مكروهات الصيام وأحكام القضاء والكفارة
بقلم: حميد نعيمي
أوَّلاً: مَكْرُوهَاتُ الصِّيَامِ
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَاشِرٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وَيُكْرَهُ اللَّمْسُ وَفِكْرٌ سَلِمَا *** دَأْباً مِنَ الْمَذْيِ وَإلَّا حَرُمَا
وَكَرِهُوا ذَوْقَ كَقِدْرٍ وَهَذَرْ *** غَالِبُ قَيْءٍ وَذُبَابٍ مُغْتَفَرْ
مَكْرُوهَاتُ الصِّيَامِ؛ هِيَ: الْأُمُورُ الَّتِي يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ فِعْلُهَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَإن فعلها يَبْقَى صِيَامُهُ صَحِيحاً؛ وَهِيَ:
- لَـمْسُ الزَّوْجَةِ؛ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ اللَّمْسِ، بِلَذَّةٍ؛ وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي:
- إِذَا تَيَقَّنَ الصَّائِمُ أَنَّ عَادَتَهُ السَّلَامَةُ مِنْ خُرُوجِ الْمَذْيِ فَفِعْلُهُ مَكْرُوهٌ.
ب– إِنْ كَانَ يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ عَدَمَ السَّلَامَةِ مِنْ خُرُوجِ الْمَذْيِ فَفِعْلُهُ حَرَامٌ.
ج– إِذَا شَكَّ فِي السَّلَامَةِ مِنْ خُرُوجِ الْمَذْيِ فَقِيلَ: حَرَامٌ، وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ. قَالَ مَالِكٌ: «لَا أُحِبُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يُقَبِّلَ، فَإِنْ قَبَّلَ فِي رَمَضَانَ فَأَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَإِنْ قَبَّلَ فَأَمْذَى فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛[1] وَإِلَى حُكْمِ اللَّمْسِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: وَيُكْرَهُ اللَّمْسُ وَفِكْرٌ سَلِمَا *** دَأْباً مِنَ الْمَذْيِ وَإلاَّ حَرُمَا.
- ذَوْقُ الصَّائِمِ لِلطَّعَامِ؛ فَيُكْرَهُ لِلصَّائِمِ ذَوْقُ الْقِدْرِ مِنَ الْمِلْحِ وَكُلِّ مَا لَهُ طَعْمٌ كَذَوْقِ الْعَسَلِ وَمَضْغِ الطَّعَامِ لِلصَّبِيِّ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «لاَ بَأْسَ أَنْ يَتَطَعَّمَ الْقِدْرَ أَوِ الشَّيْءَ».[2]
- اَلْهَذَرُ؛ فَيُكْرَهُ لِلصَّائِمِ كَثْرَةُ الْكَلَامِ وَالثَّرْثَرَةُ لِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: “وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ” [المؤمنون،3]؛ كما يجب عليه أن يتجنب الكلام المحرم مثل: الغيبة والنميمة والكذب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه”.[3]
- الوصال بالصوم، وهو أن يصوم يومًا والذي يليه من غير أكل ولا شراب بينهما لا عند المغرب ولا أثناء الليل ولا عند السحر بل يصل يومًا بيوم، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: “نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: “إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى”.[4]
- صيام يوم الشك: يكره صيام يوم الشك، وقيل يحرم، لما ورد عن عمار قال: “من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم”؛ [5] وقد اختلف الفقهاء في بيان يوم الشك المنهي عن صيامه فذهب المالكية إلى أنه عندما “تكون السماء مغيمة ليلة ثلاثين ولم تثبت الرؤية فصبيحة تلك الليلة هو يوم الشك”.[6]
ثانيا: أحكام القضاء والكفارة
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَاشِرٍ رَحِمَهُ الله:
مَنْ أَفْطَرَ الْفَرْضَ قَضَاهُ وَلْيَزِدْ *** كَفَّارَةً فِي رَمَضَانَ إنْ عَمَدْ
لِأَكْلِ أَوْ شُرْبِ فَمٍ أَوْ لِلْمَنِي *** وَلَوْ بِفِكْرٍ أَوْ لِرَفْضِ مَا بُنِي
بِلاَ تَأَوُّلٍ قَرِيبٍ وَيُبَاحْ *** لِلضُّرِّ أَوْ سَفَرِ قَصْرٍ أَيْ مُبَاحْ
