منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الخصائص الأسلوبية للحوار القرآني؛ قصة الهدهد مع سليمان عليه السلام أنموذجا

حميد حشادي

0

الخصائص الأسلوبية للحوار القرآني؛

قصة الهدهد مع سليمان عليه السلام – أنموذجا

 الطالب: حميد حشادي

طالب باحث في سلك الدكتوراه

 تحت إشراف الدكتور محمد عبد العظيم بنعزوز

جامعة ابن طفيل القنيطرة المغرب

 

 

مقدمة

يعد القرآن الكريم كتاب حوار بامتياز، فالحوار يشغل حيزا كبيرا من الآيات القرآنية، فقد ابتدأ خلق الإنسان بحوار بين الخالق وملائكته في شأن خلق آدم عليه السلام، ثم حوار الله حول الامتناع عن السجود مع الشيطان، ثم الحوار مع آدم عليه السلام عندما عصى أمر الله وأكل من الشجرة، إيذانا بضرورة الحوار مع الموالي والمخالف، باعتبار الحوار مشتركا إنسانيا نسعى من خلاله إلى البحث عن النقاط المشتركة والتماس العذر لبعضنا فيما اختلفنا فيه، بضوابط أساسية لكل حوار.

مشكلة الدراسة

يهتم هذا البحث بدراسة وتحليل الحوار الذي دار بين سليمان عليه السلام والهدهد، وذلك من خلال الإجابة عن التساؤلات التالية:

  1. ما هي أبرز الخصائص الأسلوبية لهذا الحوار؟
  2. ما هي مميزات الحوار الذي دار بينهما؟
  3. كيف نقل الهدهد الصورة التي رآها في مملكة سبأ؟
  4. هل كانت إجابات الهدهد مقنعة للملك سليمان؟

منهج البحث في هذه الورقة البحثية:

سنعتمد المنهجين التالين:

المنهج الوصفي: من خلال التعريف بمفاهيم البحث، ووصف الحوار الذي دار بين سليمان عليه السلام والهدهد.

المنهج التحليلي: تحليل مكونات الحوار والدلالات التي وردت من أجلها مختلف مكونات الحوار، ثم استخلاص أهم المميزات الأساسية للحوار بين سليمان عليه السلام والهدهد.

  1. الآيات التي ورد فيها الحوار بين سلميان والهدهد في القرآن الكريم

قال الله تعالى: ” وَتَفَقَّدَ اَ۬لطَّيْرَ فَقَالَ مَالِے لَآ أَرَى اَ۬لْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ اَ۬لْغَآئِبِينَۖ ٢٠ لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَاباٗ شَدِيداً اَوْ لَأَاْذْبَحَنَّهُۥٓ أَوْ لَيَاتِيَنِّے بِسُلْطَٰنٖ مُّبِينٖۖ ٢١ فَمَكُثَ غَيْرَ بَعِيدٖۖ فَقَالَ أَحَطْتُّ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإِۢ بِنَبَإٖ يَقِينٍۖ ٢٢ اِنِّے وَجَدتُّ اُ۪مْرَأَةٗ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَےْءٖۖ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٞۖ ٢٣ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اِ۬للَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ اُ۬لشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ اِ۬لسَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ٢٤ أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلهِ اِ۬لذِے يُخْرِجُ اُ۬لْخَبْءَ فِے اِ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضِ وَيَعْلَمُ مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَۖ ٢٥ اَ۬للَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ اُ۬لْعَرْشِ اِ۬لْعَظِيمِۖ ٢٦ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ اَ۬لْكَٰذِبِينَۖ ٢٧ اَ۪ذْهَب بِّكِتَٰبِے هَٰذَا فَأَلْقِهِۦٓ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَۖ ٢٨ قَالَتْ يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لْمَلَؤُاْ اِ۪نِّيَ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ ٢٩ اِنَّهُۥ مِن سُلَيْمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسْمِ اِ۬للَّهِ اِ۬لرَّحْمَٰنِ اِ۬لرَّحِيمِ ٣٠ أَلَّا تَعْلُواْ عَلَيَّ وَاتُونِے مُسْلِمِينَۖ ٣١”[1].

