أخذ المبادرة و أثره في الدعوة
أخذ المبادرة و أثره في الدعوة/ الأستاذ عبد الصمد الحناوي
أخذ المبادرة و أثره في الدعوة
بقلم: الأستاذ عبد الصمد الحناوي
تقديم:
من العوامل المهمة في ارتقاء العمل الجماعي المنظم كماً ونوعاً جودة انفعال أفراده بمبادرات ذاتية تجتهد في دعمه بكل جهد فكري إبداعي ينضج لدى صاحبه ثم يتحول بالمبادرة إلى مشروع لصالح الجماعة قابل للدراسة الجماعية والتقييم بهدف تحويله – إن كان صالحاً – من رؤية فردية إلى موقف جماعي تتبناه الجماعة لتحقيق إنجازات معنوية أو مادية.
1/ معنى المبادرة:
المبادرة في اللغة هي المسارعة إلى الشيء قال ابن منظور في لسان العرب: “المسارعة إلى الشيء المبادرة إليه” 1
وقال بعض أهل العلم: المبادرة التقدم فيما يجوز أن يتقدم فيه وهي محمودة، وضدها الإبطاء وهو مذموم، والعجلة التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه وهي مذمومة، وضدها الأناة وهي محمودة.
2/ المبادرة في القرآن و السنة:
أ / في القرآن الكريم:
وفي القرآن الكريم أكثر ما تستعمل المبادرة في المسارعة إلى الخيرات وقد وردت بهذا المعنى كثيرا في القرآن الكريم والسنة المطهرة مدحا لها وحثا عليها فمن ذلك قوله تعالى: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) 2، وقوله سبحانه: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) 3
وهي صفة النبيين والمرسلين كما جاء وصفهم في سورة الأنبياء: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)4
كما أنها صفة عباد الله المؤمنين، بها وصفهم في السورة المسماة باسمهم أيضا: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ. أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) 5
والمتدبر للقرآن الكريم يلحظ العناية الكبرى في إعداد الأمة وتربيتها على خلق المبادرة، فبالمبادرة للخير يحقق رضى الله تعالى: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} 6 وبالمبادرة تفتح لك أبواب الجنان: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} 7
ونجد أن القرآن يحث على المبادرة ويبين الفرق العظيم بين من بادر وبين من سوَّف وأجَّل {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا} 8 بل إن من صفات المنافقين التسويف والتثاقل وعدم المبادرة {وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى} 9
ب / في السنة النبوية:
والسنة مليئة بالنصوص التي تحث على المبادرة والمسارعة إلى فعل الخيرات.فقد جاء الحض على هذا المعنى الطيب فيما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم. يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا. أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا. يبيع دينه بعرض من الدنيا] 10 وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [بادروا بالأعمال سبعا: هل تنتظرون إلا إلى فقر منس، أو غنى مطغ، أو مرض مفسد، أو هرم مفند، أو موت مجهز، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر] 11
وعن أبي سعيد الخدري: [أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخرا، فقال: تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عز وجل]. 12
3/ حث الاسلام على أخذ المبادرة:
يريد الشرع الحنيف من الأفراد ألا يكون حسهم جامداً, ويطلب منهم السعي الدائم للتفكير الإيجابي المنتج عملاً أو موقفاً يتصف بالسبق – دون تعالٍ – والتفرد ليكون المثال المقتدى به, تستفيد منه الجماعة المسلمة وقد جاء الأمر الإلهي بتوجيه الأفراد إلى التسابق في أبواب الخير العامة, وهي مساحة واسعة تشمل كل معروف يفيد الأمة ويملأ رصيد صاحبه من الحسنات قال تعالى:{فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ} وقال سبحانه:” وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ”
