منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حفظت اللغةُ العربيةُ القرآن فحفظها

حفظت اللغةُ العربيةُ القرآن فحفظها/إسماعيل هادي

0

حفظت اللغةُ العربيةُ القرآن فحفظها

بقلم: إسماعيل هادي

    الحمد لله الذي خص اللغة العربية لكلامه، وأنزل بحروفها قرآنه، وأغدق عليها من جماله وعظيم بيانه، وزادها شرفا أن جعلها لسان نبيه ﷺ؛ فأُعطي جوامع الكلم، وحفظ بها الذكر الحكيم، فحفظها من الزلل والعدم.

بقدسية اللغة العربية حفظ الله الذكر الحكيم:

    بُعِث الرسول ﷺ في قوم بلغ البيان العربي فيهم أوج عزَّته، وتفننت ضروب الفصاحة والبلاغة بأرقى أسلوب وأوضح بيان عرفته الدنيا، وانصبَّت جداول الفصاحة والبلاغة والبيان في قريش في مكة المكرمة مهبط الوحي ومحط الرسالة، فجاءت معجزة نبي الإسلام الكبرى، وكانت كلامًا معجزًا وأفكارًا حية نابضة خالدة خلود الزمن.(1)

    للغة العربية تأثير كبير في فهم القرآن وشرحه، ذلك لأنها “أفصح اللغات وأوسعها لاحتمال المعاني الدقيقة الشريفة مع الاختصار، فإن ما في أساليب نظم كلام العرب من علامات الإعراب، والتقديم والتأخير، وغير ذلك، والحقيقة والمجاز والكناية، وما في سعة اللغة من الترادُف، وأسماء المعاني المقيَّدة، وما فيها من المُحسِّنات، ما يلج بالمعاني إلى العقول سهلةً متمكنةً؛ فقدَّر الله تعالى هذه اللغة أن تكون هي لغة كتابه الذي خاطب به كافة الناس”.(2)

     قال ابن فارس في كتابه الصاحبي في فقه اللغة: “أجمع علماؤنا بكلام العرب، والرُّواة لأشعارهم، والعلماء بلغتهم وأيامهم ومحالّهم أنَّ قريشًا أفصح العرب ألسنةً، وأصفاهم لغةً، وذلك أنَّ الله جل ثناؤه اختارهم من جميع العرب، واصطفاهم، واختار منهم نبيَّ الرحمة محمدًا ﷺ ، فجعل قريشًا قطَّان حرمه، وجيران بيته الحرام، وولاته، فكانت وفُود العرب من حُجَّاجها وغيرهم يفِدُون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش في أمورهم، وكانت قريش تُعلِّمهم مناسِكَهم وتحكم بينهم.(3)

    يقول عبدالرحمن بن خلدون في كتابه المقدمة في فصل علوم اللسان العربي وأركانه أربعة: وهي اللغة والنحو والبيان والأدب، ومعرفته ضرورية على أهل الشريعة؛ إذ مأخذ الأحكام الشرعيَّة كلها من الكتاب والسُّنَّة وهي بلغة العرب ونقلتها من الصَّحابة والتابعين العرب، وشرح مشكلها من لغتهم، فلا بُدَّ من معرفة العلوم المتعلِّقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة.(4)

    وقال ابن تيمية: “فإن الله لما أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلِّغًا عنه الكتاب والحكمة بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين لم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان، وصارت معرفته من الدين”.(5)

    ويضيف قائلا: “إن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإنَّ فَهْمَ الكتاب والسُّنَّة فرض، ولا يُفهَم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”.(6)

    ويؤكد ابن تيمية قائلا: ” معلومٌ أنَّ تعلُّمَ العربية وتعليمَ العربية فرضٌ على الكفاية، وكان السلف يُؤدِّبون أولادَهم على اللحن، فنحن مأمورون أمرَ إيجابٍ أو أمرَ استحبابٍ أن نحفظ القانون العربي، ونُصلِح الألْسُن المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فَهْم الكِتاب والسُّنَّة، والاقتداء بالعرب في خطابها. (7)