  1. مفاهيم البحث:

    • مفهوم الحوار:

وردت كلمة حوار في القرآن الكريم ثلاث مرات، مرتين في سورة الكهف في قوله تعالى: “فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَآ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاٗ وَأَعَزُّ نَفَراٗۖ “[2]، و “قَالَ لَهُۥ صَٰحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرْتَ بِالذِے خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٖ ثُمَّ سَوّ۪يٰكَ رَجُلاٗۖ”[3]، ومعناه “يخاطبه. ويقال: تحاور الرجلان، إذا رد كل واحد منهما على صاحبه، والمحاورة الخطاب من اثنين فما فوق ذلك”[4]، ومرة في سورة المجادلة في قوله تعالى: “قَدْ سَمِعَ اَ۬للَّهُ قَوْلَ اَ۬لتِے تُجَٰدِلُكَ فِے زَوْجِهَا وَتَشْتَكِےٓ إِلَى اَ۬للَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌۖ”[5]، وفي العين للفراهيدي نجد “الحور: الرجوع إلى الشيء وعنه، والمحاورة: مراجعة الكلام”[6]، فالحوار هو مراجعة بين اثنين أو أكثر في موضوع محدد بضوابط محددة.

    • الأسلوب:

نجد في معجم العين جذر: “سلب: كل لباس على الإنسان سلب، وسلب يسلب: أخذ سلبه، والسلوب من النوق: التي يؤخذ ولدها، وجمعه سلائب. وقيل: هي الناقة إذا ألقت ولدها لغير تمام وجمعه سلب، وأسلبت: فعلت ذلك ويقال للشاء أسلبت. ويقال: السلب: الطوال، وفرس سلب القوائم وبعير مثله والسليب: الشجرة أخذت أغصانها وورقها”[7]، وفي لسان العرب نجد: ” ويقال للسطر من النخيل: أسلوب. وكل طريق ممتد، فهو أسلوب. قال: والأسلوب الطريق، والوجه، والمذهب؛ يقال: أنتم في أسلوب سوء، ويجمع أساليب. والأسلوب: الطريق تأخذ فيه. والأسلوب، بالضم: الفن؛ يقال: أخذ فلان في أساليب من القول أي أفانين منه”[8]، نجد أن المعاني اللغوية للجذر سلب تدل على الأخذ أو الفقد أو الطريقة في اللباس، أما الأسلوب فهو يدل دلالة حسية على السطر والطريق الممتد، ودلالة معنوية تعني الطريقة في الكلام.

ومن التعاريف الاصطلاحية للأسلوب نجد: “طريقة وضع الأفكار في الكلمات، وهو نمط له خصوصيته في الصياغة والتعبير في لغة الكتابة أو لغة الحديث”[9]، وهو “تلقي المخاطب يغير ما يترقب”[10]، وقد سماه السكاكي بالأسلوب الحكيم.

  1. سياق الحوار بين سليمان والهدهد:

ورد الحوار في سياق بحث سليمان عليه السلام عن الهدهد، وسط باقي الحيوانات، إذ من عادته أن يدله على الماء ومكانه كلما احتاج إلى ذلك، كما كان يأتيه بالأخبار والتقارير بشكل دوري، ويبدو أنه تأخر يوما عن المهمة، فلاحظ سليمان غيابه فاستفسر عن غيابه، وعن السبب الذي دعاه لذلك، لذلك لما علم الهدهد بأمر الاستفسار من سليمان عليه السلام عنه، خاف وخشي من عاقبة الأمر، وقد سمع الجميع توعد سليمان له بالعذاب أو القتل، فهو سياق شديد على الهدهد، وقد علم أنه مطلوب، وأنه يحتاج تبريرا لغيابه، تبرير ينجيه من العقوبة التي توعده بها سليمان عليه السلام، وقد ذكر ابن هشام أن سبب تأخره عن العودة هو رغبته في معرفة مملكة سبأ بعد أن التقى هدهدا من سبأ، ” قال عبيد: كان الهدهد قد تقدم فلقي هدهد أرض سبأ، فقال لهدهد سليمان: أخبرني ما هذا الذي أرى، ما رأيت ملكاً أعجب من هذا راكباً على الريح معه الجنود ما لم أره أو أسمع بمثله! قال له هدهد سليمان: هذا سليمان نبي الله فمن أين أنت؟ قال: من أرض سبأ. قال: فمن ملككم؟ قال: ملكنا امرأة لم ير الناس مثلها في فضلها وملكها وحسن رأيها وتدبيرها وكثرة جنودها مع الخير الذي قد أعطيت في بلادها وأمها من الجن مع هذا وهي امرأة من ولد حمير. قال هدهد سليمان: انطلق بي حتى أنظر إليها، فانطلق به حتى رآها وجنودها وما أعطيت في بلادها”[11].

