منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ذِكْرَى المَوْلِدِ النَّبَوِيّ.. هَل يَسْتَفِيقُ الضَّمِيرُ الْإِنْسَانِيّ؟

ذِكْرَى المَوْلِدِ النَّبَوِيّ.. هَل يَسْتَفِيقُ الضَّمِيرُ الْإِنْسَانِيّ؟/ الحسين كوكادير

0

ذِكْرَى المَوْلِدِ النَّبَوِيّ.. هَل يَسْتَفِيقُ الضَّمِيرُ الْإِنْسَانِيّ؟

الحسين كوكادير

تعيشُ الأمة الإسلامية اليوم ذكرى غالية عزيزة عُنوانها الفرح والبِشْر على وجه كلّ مسلم وفي قلب كلّ مؤمن برسالة الإسلام ونبوة رسول الإسلام النبي الإنسان محمد صلى الله عليه وسلم. شعارها الوفاء والاقتداء والاتباع والتحدث بنعم الله استنادا إلى قوله عز وجل: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾سورة الضحى:11]

ذكرى المولد النبوي مناسبة جليلة مشرفة بشرف صاحبها عليه الصلاة والسلام. يقول الله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: 164] ومعظمة مُفضّلة بأن جعل الله طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعته عز وجل. يقول تعالى: ﴿ مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء80:]

 ذكرى المولد النبوي اليوم مناسبة حقيقة للتذكير برسالة المصطفى العدنان وبالدعوة إلى الإسلام الذي طبّقه وجسّده وبلّغه وبيّنه رسول الرحمان، وفرصة جديرة بالاهتمام لنضع في الميزان فكرة وادعاء الإنسان في هذا الزمان، الذي فقد بوصلته ورجع إلى جاهليته وأعلن عن دمويته ووحشيته مُختبئا وراء شعارات رنّانة من قبيل حقوق الإنسان والحيوان. فلمن تميل كفّة الميزان؟

إنّ مقارنة بسيطة بين ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعاشه في حياته مع أصحابه، وقد نقلوه إلينا، رضوان الله عليهم أجمعين، بكل تفاصيله، في يومه وليله، في سلمه وحربه، في فرحه وحزنه، في حديثه وإشارته وصمته، في قوله وفعله، في بيته ومع جيرانه، مع صديقه ومع عدوّه… وبين ما يعيش إنسان العالم اليوم من يأس وهمّ، وشقوة وغم، وحزن وألم، وجهل متستِّر ب”يافطة” العلم، وتخلٍّ عن كلّ مبدإ أو أُسِّ يُنمّي القيم ويبني الأمم.. لدليل كاف على الفرق بين دعوة الإسلام وادعاء الإنسان، وبين نورانية رسالة الإيمان وحقيقة دعوة المصطفى العدنان وبين همجية الإنسان وكذب دعواته في مجال حقوق الإنسان.

إنسان العالم اليوم غارق في مادّيته تابع لشهواته مُتماد في بطشه وغيّه واستكباره لا مُبَالِ بإنسانيته وآدميته.. وأكبر شاهد على ذلك ما نراه ونشاهده يوميا في عصرنا هذا في حق إخواننا في غزة العزة في فلسطين المحتلة والمحرّرة بإذن الله عمّا قريب رغمًا عن أنف الغاصب وحنق الخائن الكاذب.

إنّ الاستبشار والفرح بذكرى المولد النبوي والتألم والحزن لما يقع للإنسان الفلسطيني لا يفتح أمامي سوى السؤال الآتي: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيّا بيننا هل سيقبلُ بهذا الخذلان وينصرف إلى شُغله تاركا إخوانه ومقدسات الإسلام بين يديّ الأعداء يلعبون فيها لعب الصبيان؟

حاشاه صلى الله عليه وسلم وهو القائل: “من أصبح وهمه غير الله فليس من الله، ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم”(رواه الحاكم عن ابن مسعود، وفي الجامع الصغير إشارة إلى صحّته). حاشاه صلى الله عليه وسلم وهو الذي أخبرنا بأن “المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره”(رواه مسلم). حاشاه عليه الصلاة والسلام وهو الذي تحدّث عن الطائفة المباركة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أُمتي على الحق ظاهرين لعدوّهم قاهرين لا يضرهم من خَالفهم إلا ما أصابهم من لَأْواءَ حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك قالوا يا رسول الله وأين هم قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس.” (رواه الإمام أحمد عن أبي أُمَامَةَ في المسند)

لنعكس السؤال أعلاه، بعد معرفتنا لمنهج رسول الله والتأكيد على ما كان عليه صلى الله عليه وسلم في نصرة المظلوم ومواساة المحتاج والتضامن معه، ليصير: هل صمتنا اليوم، لا مُبالاتنا لما يقع لإخواننا في غزة وفلسطين، خيانة الأنظمة وتطبيعهم مع المحتل اقتداء بالرسول أم مخالفة وابتعاد عن منهجه عليه الصلاة والسلام؟ فليسأل كلّ فرد منّا نفسه وليجب وَفقا لنيته وبناء على موقعه ومكانته ومنصبه ومسؤوليته وقدرته واستطاعته. ولينظر كل واحد إلى ما قدم من أجل إخوانه ومقدسات دينه اقتداء برسولنا صلى الله عليه وسلم. ففلسطين اليوم تمنح لنا صورة أخرى من صور الاقتداء وسنة من سنن الاتباع للرسول الإنسان الذي جاء رحمة للعالمين ونصرة للمظلومين.

العالم كله خانع، كله ساكت إلا من رحم الله، أغلبه وقِواه داعمة للكيان الغاصب، فمن أفضل ما نحتفي به في ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننتصر للمظلوم كما انتصر له صلى الله عليه وسلم، أن نهتم بأمر إخواننا كما اهتم وأمر عليه الصلاة والسلام، أن نجتهد في الدعاء ونجاهد ونقاوم جنبا إلى جنب مع إخواننا كل من موقعه وإمكاناته والمتاح له كما قام وأمر بذلك، عن أنس رضي الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم.”(رواه أبوداود والنسائي وأحمد).

خلاصة الكلام في هذا الخِتام نقول إن ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضلا عن كونها مناسبة للفرح والسرور بشمائله وفضائله ومحاسنه ومناقبه صلى الله عليه وسلم، مناسبة حقيقة لتجديد دعوة العالم والإعلان عن حقيقة رسالة الإسلام ودعوة النبي محمد الإنسان عليه الصلاة والسلام؛ التي هي الرحمة المهداة والنعمة المسداة والكرامة والحرية للناس كافة، والعزة والشّدّة والقوة والغِلظة على الجاهل من بني الإنسان الغاصب المعتدي الظالم علّها تكون سببا في استفاقة الضمير الإنساني من الغفلة والخِداع الشيطاني.

اللهم صل على سيدنا محمد النبيّ واجعل عزّ الإسلام كما بُدي وانصر المجاهدين المرابطين في مواقع الجهاد الزكي والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.