مَنْ أَفْطَرَ فِي الصَّوْمِ الْفَرْضِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْفَرْضُ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرَهُ كَالنَّذْرِ، فَحُكْمُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي:
1- الْإِفْطَارُ نِسْيَاناً أَوْ غَلَطاً؛ فَمَنْ أَفْطَرَ نِسْيَاناً أَوْ غَلَطاً فِي التَّقْدِيرِ؛ كَأَنْ يَعْتَقِدَ غُرُوبَ الشَّمْسِ أَوْ عَدَمَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ يُخْطِئَ فِي الْحِسَابِ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَوْ آخِرَهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا أَفْطَرَ فِيهِ فَقَطْ، وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
2- اَلْإِفْطَارُ عَمْداً؛ وَالْعَمْدُ عَلَى نَوْعَيْنِ:
أ- عَمْدٌ لَهُ سَبَبٌ؛ وَفِيهِ التَّفْصِيلُ الْآتِي:
- سَبَبٌ يُوجِبُ الْفِطْرَ، كَفِطْرِ الْحَائِضِ، أَوِ الْمَرِيضِ يَخَافُ الْهَلَاكَ.
- سَبَبٌ يُبِيحُ الْفِطْرَ، كَالفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَعْذَارِ.
- سَبَبٌ يُكْرِهُهُ عَلَى الْفِطْرِ، كَصَبِّ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ فِي حَلْقِ نَائِمٍ.
فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ؛ قَالَ النَّاظِمُ: “مَنْ أَفْطَرَ الْفَرْضَ قَضَاهُ”.
ب- عَمْدٌ لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ؛ وَذَلِكَ كَمَنْ جَامَعَ زَوْجَتَهُ فِي رَمَضَانَ عَمْداً بِدُونِ سَبَبٍ، أَوْ تَعَمَّدَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ مُخْتَارٌ غَيْرُ مُضْطَرٍّ فَأَكَلَ أَوْ شَرِب، أَوْ تَعَمَّدَ رَفْضَ نِيَّةِ الصِّيَامِ، فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ؛ لاِنْتِهَاكِهِ حُرْمَةَ رَمَضَانَ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكْتُ. قَالَ: «مَا لَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟» قَالَ: لاَ، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قَالَ: لاَ، فَقَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِيناً». قَالَ: لاَ، قَالَ: فَأُتِيَ النَّبِيُّ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ – وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ – قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: «خُذْ هَذَا، فَتَصَدَّقْ بِهِ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَوَاللهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا – يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ»[7]؛ وَيُلْحَقُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ عَمْداً بِالْجِمَاعِ الْوَارِدِ فِي نَصِّ الْحَديثِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ انْتِهاكُ حُرْمَةِ رَمَضَان؛ وكذلك من استدام النظر أو الفكر حتى أمنى، أو استقاء عمدا ثم أرجع بعض ذلك عمدا أو غلبة أو نسيانا.
وَيُشْتَرَطُ فِي كَفَّارَةِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ عَمْداً بِدُونِ سَبَبٍ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَأَوِّلٍ وَلَا جَاهِلٍ؛ وَالتَّأْوِيلُ نَوْعَانِ:
أ- تَأْوِيلٌ قَرِيبٌ؛ وَهُوَ مَا اسْتَنَدَ فِيهِ صَاحِبُهُ إِلَى سَبَبٍ مَوْجُودٍ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ:
- مَنْ أَفْطَرَ نَاسٍياً فَظَنَّ أَنَّ صَوْمَهُ قَدْ فَسَدَ وَأَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ الاِسْتِمْرَارُ فِي الصَّوْمِ فَأَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ.
- مَنْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ قَبْل الْفَجْرِ فَظَنَّتْ أَنَّ صَوْمَهَا سَيَبْطُلُ لِعَدَمِ اغْتِسَالِهَا، وَأَنَّ الْفِطْرَ مُبَاحٌ َأَفْطَرَتْ فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ فَقَطْ.
ولاَ يُعَدُّ هَذَا تَأْوِيلاً إِذَا كَانَ يَعْلَمُ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ فِي الْمَسْأَلَةِ.
ب- تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ:
- مَنْ رَأَى الْهِلَالَ وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فَظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ فَأَفْطَرَ.
- مَنْ أَفْطَرَ لِحُمَّى تَأْتِيهِ فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ فَأَصْبَحَ مُفْطِراً ظَانّاً أَنَّهَا سَتَأْتِيهِ.
- مَنْ أَفْطَرَتْ لِحَيْضٍ يَأْتِيهَا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ فَأَصْبَحَتْ فِيهِ مُفْطِرَةً قَبْلَ ظُهُورِ الْحَيْضِ ثُمَّ حَاضَتْ فِي ذَلِكَ النَّهَارِ.
فَهَؤُلَاءِ جَمِيعاً عَلَيْهِمُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ تَأْوِيلَهُمْ بَعِيدٌ؛ وَفِي حُكْمِ مَنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ قَالَ النَّاظِمُ: (وَلْيَزِدْ كَفَّارَةً فِي رَمَضَانَ … إِلَى: بِلاَ تَأَوُّلٍ قَرِيبٍ.
أنواع الكفارة:
على كل من وجبت عليه الكفارة أن يكفر بأحد أمور ثلاثة:
- صوم شهرين قمريين متتابعين؛ ويجب على المكفّر أن ينوي الكفارة والتتابع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم اشترط التتابع عندما قال للذي جامع: “فصم شهرين متتابعين”.
- عتق رقبة مؤمنة؛ وهذا لا وجود له اليوم، بعد أن تحرر العبيد أفرادا، وننتظر أن تتحرر الأمة والبشرية جمعاء في غد قريب بحول الله تعال.
- إطعام ستين مسكينا؛ مدًّا لكل مسكين بمدّ النبي صلى الله عليه وسلم، من غالب عيش أهل ذلك الموضع.
والإطعام: أفضل مما قبله؛ لأنه أعم نفعا، ولوروده في الحديث، ويستوي من أكل عمدا في رمضان بالمجامع في الكفارة مع القضاء؛ لأنهما سواء في انتهاك حرمة رمضان.
مسألة: حكم القضاء في صيام النفل :
من المسائل المقررة في المذهب المالكي أن نافلة الصوم تلزم بالشروع فيها، وأن من قطعها عمدا لغير ضرورة لزمه قضاؤها؛ وعليه فمن شرع في صيام نفل فلا يجوز له الفطر لغير عذر؛ فإن أفطر فحكمه كالآتي:
- إذا أفطر عمدا لضرر لحقه بالصيام فلا قضاء ولا إثم عليه.
- إذا أفطر ناسيا أكمل صومه، ولا قضاء ولا إثم عليه.
- إذا أفطر عمدا دون ضرر لحقه فعليه القضاء؛ لما رواه الإمام مالك عن ابن شهاب: أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما زوجي النبي صلى الله عليه وسلم أصبحتا صائمتين متطوعتين فأهدي لهما طعام فأفطرتا عليه فدخل عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت حفصة: يا رسول الله، إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين، فأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اقضيا مكانه يوما آخر”.[8]
[1] الاستذكار، ابن عبد البر، 2/293.
[2] صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب اغتسال الصائم، ترجمة الباب.
[3] صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور، رقم: 1815.
[4] صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب الوصال، رقم: 1875.
[5] صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم “إذا رأيتم الهلال”، ترجمة الباب.
[6] حاشية العدوي، 2/284.
[7] صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان، رقم: 1849.
[8] موطأ مالك، كتاب الصيام، باب قضاء التطوع، رقم: 678.