مصادر تمويل العمل التطوعي في الإسلام
الدكتور مصطفى بوهبوه
مصادر تمويل العمل التطوعي في الإسلام
الدكتور مصطفى بوهبوه
تنوعت مصادر تمويل العمل التطوعي في الإسلام، لتشمل الوقف والوصية والهبات والصدقات التطوعية، والأموال التي لم يُعرف أصحابها ومعونات المنظمات العالمية والدول غير الإسلامية، وهذا التنوع المرن إن دلّ عن شيء فإنما يدل على سمو هذا الدين الخالد، وقد عالج هذا المبحث هذه المصادر في المطالب الآتية:
المطلب الأول: الصدقة الجارية: الوقف أو الحبس
- معنى الوقف:
الوقف لغة: الحبس والمنع، يقال: وقفت الدابة إذا حبستها على مكانها ووقفت الدار للمساكين وقفاً، وأوقفتها بالألف لغة رديئة. وليس في كلام أوقفت إلا حرف واحد. أوقفت عن الأمر الذي كنت فيه، أي أقلعت. وعرفه الإمام ابن عرفة لأنه: إعطاء منفعة شيء مدة وجوده.
وألفاظ الوقف والحبس ضربان ضرب يتجرد وهو قوله وقفت وحبست وتصدقت وضرب يقترن به ما يقتضي التأبيد وهو أن يقول محرم مؤبد ولا يباع ولا يوهب أو أن يكون على مجهولين أو موصوفين كالعلماء والفقراء فيجري مجرى المحرم باللفظ ولفظ الوقف مفيد بمجرده التحريم.
وفي تعريف الفقهاء الوقف هو: تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة.
- مشروعية الوقف:
الوقف صدقة تطوعية ندب إليها الإسلام ولم يلزم بها؛ فحكمه الندب والاستحباب، وقد ثبتت مشروعيته في الكتاب والسنة والإجماع.
أما من الكتاب فقد حث في آيات عدة على فعل الخير والبر والإحسان إلى عموم المسلمين، وهو ما يرمي إليه الوقف، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (سورة آل عمران: الآية 92)، وقوله تعالى:﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾( سورة البقرة: الآية 272). والوقف جزء أصيل من الإنفاق، لأنه بذل في سبيل الله تعالى.
أما في السنة فقد ورد العديد من الآثار القولية والفعلية ما يدل على مشروعية الوقف في الفقه الإسلامي، ومن ذلك:
1 ـــ حديث الذي رواه مسلم في صحيحه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
والصدقة الجارية في الحديث تتمثل في الوقف الخيري، وهو ما يحبسه المسلم من ملكه الخاص لجهة خيرية على وجه التأبيد، فيحبِّس الأصل المملوك، ويسبل ثمرته لله.
قال النووي في شرح الحديث: “إن الوقف هو الصدق الجارية وفيه دليل لصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه”.
2 ــ حديث ابن عمر ــــ رضي الله عنهما ـــــ الذي أصاب أرضا من خيبر فقال: يا رسول الله، أصبت أرضاً بخيبر لم أُصب مالا قط أنفس عندي منها، فما تأمرني؟ فقال: إن شئت حبَّست أصلها، وتصدّقت بها) قال: فتصدّق بها عمر، أنه لا تباع، ولا توهب ولا يورث، وتصدّق بها في الفقراء، في القربى وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متموّل. وفي لفظ: غير متأثل. يقول الإمام النووي: في هذا الحديث دليل على صحة أصل الوقف، وأنه مخالف لشوائب الجاهلية.
3 ــ ومن الأدلة العملية: فعله عليه الصلاة والسلام في أموال مخيريق وهي سبعة حوائط بالمدينة أوصى إن هو قاتل يوم أحد فهي لمحمد: يضعها حيث أراه الله تعالى، وقد قتل يوم أحد وهو على يهوديته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مخيريق خير يهود) وقبض النبي صلى الله عليه وسلم تلك الحوائط السبعة وجعلها أوقافاً بالمدينة لله وكانت أول وقف بالمدينة”.
