منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نظرات في مفهوم الشهيد في القرآن والحديث

د. محمد الأحمادي

0

نظرات في مفهوم الشهيد في القرآن والحديث

د. محمد الأحمادي

مــقدمــة

إن العلم ببعض المفاهيم لألفاظ من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة يشابه العلم الحاصل من الدين بالضرورة، وهو “الأمر المقطوع به الذي يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى التصديق به، لكثرة النصوص الواردة فيه وتواترها ونقل العامة والخاصة لهذه النصوص أو لنقلهم الحكم الذي دلّت عليه، ولا يجد الإنسان في قلبه أدنى شبهة.”[1] وهو ما لا يسع أحدا إنكاره ولا الجهل به، لكن مع بدء عملية طوفان الأقصى واستمرارها لحد الآن، واحتدام الصراع بين محور المقاومة ومحور الصهاينة والمتصهينين من العرب، على مستوى المفاهيم والمصطلحات ومحاولة قلب المفاهيم، كما هو الصراع محتدم بالحديد والنار، فادعى المرجفون أن اسم الشهداء ومفهومه المتعارف عليه بين العامة والخاصة من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا وجود له في القرآن، ولا ينطبق على إخواننا المجاهدين في فلسطين وغزة خاصة، ولبنان وسائر محور المقاومة، لذا وجب وضع النقاط على الحروف، وتبيان معنى الشهيد والشهداء في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وذلك عبر العناوين التالية: 1- الشهيد في اللغة 2- مفهوم الشهيد في القرآن الكريم 3- مفهوم الشهيد في الحديث النبي الشريف والذي يتفرع إلى العناصر التالية: – تعريف الشهيد – أصناف الشهداء – مراتب الشهداء. ثم خاتمة تلخص ما سبق، وتعطي عصارة المجهود البحثي.

الشهيد في اللغة:

تدور مادة (شهد) على المعاني التالية: قال ابن فارس في المقاييس: “الشين والهاء والدال أصلٌ يدلُّ على حضور وعلم وإعلام (بمعنى البيان)، لا يخرُج شيءٌ من فروعه عن الذي ذكرناه. من ذلك الشَّهادة، يجمع الأصولَ التي ذكرناها من الحضور، والعلم، والإعلام… والشَّهيد: القتيل في سبيل الله، قال قومٌ: سمِّيَ بذلك لأنّ ملائكة الرحمة تشهده، أي تحضُره. وقال آخرون: سمِّي بذلك لسقوطه بالأرض، والأرض تسمَّى الشاهدة”[2].

قال الراغب الأصفهاني في المفردات في معنى الشهيد: “هو المحتضر، فتسميته بذلك لحضور الملائكة إياه إشارة إلى ما قال تعالى: }تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُم توعَدُون{[3][4].

والشهيد اسم من أسماء الله عز وجل، جاء في اللسان لابن منظور: “قيل: الشهيدُ الَّذِي لَا يَغيب عَنْ عِلْمه شَيْءٌ. والشهيد: الْحَاضِرُ. وفَعِيلٌ مِنْ أَبنية الْمُبَالِغَةِ فِي فَاعِلٍ فإِذا اعْتُبِرَ العِلم مُطْلَقًا، فَهُوَ العليم، وإِذا أُضيف في الأُمور الْبَاطِنَةِ، فَهُوَ الْخَبِيرُ، وإِذا أُضيف إِلى الأُمور الظَّاهِرَةِ، فَهُوَ الشَّهِيدُ، وَقَدْ يُعْتَبَرُ مَعَ هَذَا أَن يَشْهَدَ عَلَى الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.”[5]

قال الراغب في قوله تعالى: }والشهداء عند ربهم لهم أجرهم{[6]؛ “لأنهم يشهدون في تلك الحالة ما أعد لهم من النعيم، أو لأنهم تشهد أرواحهم عند الله كما قال: “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله”[7]، وعلى هذا دل قوله: }والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم{[8][9]

يتبين بالنظر إلى المعاجم اللغوية أن مدار مادة “شهد” على المعاني التالية: الحضور والعلم والإعلام والتبيين. والشهيد: “القتيل في سبيل الله”، وسمي بذلك لأن الملائكة تشهده أي تحضره، ولأنه يشهد ويحضر وينظر إلى ما أعده الله له ورزقه من النعيم المقيم.

مفهوم الشهيد في القرآن الكريم:

وقد ورد مفهوم الشهيد، أي القتيل في سبيل الله، في القرآن الكريم بصيغة الجمع معرفا ومنكرا في ثلاثة مواضع، وهي:

-قوله تعالى: “وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ”[10].