  1. موضوعات الحوار بين سليمان والهدهد:

من الموضوعات التي اهتم بها الحوار بين سليمان والهدهد نذكر ما يلي:

  • السؤال عن الهدهد: وقد سأل سليمان عن الهدهد لما له من أهمية في مملكته، فهو الذي يدلهم على مكان الماء، إذا ما عطشوا، وقد تفقده سليمان عليه السلام، فلم يجده فتوعده بالعقاب إذا لم يأته بسلطان مبين، أي بسبب وجيه دعاه للتأخر والغياب عن مجلس سليمان عليه السلام وحكمه.
  • نقل أخبار سبأ: فقد جاء الهدهد بنبأ يقين عن سبأ، وأحاط بعلم ما يعلم به سليمان، فجعل الأمر مشوقا إذ بدأ بعبارته قائلا: ” فَقَالَ أَحَطْتُّ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإِۢ بِنَبَإٖ يَقِينٍۖ”، عبارة شدت الانتباه وجعلت الجميع ينصت لما سيقوله الهدهد، فحكى عن ملكة سبأ وقومها، وكيف يسجدون للشمس من دون الله.
  • اختبار سليمان للهدهد: إذ قال له: “سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ اَ۬لْكَٰذِبِينَۖ”، فأرسله بكتاب إلى ملكة سبأ وقومها، من أجل دغوتها وقومها إلى عبادة الله وتوحيده، وترك عبادة الشمس من دونه،,امرهم أن يأتوه مسلمين.
  • إرسال رسالة إلى الملكة: قال: “اَ۪ذْهَب بِّكِتَٰبِے هَٰذَا فَأَلْقِهِۦٓ إِلَيْهِمْ” فهو أمر بتبليغ الرسالة التي محتواها دعوة صريحة إلى الإسلام.
  1. الخصائص الأسلوبية للحوار بين سليمان والهدهد:

يتسم حوار سليمان عليه السلام مع الهدهد بمجموعة من الخصائص الأسلوبية نذكر بعضها:

  • التوازن بين الفواصل:

نلاحظ التوازن بتكرار فواصل محددة في الآيات مثل:

نلاحظ في الكلمات التالية: مُّبِينٖۖ، اَ۬لْغَآئِبِينَۖ، يَقِينٍۖ، اَ۬لْكَٰذِبِينَۖ، مُسْلِمِينَۖ جرسا موسيقيا واحدا في الكلمات التي تنتهي بها الآيات، فكلها تنتهي بياء ونون، هذا التناسق في الفواصل داخل الآيات يوحي بوحدة المعاني وتكامل الآيات لتؤدي وضيفة واحدة في تبليغ المعاني المقصودة، وإبراز قيمة فنية لقارئ القرآن الكريم، حتى يستمر بنفس واحد في قراءة الآيات، كما أن هذا الجرس يجعل القارئ يتدبر الآيات بخشوع تام، ينعكس على نفسيته ليمنحه راحة وطمأنينة، “وحسن الكلام في السمع، وسهولته في اللفظ، ووقع المعنى في القلب، وذلك كالخط الحسن والبيان الشافي، والتنافر كالخط القبيح فإذا انضاف الى التلاؤم حسن البيان وصحة البرهان في أعلى الطبقات ظهر الاعجاز لمن كان جيد للطبع، ويصير بجودة الكلام”[12].

نلاحظ في الكلمات التالية: عَظِيمٞۖ، اِ۬لْعَظِيمِۖ، كَرِيمٌ،اِ۬لرَّحِيمِ،جرسا موسيقيا واحدا في الكلمات التي تنتهي بها الآيات، فكلها تنتهي بالميم، وهو تدل على العظمة في الآيتين المرتبطتين بالحديث عن العرش، فعرش ملكة سبأ عظيم، لكنه أورد في نهاية الآيات أن الله هو رب العرش العظيم، فكأنه نفى العظمة التي أوردها بداية عن عرش الملكة، وأتبث العظمة لله رب العالمين، فهو رب العرش العظيم.