وعن جرير بن عبد الله قال: قال “صلى الله عليه وسلم”: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». 13
ومن أرقى المبادرات المبادرة لطلب وجه الله تعالى، يقول الامام عبد السلام ياسين رحمه الله: ” على العبد إلا الاستعدادُ بالتصفية المجردة، وإحضارُ الهمة، مع الإرادة الصادقة، والتعطُّشِ التام، والترَصُّدِ بدوام الانتظار لما يفتحه الله تعالى من الرحمة. فالأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر، وفاض على صدورهم النورُ،لا بالتعلم والدراسة والكتابة للكتب، بل بالزهدِ في الدنيا، والتبري من علائقها (قلت: لا يعني هذا الهروب من ساحة الجهاد، لكن يعني إخلاء القلب من كلِّ ما سوى الله والهجرة التامة إليه) “14
ومن حرص الإسلام على المبادرة الإيجابية وربطها بالتذكير بشأن الفتن المترصدة للإنسان, وخوفاً من أن تتخطفه إحداها يلزمه المسارعة لفعل الخيرات قال “صلى الله عليه وسلم”: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا» 15
فالعاقل لا يفرط في مساحة العافية المتاحة له زمناً ومكاناً وإمكانيات, مستثمراً ذلك لصالح الأمة, فمن أسس موقعاً إعلامياً في أمة لا يسمع لها صوت ولا تبث لها شكوى كان سابقاً بالخيرات, ومثله من سبق لتوحيد جماعة مفرقة أو إيقاظ أمة نائمة, ومن حث على مواجهة الظلم والفساد أو الكفر والطغيان في أمة تجهل المقاومة السلمية أو تتهيبها كان سابقاً بالخيرات.وفي هذا الصدد يقول الامام المرشد رحمه الله: ” يجب إحياء روح المبادرة، وتشجيع المبادرة، وتمويل المبادرة.” 16
4/ مبادرات عبر التاريخ:
ولقد شهد تاريخُنا المجيد ألواناً من المبادرات، قام بها الأنبياء والمرسلون و الصحابة و سلف الأمة الصالح.
فالأنبياء -عليهم السلام- الذين أمر الله بالاقتداء بهم بالكتاب والسنة قال تعالى:{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} 17
ومن أعظم مبادرات الأنبياء: مبادرة خليل الرحمن بتحطيم الأصنام، ومن مبادراته هجرته إلى ربه وذبحه لإسماعيل وإكرام الضيوف.إلى مبادرات عظيمة في قصة موسى عليه السلام كما في القرآن، حيث ذكر الله عددًا من المبادرات ومنها سقيه الغنم للفتاتين ومافتح الله عليه بسبب ذلك من خير عظيم.
أما مبادرات الصحابة فيصعب حصرها هنا، فأبو بكر في أول يوم من إسلامه خرج يدعو إلى الله تعالى مباشرة حتى عاد ومعه أربعة من العشرة المبشرين بالجنة. وكل حياته ومواقفه ذات أثر في الدين.
وعمر بمجرد إسلامه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: علام نتخفى؟ ويطالب بأن يخرج لملاقاة المشركين وقتالهم حتى يحكم الله بين الفريقين.
وعثمان صاحب الصولات والجولات في النفقة على الدين وخدمة الرسول الأمين وجميع المسلمين: قال صلى الله عليه وسلم من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتراها عثمان، وقال صلى الله عليه وسلم: من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟ فاشتراها عثمان، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لتجهيز جيش العسرة وكان الناس في ضيق وشدة وقله فجهزه عثمان. وفي كل مرة يقول عليه الصلاة والسلام: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم.
ومن المبادرات الرائعة للصحابة، مبادرة سعد بن معاذ رضي الله عنه حين سمع من مصعب بن عمير وكتب الله له الإسلام: “فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق ثم ركع ركعتين ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير. فلما رآه قومه مقبلا، قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف عليهم قال: يابني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا، وأيمننا نقيبة. قال فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله وبرسوله. قال: فوالله ما أمسى في داربني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما ومسلمة.
