منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

غزوة بدر استلهام للعبر حدث تاريخي وسنة من سنن الله المتجددة

أحمد خطابي

0

غزوة بدر استلهام للعبر
حدث تاريخي وسنة من سنن الله المتجددة

بقلم: أحمد خطابي

مقدمة:

إن يوم بدر هو يوم مشهود من أيام الله العظيمة، معركة بين المسلمين وكفار قريش وقعت في صبيحة يوم الاثنين 17/ رمضان / 2هـ، وقد سماه القرآن بيوم الفرقان، قال الله تعالى: ﴿يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ ۗ سورة الأنفال الآية 41. وتسميته بيوم الفرقان فيها دلالة عظيمة عن أنه كان يوما فاصلا بين الحق والباطل، وكونها يوما فاصلا بين مرحلتين تاريخيتين: مرحلة الاستضعاف التي عاشها المسلمون في بداية الدعوة، ومرحلة تثبيت الوجود الإسلامي كقوة قادرة على الدفاع عن نفسها وحماية رسالتها، ولهذا فمعركة بدر هي من المعارك الخالدة التي تركت بصماتِها على مسيرة الدعوة الإسلامية وعلى مستقبل الرسالة، ولها الفضل على أمة الإسلام أمة محمد ﷺ القائل في دعائها  الذي رواه مسلم والبخاري: “…اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعْبد في الأرض…” وفي هذا دلالة على فضل هذه الغزوة على سائرها من الأعمال والغزوات… ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: “فسُعُود الأيام ونحوسها: إنما هو لسعود الأعمال وموافقتها لمرضاة الرب، ونحوس الأعمال إنما هو بمخالفتها لما جاءت به الرسل، واليوم الواحد يكون يوم سعد لطائفة، ونحس لطائفة كما كان يوم بدر، يوم سعد للمؤمنين، ويوم نحس على الكافرين“.

صورة مختصرة عن الغزوة وظروف وقوعها:

مع استمرار قريش في سياسة الاضطهاد والقمع، وإصرارها على إيذاء المسلمين والتضييق عليهم في أنفسهم وأموالهم، رأى النبي ﷺ ضرورة اتخاذ خطوة حاسمة تردع قريش وتدفعها إلى إعادة التفكير قبل الإقدام على مثل تلك الأعمال. فبادر ﷺ مع المسلمين إلى محاولة قطع الطريق التجاري لقريش المتجه إلى الشام، وهو الشريان الاقتصادي الأهم الذي تعتمد عليه في تجارتها ورخائها. وقد أراد النبي ﷺ من هذه الخطوة ممارسة ضغط فعال على المشركين، وإضعاف معنوياتهم من خلال محاصرتهم اقتصاديا، إذ إن الحصار الاقتصادي يُعد وسيلة مؤثرة في دفع الدول والشعوب إلى مراجعة سياساتها وتغيير مواقفها.

خرج النبي ﷺ ومعه ثلاثمائة وثلاثة عشر من أصحابه متجهين للسيطرة على القافلة التجارية القادمة من الشام إلى مكة بقيادة أبي سفيان. وحين بلغ أبا سفيان خبر تحرك النبي ﷺ غيّر مسار القافلة واستنجد بقريش، فجاءته قريش بكل كبريائها وقوتها في جيش قوامه ألف مقاتل لحماية القافلة. عندها رأى أبو جهل أن الفرصة سانحة لتوجيه ضربة قاصمة للمسلمين، فقرر خوض المعركة.

وفي تلك اللحظة، ومع اقتراب المواجهة، لجأ النبي ﷺ إلى مشاورة أصحابه وإشراكهم في القرار، وهي خطوة غير مألوفة في ذلك العصر. وتذكر كتب السيرة أن المسلمين لما علموا بقدوم قريش أصابهم الخوف والجزع، فاستشارهم النبي ﷺ قائلاً: “أشيروا عليّ”. فكان من بينهم من رأى تجنّب المواجهة، معتبرين أن قريش لم تُهزم منذ عزّت، بينما أبدى آخرون استعدادهم للقتال. وهنا قال المقداد بن الأسود كلمته الشهيرة التي خلدها التاريخ. فقد أتى النبي ﷺ يوم بدر وهو يدعو على المشركين، فقال المقداد رضي الله عنه لرسول الله ﷺ: لا نقول كما قال قوم نبي الله موسى عليه السلام: اذهب أنت وربك فقاتلا، كما سجل القرآن عليهم: ﴿ قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ﴾ سورة المائدة الآية 24، قال المقداد رضي الله عنه: ولكنا نقاتل عدوك عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك، وخلفك، أي: نحيط بك، ونحميك من العدو من كل الجهات، وهذا القول يدل على صدق المقداد، وصدق الصحابة في إيمانهم، وجهادهم في سبيل الله. فذكر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حال النبي ﷺ لما سمع تلك الكلمات من المقداد، فقال: «فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه»، أي: استنار، وسره صلى الله عليه وسلم قول المقداد رضي الله تعالى عنه”. صحيح البخاري رقم الحديث:3952.

وبذلك بدأت معركة بدر، التي انتهت بهزيمة ساحقة للمشركين، حيث قتل منهم سبعون وأُسر مثلهم، بينما استشهد من المسلمين ما بين تسعة وأربعة عشر رجلا.