كما نلاحظ تناسقا في الفواصل التالية: يَهْتَدُونَ، يَرْجِعُونَۖ، يُعْلِنُونَۖ فكلها تنتهي بواو ونون في دلالة على الجمع، ففيها الخطاب موجه إلى ملكة سبأ وقومها، فالآيات تتمحور حول عملهم وسلوكهم، فالسلوك الذي رآه الهدهد صار محط اهتمام النبي سليمان عليه السلام، باعتبار مسؤوليته الدعوية.

  • توظيف المفردات المناسبة:

 جاء التعبير بمفردة “تفقد“،عند الراغب الأصفهاني: “والتفقد: التعهد لكن حقيقة التفقد: تعرف فقدان الشيء، والتعهد: تعرف العهد المتقدم”[13]، للدلالة على أن سليمان عليه السلام قد بذل جهدا في البحث عن الهدهد، فقد فقده من مجلسه، وافتقده من المحيط المعروف فيه، محيط الحاشية التي يستشيروه، خصوصا أن الهدهد ارتبط بالبحث عن الماء، ونحن نعرف حيوية هذه المادة، وكل زيادة في المبنى فهي زيادة في المبنى، فالفعل الخماسي من فقد زاد على الثلاثي في معاني الفقد، وهو ما يفسر رد فعل سليمان عليه السلام، وإصداره للعقوبة بحق الهدهد، لولا أن الهدهد وجد العذر المناسب لتبرير غيابه عن ملكه.

كما جاءت كلمت “أحطت” للدلالة على أن الهدهد أتى بنبأ جديد، لم يصله علم سليمان عليه السلام، وإبراز أن سليمان رغم ما آتاه الله من علم وحكم لا يعلم الغيب، وإنما هو عبد من عباد الله، شرفه بالنبوة وجعله ملكا نبيا، كما أنها تشير إلى أن الهدهد أتى بالخبر كاملا متناسقا فيه كل المعلومات التي سيسأل عنها سليمان عليه السلام.

  • الجمع بين أسلوبي الخبر والإنشاء:

نلاحظ في الحوار الجمع بين أسلوبي الخبر والإنشاء:

الاستفهام في قوله: “مَالِے لَآ أَرَى اَ۬لْهُدْهُدَ”، “فالاستفهام عما حصل له في هذه الحال، أي عن المانع لرؤية الهدهد. والكلام موجه إلى خفرائه، يعني: أكان انتفاء رؤيتي الهدهد من عدم إحاطة نظري أم من اختفاء الهدهد؟ فالاستفهام حقيقي وهو كناية عن عدم ظهور الهدهد”[14]، وهو استفهام يفيد التعجب، إذ تعجب سليمان من اختفاء الهدهد عن الأنظار على غير عادته، وهو أسلوب إنشائي.

التوكيد في قوله: ” لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَاباٗ شَدِيداً اَوْ لَأَاْذْبَحَنَّهُۥٓ أَوْ لَيَاتِيَنِّے بِسُلْطَٰنٖ مُّبِينٖۖ “، فقد جاء التوكيد باللام والنون في لاعذبنه ولاذبحنه، ” وأكد عزمه على عقابه بتأكيد الجملتين لأعذبنه- لأذبحنه باللام الموكدة التي تسمى لام القسم وبنون التوكيد ليعلم الجند ذلك حتى إذا فقد الهدهد ولم يرجع يكون ذلك التأكيد زاجرا لباقي الجند عن أن يأتوا بمثل فعلته فينالهم العقاب”[15]، وقد يأتي التوكيد للدلالة على أن الهدهد ارتكب خطأ جسيما يلزمه تبرير فعله، أو أن العقاب سيلحقه حتى يكون عبرة لغيره، خصوصا وأنه في موسع المسؤولية فالعقاب يكون مضاعفا له، فهو في مقام يعطي فيه النموذج لمن دونه من الجند.