قال الطبري في تفسير هذه الآية: “والذي هو أولى الأقوال عندي في ذلك بالصواب قول من قال: الكلام والخبر عن الذين آمنوا، مُتَنَاهٍ عند قوله: “أُولَئِكَ هُمُ الصّدّيقُونَ”، وإن قوله: “والشّهَدَاءُ عِنْدَ رَبّهِمْ” خبر مبتدأ عن الشهداء. وإنما قلنا: إن ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن ذلك هو الأغلب من معانيه في الظاهر، وأنّ الإيمان غير موجب في المتعارف للمؤمن اسم شهيد لا بمعنى غيره، إلا أن يُراد به شهيد على ما آمن به وصدّقه، فيكون ذلك وجها، وإن كان فيه بعض البعد، لأن ذلك ليس بالمعروف من معانيه، إذا أطلق بغير وصل، فتأويل قوله: “والشُهَدَاءُ عِنْدَ رَبّهِمْ لَهُمْ أجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ” إذن: والشهداء الذين قُتلوا في سبيل الله، أو هلكوا في سبيله عند ربهم، لهم ثواب الله إياهم في الآخرة ونورهم.”[11].

فباعتبار أن قوله تعالى: “والشهداء عند ربهم” على الابتداء مقطوعا من قوله: “أولئك هم الصديقون”، فخبره هو “لهم أجرهم ونورهم”، والأجر والنور هو ما حكاه الله تعالى في قوله: “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ”[12]

-وقوله تعالى: “إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ”[13] قال الطبري رحمه الله: “وأما قوله: “وَيَتّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ” فإنه يعني: وليعلم الله الذين آمنوا، وليتخذ منكم شهداء: أي ليكرم منكم بالشهادة من أراد أن يكرمه بها. والشهداء جمع شهيد.”[14]. وقال الماتريدي رحمه الله: “أي يستشهدون في سبيل الله بأيدي عدوهم.”[15]. وقال البقاعي رحمه الله: أي بأن يجعل قتلهم عين الحياة التي هي الشهادة، لا غيبة فيها، فهو سبحانه وتعالى يزيد في إكرامهم بما صدقوا في إيمانهم بأن لا يكونوا مشهوداً عليهم أصلاً بفتنة في قبورهم ولا غيرها ولا يغفلوا بخوف ولا صعق ولا غيره، فإن الله يحب المؤمنين.”[16] وقال الشهيد سيد قطب معبرا عن هذه المعاني بأفضل عبارة: “إن الشهداء لمختارون. يختارهم الله من بين المجاهدين، ويتخذهم لنفسه -سبحانه- فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله من يستشهد. إنما هو اختيار وانتقاء، وتكريم واختصاص.. إن هؤلاء هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة، ليستخلصهم لنفسه -سبحانه- ويخصهم بقربه. ثم هم شهداء يتخذهم الله، ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس. يستشهدهم فيؤدون الشهادة… يؤدونها بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحق.”[17]

-وقوله تعالى: “وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا”[18]. يعرف مقاتل رحمه الله الشهداء في تفسيره بأنهم: “القتلى في سبيل الله بالشهادة.”[19]. ويبين الطبري سبب تسميتهم فيقول: “الشهداء” “وهم جمع شهيد: وهو المقتول في سبيل الله، سمي بذلك لقيامه بشهادة الحقّ في جنب الله حتى قتل.”[20]. أما الطوسي فيقول: “والشهداء: جمع شهيد. وهو المقتول في سبيل الله. وفي تسميته شهيدا قولان: أحدهما -لأنه قام بشهادة الحق حتى قتل في سبيل الله. والآخر- أنه من شهداء الآخرة بما ختم له من القتل في سبيل الله. وليست الشهادة هي القتل، لأنها معصية، ولكنها حال المقتول في إخلاص القيام بالحق لله مقرا به، وداعيا إليه. وقيل: الشهادة هي الصبر على ما أمره الله به من قتال عدوه والانقياد له.”[21] وابن عطية يوسع هذا المفهوم فلا يقتصر على من قتلوا في سبيل الله بل يضم أصنافا أخرى من الشهداء، نذكرها إن شاء الله حين التعرض لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموضوع، فيقول: “والشهداء المقتولون في سبيل الله، هم المخصوصون بفضل الميتة، وهم الذي فرق الشرع حكمهم في ترك الغسل والصلاة، لأنهم أكرم من أن يشفع لهم، وسموا بذلك لأن الله شهد لهم بالجنة، وقيل لأنهم شهدوا لله بالحق في موتهم ابتغاء مرضاته، ولكن لفظ “الشهداء” في هذه الآية يعم أنواع الشهداء.”[22] أما الفخر الرازي فيوسع المفهوم ليشمل القائم بالقسط والشاهد على الناس في الدنيا والآخرة فيقول رحمه الله: “وهو الذي يشهد بصحة دين الله تعالى تارة بالحجة والبيان، وأخرى بالسيف والسنان، فالشهداء هم القائمون بالقسط، وهم الذين ذكرهم الله في قوله: “شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط”. ويقال للمقتول في سبيل الله شهيد من حيث إنه بذل نفسه في نصرة دين الله، وشهادته له بأنه هو الحق وما سواه هو الباطل، وإذا كان من شهداء الله بهذا المعنى كان من شهداء الله في الآخرة، كما قال: “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس”[23]. ويؤكد البقاعي في تفسيره على معنى الشهود والحضور مع الله، والدعوة إليه بالحجة والسيف، فيقول رحمه الله: “والشهداء” أي الذين لم يغيبوا أصلاً عن حضرات القدس ومواطن الأنس طرفة عين، بل هم مع الناس بجسومهم ومع الله سبحانه وتعالى بحلومهم وعلومهم، سواء شهدوا لدين الله بالحق، ولسواه بالبطلان بالحجة أو بالسيف، ثم قتلوا في سبيل الله.”[24]