الدروس والعبر المستفادة من الغزوة:

هذه صورة مختصرة عن ظروف معركة بدر وملابساتها ونتائجها، وفيما يلي نتوقف عند أهم الدروس المستفادة من هذه المعركة الخالدة لنستلهم منها العبر ليومنا هذا:

الدفاع عن المستضعفين في الأرض:

إن أحد أهم الأهداف المشروعة للحرب في الإسلام هو رد الاعتداء، والدفاع عن المستضعفين والمضطهدين، ولا شك أن قريش كانت هي المعتدية على المسلمين فقد عذبتهم أشد العذاب وآذتهم وأخرجتهم من ديارهم بغير حق إلاّ أن يقولوا ربنا الله، وصادرت أموالهم، فمنهم من هاجر إلى الحبشة، ومنهم من هاجر إلى المدينة، ولهذا فقد كان المسلمون في موقع الدفاع ورد الاعتداء قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِینَ یُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُوا۟ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِیرٌ ۝ ٱلَّذِینَ أُخۡرِجُوا۟ مِن دِیَـٰرِهِم بِغَیۡرِ حَقٍّ إِلَّاۤ أَن یَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ) سورة الحج الآية 39. فالنبي ﷺ لم يقرر خوض هذه المعركة أو غيرها حبا في الحرب والقتال ولا بهدف الانتقام من قريش، بل كان يهدف عندما اعترض طريق القافلة التجارية أن يوقظ العقل المتغطرس عند عتاة القرشيين والذين وقفوا في وجه حرية الإنسان في اختيار العقيدة التي يقتنع بها، وأقفلوا كل أبواب التعايش السلمي مع المسلمين.

بعكس ذلك لا يسمح الإسلام مطلقا بالحرب والاقتتال، تحت أية مبررات كانت، ولهذا جاءت جميع الحروب التي دخلها المسلمون تحت هذا الشرط، حيث تعرضت دولة المسلمين إلى الفناء والتهديد الوجودي، عند ذاك دافع المسلمون عن دولتهم وأرضهم وأنفسهم وأموالهم، إذا فهي حرب نقية حرب الدفاع لا العدوان، وهو ما يدفع به المسلمون عن دينهم وديارهم وأموالهم وذريتهم، ضد من بدأهم بالظلم والعدوان والاستعمار والاستكبار.

الإشراك الجماعي والمشورة:

الدرس الثاني الذي نستلهمه من معركة بدر الشورى، ذلك المبدأ الذي يجمع العقول في عقل واحد، ويوفق إلى الصواب، ويجنب الخطأ، والشورى تكون في الأمور التي ليس فيها أمْر مِن الله، أو أمْر مِنْ الرسول صلى الله عليه وسلم، إذْ لا شورى مع وجود نص شرعي، وقد أمر الله بها نبيه ﷺ قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه﴾ سورة آل عمران الآية 159. ومع أن النبي ﷺ هو المعصوم المُسَدَّد بالوحي، ولكنه مع ذلك كان يشاور أصحابه وأهله ليؤصل هذا النهج الذي تستقيم به الأمة في حياتها، وفي غزوة بدر استشار النبي ﷺ أصحابه كثيرا: حيث شاورهم في الخروج لملاقاة عِير قريش وقال قولته المشهورة “أشيروا عليَّ أيها الناس”، واستشارهم عن أفضل مكان ينزلون فيه قبل المعركة، وأخذ برأي الحُبَاب بن المنذر ـ كخبير عسكري ـ وقال له: “لقد أشرتَ بالرأي”…

النبي ﷺ مارس الشورى وأخذ بالرأي في اختيارات واجهته في موقعة بدر، مما يبرز أهمية التخطيط العسكري والقيادة الرشيدة في الحروب، فالقيادة الاستراتيجية قد تقلب موازين القوى حتى مع ضعف الإمكانيات.

أسباب الانتصار

والدرس الثالث من دروس معركة بدر هو درس بالغ الأهمية يتصل بمعرفة أسباب النصر والهزيمة، فالكثرة العددية ليست ملازمة للانتصار كما أن القلة العددية لا تعني الهزيمة، قال تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ سورة البقرة، الآية 249، فهناك عدة عوامل تسهم في صناعة النصر، من أهمها: الإيمان بالله وأن النصر بيده ومن عنده سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌسورة الأنفال الآية 10.

ومن هنا يتضح أن عوامل النصر الحقيقية تتجلى في:

  • الإيمان الصادق بالله واليقين بأن النصر من عنده.
  • الثبات والعزيمة في مواجهة التحديات مهما عظمت.
  • الوحدة والتلاحم بين صفوف المؤمنين، إذ إن التفرق والاختلاف من أعظم أسباب الهزيمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ سورة الصف الآية 04.
  • الاستعداد النفسي والروحي قبل الاستعداد المادي، فالمعنويات العالية قادرة على قلب موازين القوى. قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ سورة الأنفال الآية 11.

وهكذا تُعلمنا بدر أن النصر ليس معادلة حسابية تُقاس بالأرقام، بل هو سنة إلهية مرتبطة بالإيمان واليقين والعمل الصالح، وأن الهزيمة قد تلحق بالكثرة إذا فقدت هذه المقومات، بينما قد تكتب الغلبة للقلة إذا توفرت لها أسباب النصر الروحية والإيمانية.

فكثير من حركات المقاومة في التاريخ الحديث انتصرت رغم قلة العدد والعدة، مستفيدة من الروح المعنوية والتنظيم، وبدر تقدم نموذجا للحروب غير المتكافئة، حيث الطرف الأضعف مادياً قد يحقق النصر إذا امتلك مقومات الإيمان والقيادة والتخطيط.

سنة الله والقانون الإلهي في النصر جاء في سورة الأنفال، النصر مرتبط بالتقوى والثبات، وهو ميزان صالح لكل زمان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.