وبهذا وضع الرسول صلى الله عليه وسلم الأساس الشرعي للوقف الخيري، الذي كان له أثره الملموس في المجتمع الإسلامي، في كل العصور، والذي يعتبر من أبرز الأدلة على أصالة عواطف البر، وعمق معاني الخير في نفوس المسلمين، فإنهم لم يدعوا حاجة من حاجات المجتمع إلا وقف عليها الخيِّرون منهم جزءا من أموالهم، حتى وقفوا على من يزور المرضى في مستشفياتهم ويؤنسهم، ومن يكسر صحنه من الخدم ليأخذ بدله، حتى لا يؤنبه سيِّده أو سيِّدته. وفي هذا الصدد ذكر ابن بطوطة في رحلته “أوقاف الأواني” تجربة شخصية يقول فيها: “مررت يوماً ببعض أزقة دمشق فرأيت به مملوكاً صغيراً قد سقطت من يديه صحفة من الفخار الطيني، وهم يسمونها الصّحن، فتكسرت واجتمع عليه الناس فقال له بعضهم: اجمع شقفها، واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني. فجمعها، وذهب الرجل معه إليه، فأراه إياها فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصّحن، وهذا من أحسن الأعمال؛ فإن سِّيد الغلام لابدّ له أن يضربه على كسر الصحن، أو ينهره، وهو ــــ أيضا ــــ ينكسر قلبه، ويتغير لأجل ذلك فكان هذا الوقف جبراً للقلوب، جزى الله خيراً من تسامت همته في الخير إلى مثل هذا”.
- الإجماع:
يقول الترمذي معلقاً على حديث ابن عمر السابق في وقف عمر للأرض التي أصابها بخيبر…”والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، ولا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافا في إجازة وقف الأرضين وغير ذلك”.
ويقول جابر ـــــ رضي الله عنه ــــ: لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف. وهذا إجماع منهم، فإن الذي قدر منهم على الوقف وقف، واشتهر ذلك، فلم ينكره أحد، فكان أجماعاً.
وقال القرطبي: لا خلاف بين الأئمة في تحبيس القناطر والمساجد واختلفوا في غير ذلك.
إن علاقة الوقف بالعمل الاجتماعي التطوعي تظهر من خلال تجدده واستمرار منافعه ومصالحه ويؤكد هذه المزية الشيخ ولي الله الدهلوي في قوله: ومن التبرعات الوقف وكان أهل الجاهلية لا يعرفونه، فاستنبطه النبي صلى الله عليه وسلم لمصالح لا توجد في سائر الصدقات، فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل الله مالاً كثيرا، ثم يفنى، فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى، ويجيء أقوام آخرون من الفقراء محرومين، فلا أحسن ولا أنفع للعامة من أن يكون شيء حبسا للفقراء وأبناء السبيل تصرف عليهم منافعه، ويبقى أصله على ملك الواقف.
وتجدر الإشارة إلى أن ما ذكره الشيخ ولي الله الدهلوي بقوله: إن أهل الجاهلية لم يعرفوا الوقف يحتاج إلى شيء من التدقيق، ولعل ظاهر كلامه ـــ رحمه الله ــــ يوحي: بأن المعنى الإجمالي للأحباس لم يكن معروفاً في الجاهلية، إلا أن الأمر ليس كما قال فإن الأحباس كانت معروفة عند الأقدمين قبل الإسلام إلا أن الفرق الجوهري بينها وبين الحبس عند المسلمين هو: أن أحباس الجاهلية موضوعة لغرض الفخر، بخلاف أحباس المسلمين فإن الأصل فيها أن تكون قربة لله تعالى.
فالشيخ ولي الله الدهلوي ــ رحمه الله ـــ لم ينف وجود الحبس مطلقا في المجتمع الجاهلي بل نفى معرفة الجاهليين بالوقف.
المطلب الثاني: الوصية
ومن مصادر تمويل العمل التطوعي ما يوصي به المسلم من ماله قبل وفاته.