مفهوم الشهيد في الحديث النبي الشريف:

الحديث النبوي الشريف جاء مؤكدا ومقررا لما جاء في القرآن الكريم فيما يخص مفهوم الشهيد، وفي بعض الأحيان جاء مبينا ومفصلا لبعض قضاياه. وسنبين هذا الأمر من خلال العناوين التالية:

– تعريف الشهيد:

يعرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشهيد بأنه “القتيل في سبيل الله” أصالة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ: «إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ»، قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ»، قَالَ ابْنُ مِقْسَمٍ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِيكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: «وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ»”[25]. وذكر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم تعريف الشهيد ضمنيا في قوله: “مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ”[26]. كما يمكن أن نستشف هذا التعريف من الحديث الآتي: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهِيدَ؟ قَالَ: «كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً.”[27] وهناك أحاديث كثيرة أخرى تدل على هذا المفهوم لم أذكرها مخافة الطول.

– أصناف الشهداء:

من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما ذكرت أربعة أصناف من الشهداء، ومنها ما ذكرت خمسة، ومنها ما ذكرت ثمانية. ففي الأربعة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ: «إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ»، قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ»، قَالَ ابْنُ مِقْسَمٍ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِيكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: «وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ»”[28] وفي الخمسة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.”[29] وفي الثمانية قوله صلى الله عليه وآله وسلم “…وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟، قَالُوا: الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلى الله عَلَيه وَسَلم: الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ.”[30]

وذكرت بعض الأحاديث أصنافا أخرى من مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا، وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ.”[31] وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: “مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ.”[32] وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ” منْ قُتِل دُونَ مالِهِ فهُو شَهيدٌ، ومنْ قُتلَ دُونَ دمِهِ فهُو شهيدٌ، وَمَنْ قُتِل دُونَ دِينِهِ فَهو شهيدٌ، ومنْ قُتِل دُونَ أهْلِهِ فهُو شهيدٌ.”[33] وقد بين الزرقاني في شرحه على موطأ الإمام مالك سبب اختلاف عدد الأصناف في الحديث الشريف بقوله: “وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُعْلِمَ بِالْأَقَلِّ ثُمَّ عَلِمَ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ فَذَكَرَهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَلَمْ يَقْصِدِ الْحَصْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدِ اجْتَمَعَ لَنَا مِنَ الطُّرُقِ الْجَيِّدَةِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ خَصْلَةً، وَتَبْلُغُ بِطُرُقٍ فِيهَا ضَعْفٌ أَزْيَدُ مِنْ ذَلِكَ.”[34]

– مراتب الشهداء:

ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربع مراتب للشهداء، وهي مراتب الصنف الأول من الشهداء، وهم الذين قتلوا في سبيل الله، فعن عُمَر بن الْخَطَّابِ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “الشُّهَدَاءُ أَرْبَعَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الْإِيمَانِ لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَقَ اللهَ فَقُتِلَ، فَذَلِكَ الَّذِي يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهِ هَكَذَا – وَرَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى سَقَطَتْ قَلَنْسُوَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَلَنْسُوَةُ عُمَرَ – وَالثَّانِي: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ لَقِيَ الْعَدُوَّ فَكَأَنَّمَا يُضْرَبُ ظَهْرُهُ بِشَوْكِ الطَّلْحِ، جَاءَهُ سَهْمُ غَرْبٍ فَقَتَلَهُ، فَذَلكَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، وَالثَّالِثُ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَقَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى قُتِلَ، فَذَلكَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ، وَالرَّابِعُ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ إِسْرَافًا كَثِيرًا، لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَقَ اللهَ حَتَّى قُتِلَ، فَذَلكَ فِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ.”[35]

خــــاتمـــة:

من النظر في مفهوم الشهيد في القرآن والحديث، فإن المقصود أصالة من الشهيد هو: “القتيل في سبيل الله”. و”في سبيل الله” يدخل فيها الشاهد بالقسط، والقائم بالقسط، والمنافح عن دين الله بالحجة والسيف، والجريح، والمنكوب في سبيل الله، طبعه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بطابع الشهادة، فعن مُعَاذ بْن جَبَلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَوَاقَ نَاقَةٍ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْقَتْلَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ صَادِقًا ثُمَّ مَاتَ أَوْ قُتِلَ، فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً، فَإِنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ، لَوْنُهَا كَالزَّعْفَرَانِ وَرِيحُهَا كَالْمِسْكِ، وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَعَلَيْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءِ.”[36]

وقد أورد ابن حجر سبب تسمية الشهيد شهيدا فقال: “اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَةِ الشَّهِيدِ شَهِيدًا فَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: لِأَنَّهُ حَيٌّ، فَكَأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ شَاهِدَةٌ، أَي: حَاضِرَة. وَقَالَ ابن الْأَنْبَارِيِّ: لِأَنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ مَا أُعِدَّ لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ يُشْهَدُ لَهُ بِالْأَمَانِ مِنَ النَّارِ، وَقِيلَ لِأَنَّ عَلَيْهِ شَاهدا بِكَوْنِهِ شَهِيدًا، وَقِيلَ لِأَنَّهُ لَا يَشْهَدُهُ عِنْدَ مَوْتِهِ إِلَّا مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ الَّذِي يَشْهَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِإِبْلَاغِ الرُّسُلِ، وَقِيلَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَشْهَدُ لَهُ بِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ، وَقِيلَ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ تَشْهَدُ لَهُ بِحُسْنِ الِاتِّبَاعِ، وَقِيلَ لِأَنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ لَهُ بِحُسْنِ نِيَّتِهِ وَإِخْلَاصِهِ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ يُشَاهِدُ الْمَلَائِكَةَ عِنْدَ احْتِضَارِهِ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ يُشَاهِدُ الْمَلَكُوتَ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا وَدَارِ الْآخِرَةِ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْأَمَانِ مِنَ النَّارِ، وَقِيلَ لِأَنَّ عَلَيْهِ عَلَامَةً شَاهِدَةٌ بِأَنَّهُ قَدْ نَجَا. وَبَعْضُ هَذِهِ يَخْتَصُّ بِمَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَبَعْضُهَا يَعُمُّ غَيْرَه.”[37] قلت: كل هذه الأسباب مرادة، من خلال معاني الآيات ونصوص الحديث الشريف التي ذكرناها سابقا، والله أعلم.

كتبت هذه النظرات إنصافا لمجاهدينا في فلسطين ولبنان خاصة، من المخذلة والمرجفين، الذين يقولون عن إخواننا أنه لا ينطبق عليهم مفهوم الشهيد، ولا الجهاد في سبيل الله، لأنهم ليسوا جيشا يقاتل تحت راية ولي الأمر، فمن جهة المفهوم قد بينته في هذه الورقات، أما الجهاد بأمر ولي الأمر، فمن هو ولي الأمر؟! وقد تعددت أولياء أمور الأمة في الأقطار الإسلامية، والشرع يقتضي وليا للأمر واحدا، والأدهى والأمر أن منهم من هو عون وولي لأعداء الله وإخوتنا المؤمنين في فلسطين، والله تعالى يقول: “وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ”. ففي انتظار أن تتوحد الأمة وتختار بحرية ولي أمرها الذي يقود جهادها ضد المعتدين، تنبري هذه الطائفة أو العصابة من الأمة تتصدى لدفع المعتدين من الصهاينة الغاصبين وأعوانهم، ففيهم يصدق قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”[38] وفي رواية عصابة، ولم يسمها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم جيشا. فاللهم نصرا عزيزا مؤزرا لإخواننا المجاهدين في فلسطين وفي باقي الأقطار الإسلامية، واكفهم عدوهم بما شئت وكيف شئت، وهزيمة وخذلانا لليهود الغاصبين، والصهاينة من العرب والعجم. والحمد لله رب العالمين.