إنها روح الإسلام وحقيقة الدين التي تحمل صاحبها على السعي الحثيث إلى العمل والإحسان، وطلب المعالي بعد رضا الله تعالى عنه.
5/ أثر المبادرة على العمل الجماعي المنظم:
ومن فوائد المبادرة الشخصية الذاتية أنها قد تدفع الجماعة المؤمنة إلى موقف صائب كانت غافلة عنه أو متهيبة له خائفة منه أو لم يكن من أولوياتها الحالية, فغزوة المسلمين التي هزمت يهود بني قينقاع في المدينة المنورة كان سببها مبادرة شخصية من مجاهدٍ قتَلَ الصائغَ اليهودي الذي عرى امرأة مسلمة
وفي وقتنا الحاضر وجدنا ثورات الربيع العربي العارمة وراءها حدث صغير يعد مبادرة من شخص واحد أو مجموعة صغيرة دعت الشارع العام إلى التحرك, فأصبح هذا الحدث الصغير مشروعاً تغييرياً كبيراً تبناه الشعب.
يقول الامام عبد السلام ياسين رحمه الله مبينا أن من عناصر القوة الاقتصادية للأمة الاسلامية “تشجيع المبادرة الفردية بما لا يتنافى مع الخطة العامة لاقتصاد الأمة.” 18
6/ تعامل الجماعة مع المبادرات الفردية:
يلزم الجماعة المؤمنة المنظمة أن تسعى لتلقف مبادرات الأفراد بهدف:
1- سماع المبادرة والاهتمام بها.
2- تطوير المبادرات الفردية بدراستها عبر منابر الجماعة وآلياتها.
3- الاستفادة بالصالح منها في العمل الجماعي.
4- عدم المعاقبة على أخطاء المبادرات الطيبة والرفض المهذب المبرر للمبادرات الخاطئة.
أما الجماعة التي لا يروق لها طرح المبادرات الفردية ولا تتيح مجالاً للترحيب بها وتلجأ لتهميشها, تعالياً أو تجاهلاً أو تضايقاً, فهي تحكم على نفسها بالفناء لأنها تصبح طاردة لماء حياتها النابع من مبادرات أعضائها.
وتدل الحوادث التاريخية على شرعية الاستفادة من المبادرات الفردية؛ فحفر الخندق كان مبادرة من سلمان الفارسي, والخلاف بين المهاجرين والأنصار فيمن يتولى الخلافة بعد رسول الله “صلى الله عليه وسلم” حُسم بمبادرة من عمر, حسمت الموقف لصالح أبي بكر الصديق, ونجاة الجيش المسلم في غزوة مؤتة كان بتوفيق من الله ثم بمبادرة من خالد بن الوليد, والأمثلة على هذا كثير.
هذه المواقف العظيمة كانت مبادرات شخصية من أفراد سبقوا غيرهم ففازوا بالسبق واستحقوا التقدير من الأمة ورفع المكانة في الدنيا والآخرة وكذلك يستحق من قام بمبادرات شخصية عظيمة في هذا الزمن احتساباً يكتب الله فيها خيراً للأمة, فله أجرها وأجر من انتفع بها إلى يوم القيامة..
و الحمد لله رب العالمين
الهوامش
1/ لسان العرب لابن منظور الافريقي ج 8 ص 151
2/ سورة الحديد:21
3/ سورة البقرة: 148
4/ سورة الأنبياء: 90
5/ سورة المؤمنون57:61
6/ سورة طـه: 84
7/ سورة آل عمران:133.
8/ سورة الحديد: 10
9/ سورة النساء: 142
10/ رواه مسلم
11/ رواه الترمذي وقال: حسن غريب.
12/ رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة
13/ رواه مسلم
14/ عبد السلام ياسين، امامة الامة ص 135
15/ رواه مسلم
16/ عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 205
17/ الأنعام:90
18/ عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي ص 337