والوصية: ما أوصيتَ به. وهي أحد وجوه الإنفاق الخيري التطوعي، التي يقصد منها ابتغاء رضا الله تعالى، ونيل ثوابه في الآخرة، وقد ذكر الإمام القرافي في شأن الوصية بأنها: ما شرع معروفا عند الممات، فهي تمليك مضاف إلى ما بعد الموت.
وتعتبر الوصية مشروعة في القرآن والسنة:
ودليل مشروعيتها من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة البقرة: الآية 180)، وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ﴾ (سورة النساء: الآية 12). ومن السنة ما رواه البخاري عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها: قال: (يرحم الله ابن عفراء”، فقلت: يا رسول الله، أوصي بمالي كله؟ قال: “لا” قلت: فالشطر، قال: الثلث، قال: “الثلث، والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم، وإنك مهما أنفقت من نفقة، فإنها صدقة، حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك، وعسى الله أن يرفعك، فينتفع بك ناس ويضر بك آخرون).
ولابن بطال في فقه هذا الحديث نقول جميلة حيث قال: “أجمع العلماء على أن الوصية بالثلث جائزة، واختلف العلماء في القدر الذي تستحب الوصية به، فرُويَ عن أبي بكر أنه أوصى بالخمس، وقال: إن الله تعالى رضي من غنائم المسلمين بالخمس. وقال معمر، عن قتادة: أوصى عمر بالربع. وذكره البخاري عن ابن عباس. وَرُويَ عن علي بن أبي طالب أنه قال: لأن أوصي بالخمس أحب إلى من الربع، لأن أوصي بالربع أحب إلى من الثلث. واختار آخرون السدس قال إبراهيم: كانوا يكرهون أن يوصوا بمثل نصيب أحد الورثة حتى يكون أقل، وكان السدس أحب إليهم من الثلث…وأجمع الفقهاء أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث إلا أبا حنيفة وأصحابه فقالوا: إن لم يترك الموصي ورثة جاز له أن يوصي بماله كله، وقالوا: إن الاقتصار على الثلث في الوصية إنما كان من أجل أن يدع ورثته أغنياء، ومن لا وارث له فليس ممن عني بالحديث”.
المطلب الثالث: الهبات (الصدقات التطوعية)
ومن مصادر تمويل العمل التطوعي: الهبات أو ما يسمى بالصدقات التطوعية، التي يتطوع بها المسلم، تقربا إلى ربه، وابتغاء مرضاته، ورجاء البركة والإخلاف في الدنيا.
وقد جاءت نصوص كثيرة في القرآن الكريم والسنة النبوية، التي تحث على الإنفاق في وجوه الخير.
فمن القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المزمل: الآية 20.]. أي: ما تقدموا في الدنيا من صدقة أو نفقة في سبيل الله أو غير ذلك من فعل الخير لطلب ما عند الله تجدوه في معادكم يجازيكم به الله.
ومن السنة: ما رواه عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجلان أحدهما يشكو العيلة، والآخر يشكو قطع السبيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمَّا قطع السبيل: فإنه لا يأتي عليك إلا قليل، حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير، وأما العيلة: فإنَّ الساعة لا تقوم، حتى يطوف أحدكم بصدقته، لا يجد من يقبلها منه، ثم ليقِفَنَّ أحدكم بين يدي الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يُترجم له، ثمَّ ليقولنَّ له: ألم أوتك مالاً؟ فليقولنَّ: بلى، ثم ليقولنَّ ألم أرسل إليك رسولا؟ فليقولنَّ: بلى، فَيَنْظُرُ عن يمينه فلا يرى إلا النار، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار، فَلْيَتقِين أحدكم النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبةٍ).
