منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

محطات الفقد والوجع في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم

محطات الفقد والوجع في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم/ عطية معين

0

محطات الفقد والوجع في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم

بقلم: عطية معين

بالرغم من كونه – صلى الله عليه وسلم- خاتم الأنبياء والمرسلين، وأفضل الناس أجمعين. من اصطفاه الله تعالى من بين خلقه ليجعله حبيبه و صفيه، إلا أنه عانى و قاسى مثل بقية الناس، بل أشد منهم و أكثر.

ولعل فقدان الأب، وهو مازال جنينا في بطن أمه، كانت أولى محطات الفقد التي ستترك بصمتها على حياة المصطفى، تليها فقدان الأم في سن السادسة، وقد صورت السيرة هذا الموقف أدق تصوير و أحزنه على الإطلاق..

لقد كان مشهد الطفل عائدا من زيارة أخواله ببني النجار، و برفقتهما حاضنته ” أم أيمن “، فتسوء حالة الأم فتفقد حياتها في منطقة الأبواء..

 إنه لحَقٌُ مشهد صادم لعقل طفل في السادسة، و الأصعب من ذلك كله هو مساعدة ” أم أيمن ” في مواراة الجسد تحت التراب.

و تتوالى مشاهد الفقد و الحزن منذ الطفولة الأولى للرسول صلى الله عليه وسلم، فقد فقد جده الرؤوف به و العطوف عليه و هو في الثامنة، و لم يرتو بعد من حنانه و تعويضه عن فقدان الأب..

فقد أولاده الواحد تلو الآخر.. و بناته الواحدة تلو الأخرى..

فقد رفيقة دربه، و الركن الركين الذي يلجأ آليه و زوجه الحنون خديجة رضي الله عنها.. و في السنة نفسها توفي السند الذي يرُدُّ عنه كيد الكفار عمه ” أبو طالب “..

لقد كانت رزيته – صلى الله عليه وسلم- في الأحباب عظيمة.. خاصة رزية الموت.. لأن هذا يعني فقدان من تحبهم إلى الأبد.. إنه الغياب دون رجعة..

إنه الفراغ الأزلي الذي يكتنف الروح و المكان و الجسد..

فهل واجه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الفقد باستسلام و دعة ؟

هل كان صلبا لا تحركه المشاعر، و لا تنزل من مقلتيه الشريفتين العَبرأت

كلا.. لقد كان مثل باقي البشر، يحزن لفقدان ذويه و أحبائه، و تنزل دموعه تترى في مشاهد تخِرُّلها الجبال، و تُبكي من حوله من الأهل و الخلان و الشجر و الحجر..

لكن بصبر جميل، و أدب رفيع، يجعل كل شيء بمقدار..

فلا الحزن يدوم.. و لا الفرح يدوم أيضا..

كان ينظر إلى أحبائه كودائع آن أجل عودتها لصاحبها.. أمانات استرجعها مالكها..

عِبر تعلمه و هو معلمنا و قدوتنا.. أن الدنيا محطات عبور إلى عالم حقيقي و خالد و ليس فإن..و أن لا نتعلق بالبشر و ننسى رب البشر..

” أحبب من شئت فإنك مفارقه “، قناعة أبدية خرجت من ثغره الشريف و قد كان أكثر الناس رزية في محبيه و أهله و ذويه..

لقد بكى بناته.. و بكى عمه حمزة.. و افتقد الصغير و الكبير..

و عاش الانتصارات و الهزائم، ليعلمنا أن الحياة مد و جزر.. أخذ و عطاء.. و كذا ابتلاءات و امتحانات.

لا يمكن للحياة أن تكون على وتيرة واحدة، حتى لا يطمئن المؤمن للدنيا الفانية..

لم يمنعه الحزن البشري و لا الوجع القلبي أن يستأنف حياته، و يعود إلى أعماله و أسرته و أصحابه، بل و أمته..

لقد توارثت الأجيال المقولة الرائجة ” فاقد الشيء لا يعطيه “، لكن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم خالتها، و فنَّدها تماما..

فقد أغدق على ذويه و أبنائه و أصحابه الحنان و الرحمة، فكان عطوفا عليهم، رؤوفا بهم..و جعل شفاعته لأمته يوم القيامة رحمة بها..

 بل شملت رحمته من خالفوه العقيدة، و من آذوه و عارضوه، و تجرع على أيديهم مرارة الوجع و الإيذاء.. و من وقفوا بوجهه في المعارك و الحروب..

لقد كانت المحطات الحزينة في حياته صلى الله عليه وسلم، درسا لأمته من بعده، تحمل العديد من الإشارات، منها أن لا صفو دائم في هذه الحياة، و أن الأزمات امتحانات تُمَحص بها قلوب الرجال و النساء.، ” ليميز الخبيث من الطيب “، و يظهر من يعبد الله على حرف، فإن أصابته شراء كفر، و إن أصابته ضراء كفر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.