     ثم يعلق على من لا يفقه علوم اللغة: “لا بُدَّ في تفسير القرآن والحديث من أن يُعرَف ما يدلُّ على مراد الله ورسوله من الألفاظ، وكيف يُفهَم كلامُه، فمعرفة العربية التي خُوطبنا بها ممَّا يُعين على أن نفقه مرادَ اللهِ ورسولِه بكلامِه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني، فإنَّ عامَّة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب، فإنَّهم صاروا يحملون كلامَ اللهِ ورسولِه على ما يَدَّعون أنَّه دالٌّ عليه، ولا يكون الأمر كذلك.(8)

     وعلل ابن كثير اختيار العربية لغة للقرآن الكريم بقوله: «وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس؛ فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات».(9)

حفِظ الله اللغة بحفظه للقرآن

     يقول الله تعالى “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”. (الحجر: 9).

من معاني الآية : حفظ الذكر يوجب حفظ اللغة، بحيث يُتيح فهم الآية ومعانيها، مهما تطورت اللغة بتطور العصور، فهذا الارتباط المتين بينهما جعلها محفوظة بحفظه وباقية ببقائه، فتحقق لها الخلود والدوام إلى يوم الدين. فهي لغة تواصل وترابط وفهم وفن وإبداع وعمل وعبادة.

إن اللغة العربية تستمد قوتها من القرآن الكريم، فهي لغة محفوظة بحفظ الله تعالى القرآن الكريم. فالقرآن الكريم هو سر بقاء هذه اللغة التي لا تشبهها لغة في كافة الأمم والشعوب.(10) «فعربية القرآن إنما هي عربية منهج إبانة، ولذا كثر في هذه الآيات قوله لعلكم تعقلون، لعلهم يتقون، لعلهم يتذكرون، وهذا كله إنما يكون من منهاج الإبانة على معانيه ومقاصده ومغازيه».(11)

     لقد أعطى الخلفاء والتابعون وأهل العلم من كل عصر للغة العربية؛ اهتماما كبيرا وعناية بالغة، اقتداء برسول الله ﷺ ، الذي روي عنه أنه قال: “أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه”.(12) وقال ﷺ للذي لحن في حضرته: “أرشدوا أخاكم، فقد ضل”.(13)

     روي عن “عثمان المهري”، أنه قال: “أتانا كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ونحن بأذربيجان يأمرنا بأشياء، ويذكر فيها: تعلموا العربية فإنها تثبت العقل وتزيد في المروءة(14)”

    وإذن فإن التعمق في علوم اللغة يكسب صاحبه إدراك معاني القرآن، قال الفارابي: «القرآن كلام الله وتنزيله، فَصَّل فيه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، مما يأتون ويَذَرُون، ولا سبيل إلى علمه وإدراك معانيه إلا بالتبحر في علم هذه اللغة».(15)

    ومنع العلماء كل من لا يتقن اللغة، الكلام في الشريعة، قال الشاطبي: «فعلى الناظر في الشريعة والمتكلم فيها أصولاً وفروعاً… أن لا يتكلم في شيء من ذلك حتى يكون عربياً أو كالعربي في كونه عارفاً بلسان العرب، بالغاً فيه مبالغ العرب».(16)

    اللغة طريق الرفعة والسؤدد وعلو المنزلة، قال ابن شبرمة: «إذا سرك أن تعظم في عين من كنت في عينه صغيراً، أو يصغر في عينك من كان فيها كبيراً، فتعلم العربية فإنها تجـرئك على المنطق وتدنيك من السلطان قال الشاعر:

 اللحن يُصلح من لسان الألكن         والمرء تعظِّمه إذا لم يلحن

        ولحن الشريف محطة من قدره       فتراه يسقط من لحان الأعين

        وترى الدني إذا تكلم معرباً           حاز النهاية باللسان المعلن

      وإذا طلبت من العلوم أجلَّها           فأجلُّها منها مقيم الألسن.(17)

     ولما انتشر الإسلام واتسعت رقعته، ودخلت فيه أعراق وأجناس، ورغب غير العرب لتعلم اللغة وفهم القرآن. ودخل فيها من يشكك ويكيد، ويدبر ويفسد، صار في اللغة الفصيح والأفصح، والرديء والمستكره، فتنبه العرب وخافوا عليها من ضياعها، فكان لابد من تقعيد اللغة بقواعد تساير براعتها وشموليتها وسعتها، وفهم نحوها وصرفها وبديع محاسنها ومعانيها.