ذكر ابن بطال كلاما في هذا الباب حيث يقول: الحض على الصدقة والترغيب فيها ما وُجِدَ أهلها المستحقون لها، خشية أن يأتي الزمان الذي لا يوجد فيه من يأخذ الصدقة، وهو زمان كثرة المال وفيضه، قرب الساعة. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (فليتقين أحدكم النار ولو بشق تمرة) قال ابن بطال: فيه الحض على القليل من الصدقة. وقوله صلى الله عليه وسلم: (فإن لم يجد فبكلمة طيبة). قال ابن بطال: الكلام الطيب مندوب إليه وهو من جليل أفعال البر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله كالصدقة بالمال، ووجه تشبيهه على السلام الكلمة الطيبة بالصدقة بالمال هو أن الصدقة بالمال تحيا بها نفس المتصدق عليه ويفرح بها، والكلمة الطيبة يفرح بها المؤمن ويحسن موقعها من قلبه فاشبتها من هذه الجهة، ألا ترى أنها تذهب الشحناء وتُجلي السخيمة”.
وروى عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربُّه، ليس بينه وبينه ترجمان {ولا حجاب يحجبه} فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة{ولو بكلمة طيبة}”.
ذكر الإمام النووي ـــــ رحمه الله ـــــ وجه الدلالة في الحديث حيث قال: أن شق التمرة: نصفها، وجانبها، وفيه الحث على الصدقة، وأنه لا يُمتنع منها لقلتها، وأن قليلها سبب للنجاة من النار، وأن الكلمة الطيبة سبب للنجاة من النار، وهي الكلمة التي فيها تطييب قلب الإنسان إذا كانت مباحة أو طاعة.
وقال الحافظ ابن حجر في فقه هذه الحديث: “وفيه الحث على الصدقة، وقبول الصدقة، ولو قلَّت، وقيدت في الحديث بالكسب، وفيه إشارة إلى ترك احتقار القليل من الصدقة وغيرها”.
المطلب الرابع: الصدقة عن الميت
ومن مصادر تمويل العمل التطوعي: ما يتصدق به الحي عن الميت، وهذا مورد بديع، فعن ابن عباس، أن رجلا قال: يا رسول الله، إن أمي توفيت، أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: “نعم”، قال: فإن لي مخرفا، فأشهدك أني تصدقت به عنها: “هذا حديث حسن”، وبه يقول أهل العلم، يقولون: ليس شيء يصل إلى الميت إلا الصدقة والدعاء، ومعنى قوله إن لي مخرفا يعني: بستاناً”.
وعن أنس: أن سعدا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت ولم توصِ، أفينفعها أن أتصدّق عنها؟ قال: “نعم، وعليك بالماء”.
والمراد بالماء هنا: سقيه وإيصاله للمحتاجين إليه، بحفر بئر، أو بناء سبيل، أو بالسقاية ونحوها، وبخاصة في المناطق النائية التي تعرف قلة الماء.
وهذه الصدقة عن الميت، غير الصدقة الجارية(الوقف) التي يخرجها الميت من ماله في حياته، وغير الوصية التي يوصي بها. ومجملها تشكل مصادر لتمويل العمل الخيري بالتطوعي.
المطلب الخامس: المال المكتسب من حرام إذا لم يعرف أصحابه
ومن مصادر تمويل العمل الخيري التطوعي: المال الذي اكتسبه من اكتسبه من حرام ويدخل في هذا: كل مال اكتسب من حرام، ومنه الفوائد البنكية التي تتراكم للمودعين من المسلمين في البنوك الأجنبية، فالواجب على من اكتسب هذا المال أن يتوب إلى الله تعالى، ويتطهر منه؛ فيرده إلى أربابه إذا كانوا أحياء فإن ماتوا رده إلى ورثتهم.
والأدلة على وجوب رد المال إلى أصحابه كثيرة، نذكر منها:
1ـــــ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: الآية 188).
فقد نهى الله تعالى عباده المؤمنين عن أكل مال بعضهم بعضاً، وإلزام المسلم وإجباره على دفع المال في فعل الحرام وأخذ المال منه بهذا الوجه من أكل المال بالباطل، قال ابن عباس في تفسير الآية: “هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بيّنة فيجحد المال يخاصم إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه وهو يعلم أنه آثم في أكل الحرام”.
2 ــــــ وقوله أيضاً: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (سورة النساء: الآية 29).