الأمر في قوله: ” اَ۪ذْهَب، فَأَلْقِهِ، تَوَلَّ، فَانظُرْ، اتُونِے” كلها أوامر واضحة بداية للهدهد، أمره أولا بالذهاب إلى مملكة سبأ، ثم أمره بإلقاء الكتاب إلى الملكة وقومها، وأمره بالابتعاد عن مكان الإلقاء مع البقاء في مهمة جمع المعلومات حول ما سيحدث بعد إلقاء الكتاب، ماذا سيكون الرد منهم تجاه الكتاب، هل سيستجيبون لأمر سليمان أم سيعصون، ثم هناك أمر للملكة وقومها بالاتيان مسلمين، هو أمر واضح في رسالة مقتضبة من جملتين، الأولى افتتاح باسم الله والثانية أمر بالاتيان مسلمين.

  • الجمع بين الحقيقة والمجاز:

الأصل في القصص القرآني الحقيقة وهو “ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة، والمجاز: ما كان بضد ذلك، وإنما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعانٍ ثلاثة، وهي: الاتساع والتوكيد والتشبيه”[16]، قال الله تعالى: ” وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَےْءٖۖ “، جاءت العبارة مجازا للدلالة على أن لملكة سبأ ملكا عظيما، ففي الحقيقة هي لا تملك من كل شيء، وهو ما يفسر أنها انبهرت من ملك سليمان عليه السلام، كما انبهر الهدهد الذي صحبه هدهد سليمان إلى ملكها، وقد انبهر حاملوا الهدايا إلى سليمان كذلك من ملك سليمان شساعة ممكلته وكثرة خدمه وجنوده.

  • المحسنات البديعية:

ورد الحذف في الآيات التي تضمنت الحوار بين سليمان والهدهد بعض المحسنات نذكر منها:

في قوله تعالى: “مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَۖ”، ورد طباق بين يخفون ويعلنون، وفيه دلالة على عظمة الله وقدرته على العلم بظاهر الأشياء وباطنها، فهو عالم الغيب وعلام الغيوب، يحيط علما بكل شيء، ولا تخفى عليه خافية.

في قوله تعالى: “أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ اَ۬لْكَٰذِبِينَۖ” طباق بين صدقت والكاذبين، وفيها خيارات الأمر أمام الهدهد، لكن سليمان قدم الصدق على الكذب في إشارة إلى أن الأمر أقرب إلى التصديق منه إلى الكذب، ورغبة في أن يكون الهدهد صادقا لينجو من العقاب الذي أصدره سليمان عليه السلام.

  • التعريض:

ورد في الحوار أسلوب التعريض “هو التلويح بالشيء بغير صريح لفظه لكن بما يفهمه بقصده”[17] في عدة مواضع نذكر منها:

قوله تعالى: “أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلهِ اِ۬لذِے يُخْرِجُ اُ۬لْخَبْءَ فِے اِ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضِ وَيَعْلَمُ مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَۖ”، إذ كيف يتركون عبادة الله الذي خلق كل شيء وقدره تقديرا، إلى عبادة الشمس التي هي من مخلوقات الله، في إشارة إلى حسرة الهدهد على الملكة وقومها، فرغم ما أوتيت إلى أنها خاسرة بعبادتها للشمس من دون الله.

  1. مميزات الحوار بين سليمان عليه السلام والهدهد:

  • الإيجاز في الحوار:

جاء الحوار موجزا مكتملا كل الشروط، المعاني واضحة فيه والرسائل مفهومة بين طرفي الحوار، لم يحتج الطرفان الكثير من العبارات، من أجل تبليغ الرسالة المطلوبة، وهذا فيه من اقتصاد في وقت المتحدث والمستمع.

  • التنويع في الأساليب:

وظف المتحاوران أساليب لغوية وخطابية مختلفة، جعلت الحوار مشوقا للطرفين، فسليمان عليه السلام لما تفقَّد الطير ولم يجده أصدر العقوبة، والهدهد لما حضر ألقى السمع وبدأ خطابه بالتشويق، إذ أحضر خبرا لم يحط به سليمان.

  • تبرير الخطاب:

برر سليمان سبب العقوبة وفصّلها بشكل جيد، وفي المقابل برر الهدهد سبب غيابه، لكن سليمان لم يقتنع بمجرد سماع الخبر، بل عمد إلى التأكد عن طريق إرسال الرسالة إلى المعنيين بالخبر، وطلب من الهدهد التغذية الراجعة عن الخبر، قائلا له: ” فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَۖ “.