    فكان أول من وضع علم النحو، وأدخل على الإملاء العربي تحسينات النقط والكتابة؛ هو أبو الأسود الدؤلي بأمر من الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، كما وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي أول تأليف ممنهج للمعاجم العربية، وأسس عروض الشعر، وترجم خالد بن يزيد ترجمة لغوية لحضارة اليونان إلى اللغة العربية. وغيرهم كثير برعوا في علوم شتى.

     ولقد أدرك العلماء أهميةً علمِ النحو في فهم النص الشرعي، ، فانبرى كلٌّ من أهل التفسير والفقه والأصول إلى دراسة هذا العلم، وعكفوا على تطبيق قواعده في فهم النصوص، حتى غدا النَّحوُ العربيُّ علماً ينبض بالحياة.

    يرى الشاطبي: أنه لا غِنى للمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب، بحيث يصير فهم خطابها له وصفًا غير متكلَّف ولا متوقَّف فيه في الغالب، إلا بمقدار توقُّف الفطن لكلام اللبيب.(18)

    يقول ابن حزم: «ففرضٌ على الفقيه أن يكون عالمًا بلسان العرب؛ ليفهم عن الله عز وجل وعن النبيّ ﷺ ، ويكون عالمًا بالنحو الذي هو ترتيب العرب لكلامهم، الذي به نزل القرآن، وبه يفهم معاني الكلام التي يعبر عنها باختلاف الحركات وبناء الألفاظ، فمن جهل اللغة، وهي الألفاظ الواقعة على المسميات، وجهل النحو الذي هو علم اختلاف الحركات الواقعة لاختلاف المعاني، فلم يعرف اللسان الذي به خاطبنا اللهُ تعالى ونبيُّنا ﷺ ، ومن لم يعرف ذلك اللسان لم يحلّ له الفتيا فيه؛ لأنه يفتي بما لا يدري»(19)

     وخير الختام قول الرافعي: «إن هذه العربية بنيت على أصل سحري يجعل شبابها خالداً عليها فلا تهرم ولا تموت، لأنها أعدت من الأزل فَلكاً دائِراً للنيِّرين الأرضيين العظيمين (كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ)، ومِن ثَمَّ كانت فيها قوة عجيبة من الاستهواء كأنها أخذة السحر».(20)


الهوامش

1- مناهج الجدل في القرآن الكريم، د. زاهر عواض الألميعي، ص 11.

2- تفسير التحرير والتنوير ابن عاشور، ص 8/ 411.

3- الصاحبي في فقه اللغة، باب القول في أفصح العرب، ص 55.

4- كتاب المقدمة، عبد الرحمٰن بن خلدون، ص 711.

5- اقتضاء الصراط المستقيم، لابن تيمية: ج 1/ص 399.

6- نفس المصدر والصفحة.

7- مجموع الفتاوى لابن تيمية ج32، ص 252.

8- نفس المصدر. ج 7 ، ص 116.

9- تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ج 4، ص 365.

10- اللغة العربية والصحوة العلمية الحديثة، غنيم، كارم السيد، ص 40

11- سبل استنباط المعاني، محمود توفيق محمد سعد، ص88.

12- تفسير القرطبي، ص 39.

13- رواه الحاكم ج، ص2  439.

14- صبح الأعشى ج1، ص168.

15- المزهر في علوم اللغة، جلال الدين السيوطي، ج2، ص 261.

16- الاعتصام، للشاطبي، ج2، ص 809.

17- الآداب الشرعية والمنح المرعية، محمد بن مفلح، ج2، ص 129.

18- الموافقات، للشاطبي، ج5، ص 57.

19- الإحكام، لابن حزم، ج5، ص117.

20- تحت راية القرآن للرافعي، ص 26.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.