك البلاء تدرّبتَ على تلقّيه بثبات جَسور، حتى تشعر كأنّ قلبك قد حاد عن وجعه وذكراه، استضاف البلاء الحالّ بك بترحاب، أو كأنّ وجهَك يستبشر بمقدمه باستعذاب، وتعدّه سحابةَ صيف لا تلبث أن تتقشّع، وتظنّ في هذا البلاء أنّه خيرٌ أتى في صورة شرّ.

4. والصبرُ حسنٌ كلّه، فإذا أسفر عن الثبات والرضا فإنه يكون مُتناسباً جميلاً، وهو أحسنُ هيئات الصبر وأحواله، ولا يقلّل من ماهيّـته وخصائصِ جوهرهِ شيء، لكونه صبراً مَحْضاً متجانس المكوّنات، لا عَكارة فيه ولا شائبة.

5. وهذا الجمال في الصبر الذي هو من المعاني المرتبطة بالنفوس شأنُه جليلٌ عظيمٌ إذ يتطلّب ثبات الظاهر وسكون الباطن، واعتدال الانفعال، والتجرّد من الشكوى والدعوى، ويتأتّى ذلك أكثر عند توالي المصائب وتدافُعها وهَولها.

6. ومع أنّ الوجع الناشئ عن البلاء يتجدّد عليك بشهوده، فإنّك تصرّ ألا تشكو حالَك إلا إلى ربك، ولا تبثّ جزعك ليخاف الناس وينهاروا، ولا تعلن الشكوى في البلوى، فإن اتساع اللسان دليل على ضيق القلب، وليس ذاك من شأن الصابر الجميل.

7. وإنّ من كنوز البر كتمانَ المصائب واعتقال الأحزان، وقهر النفس وإكراهها على الخضوع لإرادة الله وتدبيره والرضا بذلك. لئِنْ كان كتمانُ المصائب مؤلماً … لَإعلانُها عندي أشدُّ وآلَمُ وبي كلُّ ما يُبكِي العيونَ أقلُّه … وإنْ كنتُ منه دائماً أتبسّم

8. سترى بالصبر الجميل أنّ أنين الصابر الراضي غير أنين الجَزوع الهَلُوع، وأنّ صياحَ المكروب الصابر تسبيحٌ، وتقلُّبَه من الوجع كالقتال في سبيل الله.

9. والصبر الجميل رأس الصبر وعنوان الثبات، ولا يؤتيه الله إلا لعبدٍ كريمٍ عنده، فهو من المعاملات الخاصّة بين العبد وربّه سبحانه، وهو من علامات المشتاقين ومقامات العارفين.

10. والصبر الجميل شرفٌ عظيمُ التحمُّل لا يناله اللؤماء، وهو شجاعة نادرة لا يستطيعها الجبناء ولا الضعفاء.

11. والصبر الجميل حصن مانعٌ من اختراق صاحبه، وهو يغيظ الأعداء، ويكسر نظرَهم، ويُربك حسابَهم، ويغيّر خططهم، ويعقّد تدبيرهم. فصبرٌ جميلٌ، واللهُ المستعان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.