  • الهم المشترك بين المحتاورين:

يتبين من الحوار أن الذي يشغل بال سليمان عليه السلام هو الذي يشغل بال الهدهد، فهمّهُما مشترك هو دعوة الناس إلى عبادة الله وتوحيده، وهذا الأمر يوحي بوحدة التصور بين القائد والنبي والملك سليمان عليه السلام ورئيس جنده وأمين سره الهدهد، كلاهما يعرف الرسالة التي من أجلها يعيش، فالنبي سليمان عليه السلام واجبه تبيلغ الدعوة، والهدهد مساعد له في سبيل ذلك، ضابط لمسؤوليته متحمل لها بكل ما أتاه الله من حكمة وعلم.

  • الإعجاز الإعلامي في نقل الصورة:

تمكن الهدهد من نقل الصورة التي رآها بكل احترافية، فقد عمد الى الابتداء بالتشويق، “لأنه يعرف أنه جاء بسبق صحفي يذاع لأول مرة خاصة لنبي الله سليمان عليه السلام، وهو واثق من نفسه ومن النبأ الذي جاء به، فيصفه بأنه نبأ يقين”[18]، وسرد الخبر بكل مكوناته الصحفية، كما اعتمد التنويع في نقل الأحداث بين الملكة والقوم واختار الألفاذ المناسبة لذلك.


المصادر والمراجع:

  1. الأصفهاني، كتاب المفردات في غريب القرآن، دار القلم دمشق، الطبعة الرابعة(2009).
  2. أبو بكر الباقلاني، إعجاز القرآن، تح: السيد أحمد الصقر، عالم الكتب، ط 1، 1988، ص 243-244.
  3. إبراهيم فتحي، معجم المصطلحات الأدبية، المؤسسة العربية للناشرين المتحدين تونس، ط 1، 1986م.
  4. تفسير مجاهد، دار الفكر الإسلامي الحديثة، مصر، ط 1، 1989.
  5. تفسير مقاتل، دار إحياء التراث، بيروت، ط 1، 1423هـ.
  6. ابن جني، الخصائص، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط 4.
  7. ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 19، ص 246.
  8. علي محمد الصلابي، الإعجاز الإعلامي العجيب في قصة هُدد سليمان عليه السلام، موقع الجزيرة، بتاريخ: 19/8/2019.
  9. الفراهيدي، العين، دار ومكتبة الهلال، ب ت.
  10. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية، ط 2، 1964.
  11. القاضي عياض، مشارق الأنوار على صحاح الآثار، (1978م)، المكتبة العتيقة (تونس)/ دار التراث، (القاهرة).
  12. السجستاني، غريب القرآن، دار قتيبة سوريا، ط 1، 1995.
  13. ابن هشام، التيجان في ملوك حمير، مركز الدراسات والأبحاث اليمنية، ط 1، 1347هـ.

[1] سورة النمل، الآيات 20-31.

[2] سورة الكهف، الآية 34.

[3] سورة الكهف، الآية 36.

[4] السجستاني، غريب القرآن، دار قتيبة سوريا، ط 1، 1995، ص 535.

[5] سورة المجادلة، الآية 1.

[6] الفرهيدي، العين، دار ومكتبة الهلال، ج 3، ص 287.

[7] الفراهيدي، العين، ج 7، ص 261.

[8] ابن منظور، لسان العرب، ج 1، ص 473.

[9] إبراهيم فتحي، معجم المصطلحات الأدبية، ص 28.

[10] أحمد معروف، ج 3، ص 200.

[11] ابن هشام، التيجان في ملوك حمير، مركز الدراسات والأبحاث اليمنية، ط 1، 1347ه، ص 429.

[12] أبو بكر الباقلاني، إعجاز القرآن، تح: السيد أحمد الصقر، عالم الكتب، ط 1، 1988، ص 243-244.

[13] الأصفهاني، كتاب المفردات في غريب القرآن، ص641.

[14] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 19، ص 246.

[15] المرجع نفسه، ج 19، ص247.

[16] ابن جني، الخصائص، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط 4، ج 2، ص444.

[17] القاضي عياض، مشارق الأنوار على صحاح الآثار، (1978م)، المكتبة العتيقة (تونس)/ دار التراث، (القاهرة)، ج،2 ص.74

[18]علي محمد الصلابي، الإعجاز الإعلامي العجيب في قصة هُدد سليمان عليه السلام، موقع الجزيرة، بتاريخ: 19/8/2019.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.