نهى الله تعالى في هذه الآية عباده المؤمنين عن أن يأكل بعضهم مال بعض بالباطل بأي أنواع المكاسب التي هي غير شرعية، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ هو استثناء منقطع، كأنه يقول لعباده: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال، وفي هذا دلالة على أن المال المأخوذ بغير رضى صاحبه مال غير جائز يجب أن يعاد إلى صاحبه.
3 ـــــ قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرئ أن يأخذ مال أخيه بغير حقه).
وجه الدلالة من الحديث أن نفي الحل يدل على التحريم أي يحرم على المسلم أن يأخذ مال أخيه المسلم إلا إذا طابت نفسه بذلك، والمال الحرام المأخوذ بغير رضى صاحبه لم تطب نفسه بهذا الأخذ فيبقى الأخذ محرماً حتى يعاد المال إلى صاحبه.
4 ـــــ عن أبي هريرة ــــ رضي الله عنه ــــ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثَمَّ دينار ولا درهم، من قَبْلِ أنْ يؤخذَ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أُخذ من سيِّئات أخيه فُطرحتْ عليْه).
والأمر في الحديث “فليتحلل” يدل على الوجوب، ولا يكون التحلل إلا برد الحقوق والمظالم إلى أصحابها وإلا بقيت في ذمته وأخذت منه يوم القيامة، ولو لم يكن ردها واجباً في الدنيا لما طولب بها في الدار الآخرة.
فإن كان ما اكتسبه من حرام لا يعرف أربابه فالواجب عليه: أن يخرجه من ذمته ولا ينتفع به لنفسه أو لعائلته ويصرفه في المصالح العامة للمسلمين، فيتصدق به عن أصحابه فيدفعه إلى الفقراء والمساكين وجهات الخير في المجتمع. وهو قول جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وابن حزم من الظاهرية أن المال الحرام الذي لا يُعرف مالكه يذهب إلى أولى الناس به من الفقراء والمساكين وأصحاب الحاجة أو يُجعل في مصالح المسلمين العامة.
قال صاحب الدر المختار من الحنفية: “عليه ديون ومظالم جهل أربابها وأيس من عليه ذلك من معرفتهم، فعليه التصدق بقدرها من ماله، وإن استغرقت جميع ماله، هذا مذهب أصحابنا لا نعلم بينهم خلافا كمن في يديه عروض لا يعلم مستحقيها اعتباراً للديون بالأعيان ومتى فعل ذلك سقط عنه المطالبة من أصحاب الديون في العقبى”.
وقال ابن عابدين: “وإن علم الوارث دَيْنَ مورِّثِهِ والدَّيْنُ غصْبٌ أو غيرُهُ فعليه أن يقبضه من التركة وإن لم يقض فهو به في الآخرة، وإن لم يجد المديون ولا وارثه صاحب الدين ولا وارثه فتصدق به المديون أو وارثه عن صاحب الدين برء في الآخرة”.
وجاء عند ابن رشد الجد من المالكية: أن الواجب على من كان في يديه مال حرام أن يستغفر الله في خاصة نفسه وأن يتوب إليه برد ما عليه من الحرام إلى أربابه إن عرفهم أو التصدق به عنهم إن لم يعرفهم، فما كان من مال الغصب أو السرقة أو الخيانة تصدق بوزنه إن كان عيناً وبالأكثر من قيمته أو ثمنه إن كان باعه، وإن كان من أموال الربا لزمه أن يتصدق بما أخذ زائداً على ما أعطى”.
وفي مذهب الحنابلة نقل ابن رجب في كتابه القواعد في أكثر من موضع أن المال الحرام إذا كان مالكه الذي أخذ منه مجهولاً يُردُّ على الفقراء والمساكين منها قوله: “فكذلك الصدقة بالمال المجهول مالكه ينبغي أن يختص بأهل بلده لأنه أقرب إلى وصول المال إليه” وكذلك قوله: “الغصوب التي جهل ربها فيتصدق بها أيضاً”.