لائــحـة المــصــادر

  • المفردات في غريب القرآن المؤلف: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (المتوفى: 502هـ) المحقق: صفوان عدنان الداودي الناشر: دار القلم، الدار الشامية – دمشق بيروت الطبعة: الأولى – 1412 هـ
  • تسهيل العقيدة الإسلامية المؤلف: عبد الله بن عبد العزيز بن حمادة الجبرين الناشر: دار العصيمي للنشر والتوزيع الطبعة: الثانية.
  • الموسوعة العقدية، إعداد مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ عَلوي بن عبد القادر السقاف الناشر: موقع الدرر السنية على الإنترنت net
  • معجم مقاييس اللغة المؤلف: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ) المحقق: عبد السلام محمد هارون الناشر: دار الفكر عام النشر: 1399هـ – 1979م.
  • جامع البيان في تأويل القرآن المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ) المحقق: أحمد محمد شاكر الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، 1420هـ – 2000م
  • تفسير الماتريدي (تأويلات أهل السنة) المؤلف: محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي (المتوفى: 333هـ) المحقق: د.مجدي باسلوم، دار الكتب العلمية – بيروت، لبنان الطبعة: الأولى، 1426هـ-2005م
  • نظم الدرر في تناسب الآيات والسور المؤلف: إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي (المتوفى: 885هـ) الناشر: دار الكتاب الإسلامي، القاهرة.
  • تفسير مقاتل بن سليمان المؤلف: أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي البلخى (المتوفى: 150هـ) المحقق: عبد الله محمود شحاته الناشر: دار إحياء التراث – بيروت الطبعة: الأولى 1423 هـ
  • التبيان في تفسير القرآن للطوسي ت 460 ه‍ لأبي جعفر، محمد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة الإمامية.
  • في ظلال القرآن لسيد قطب (ت 1387هـ).
  • المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز المؤلف: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي المتوفى: 542هـ المحقق: عبد السلام عبد الشافي محمد الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت الطبعة: الأولى – 1422 هـ
  • شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك المؤلف: محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المصري الأزهري تحقيق: طه عبد الرءوف سعد الناشر: مكتبة الثقافة الدينية – القاهرة الطبعة: الأولى، 1424هـ – 2003م

 

[1] – تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله الجبرين، 1/205.

[2] – مقاييس اللغة لابن فارس، كتاب الشين، بَابُ الشِّينِ وَالْهَاءِ وَمَا يَثْلُثُهُمَا، شهد، 3/221.

[3] – فصلت 30.

[4] – المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، مادة شهد 1/468.

[5] – لسان العرب لابن منظور، فصل الشين المعجمة، مادة: شهد، 3/238-239.

[6] – الحديد 19.

[7] – آل عمران 169-170.

[8] – الحديد 19.

[9] – المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، مادة شهد.

[10] – الحديد 19.

[11] – تفسير الطبري، 23/193.

[12] – آل عمران، 169-170-171.

[13] – آل عمران، 140.

[14] – تفسير الطبري، 07/242-243.

[15] – تأويلات أهل السنة، للماتريدي 02/495.

[16] – نظم الدرر للبقاعي، 5/79.

[17] – في ظلال القرآن لسيد قطب، 1/481.

[18] – النساء 69.

[19] – تفسير مقاتل، 1/388.

[20] – تفسير الطبري، 08/532.

[21] – التبيان في تفسير القرآن للطوسي، 03/250.

[22] – المحرر الوجيز لابن عطية الأندلسي، 02/76.

[23] – مفاتح الغيب للفخر الرازي، 10/135.

[24] – نظم الدرر للبقاعي، 5/320.

[25] – رواه الإمام مسلم.

[26] – رواه الإمام البخاري.

[27] – رواه النسائي.

[28] – رواه الإمام مسلم.

[29] – رواه الإمام أحمد.

[30] – رواه الإمام مالك في الموطأ.

[31] – رواه الإمام مسلم.

[32] – رواه الإمام مسلم.

[33] – رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.

[34] – شرح الزرقاني على الموطأ، 2/104.

[35] – رواه الإمام أحمد.

[36] – رواه النسائي.

[37] – فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، 6/42-43.

[38] – رواه الإمام مسلم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.