وذكر ابن تيمية: أن الأموال إذا كانت قد أُخذت من أصحابها بغير حق وتعذر ردها إليهم ككثير من الأموال السلطانية، فالإعانة على صرف هذه الأموال في مصالح المسلمين كسداد الثغور ونفقة المقاتلة ونحو ذلك من الإعانة على البر والتقوى، إذ الواجب على السلطان في هذه الأموال إذا لم يمكن معرفة أصحابها وردها عليهم ولا على ورثتهم أن يصرفها مع التوبة إن كان هو الظالم إلى مصالح المسلمين، وإن كان غيره قد أخذها فعليه هو أن يفعل بها ذلك.
وهناك قول ثاني يرى أن مصير المال الحرام الذي لا يعرف صاحبه هو الإتلاف أو الإحراق أو الإلقاء في البحر أو بين الحجارة، فلا يجوز الانتفاع بمثل هذا المال أو دفعه صدقة للفقراء والمساكين وأصحاب الحاجة، وكذلك لا يجوز صرفه في المصالح العامة للمسلمين، وممن قال بهذا الرأي الفضيل بن عياض ـــ رحمه الله ـــ حيث نقل عنه الإمام الغزالي أنه وقع في يده درهمان فلما علم أنهما من غير وجههما رماهما بين الحجارة وقال: “لا أتصدق إلا بالطيب ولا أرضى لغيري مالا أرضاه لنفسي”.
ومن أدلة الجمهور التي تؤكد على وجوب صرف المال الحرام في المصالح العامة إن تعذر رده إلى أصحابه ما يلي:
1 ــ ما رواه رجل من الأنصار قال: “خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على القبر يوصي الحافر: “أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه”، فلما رجع استقبله داعي امرأةٍ، فجاء وجيءَ بالطعام، فوضع يده، ثم وضع القوم، فأكلوا، فنظر آباؤنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوك لقمة في فمه، ثم قال: (أجد لحم شاةٍ أُخذت بغير إذن أهلها”، فأرسلت المرأة قالت: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشترى لي شاةً فلم أجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاةً أن أرسل بها إلي بثمنها، فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلي بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”أطعمه الأسارى”).
ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالانتفاع بهذا اللحم المشوي الذي أُخذ بغير إذن أهله، ولو كان التصدق به محرماً أو لا يجوز لأمر عليه السلام بإتلافه ورميه وإهداره وعدم إطعامه أحداً من الخلق، لكن لما كان مصير المال الحرام غير المعروف مالكه هو التحلل منه بالصدقة أمر عليه السلام بإطعامه الأسرى، ومن ثم يحل الانتفاع بالمال المكتسب من حرام بإنفاقه في المصالح العامة أو التصدق به على الفقراء والمساكين وأصحاب الحاجة، وقد يعترض أحدهم قائلا: إن صاحب الشاة هنا في الخبر معلوم وليس مجهولاً ومع ذلك لم يرد الرسول صلى الله عليه وسلم ماله إليه وإنما رده إلى الأسرى صدقة فكيف جاز التصدق بالمال الحرام مع معرفة صاحبه وعدم جهالة أمره؟
ويمكن الإجابة عن هذا السؤال بأمرين اثنين:
- الأمر الأول:
أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالتصدق بلحم هذه الشاة لأن منفعتها فاتت على صاحبها بذبحها.
- الأمر الثاني:
أن صاحب الشاة ـــ لما أخذت بغير إذن ـــ صاحبها لم يكن موجوداً ـــ كما جاء في سياق الخبر ــ فإن انتظر عودته أدى ذلك إلى تعفن اللحم وعدم الاستفادة منه مطلقاً، فكان الأمر بإطعامه الأسرى من قبيل ارتكاب أخف الضررين، فترك اللحم إلى وقت مجيء مالكه ضرر لتعرضه للعفن، وتفويت هذا اللحم على صاحبه بإطعامه الأسرى ضرر آخر، والشريعة توازن بين الضررين فترفع الضرر الأعظم بإيقاع الضرر الأخف.
2 ـــ مراهنة أبي بكر ــــ رضي الله عنه ــــ لبعض كفار مكة وذلك عندما نزل قوله تعالى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ….﴾( سورة الروم: الآية 1 ــ 2). فقد كذب المشركون الرسول صلى الله عليه وسلم وكذبوا خبر هزيمة الروم لفارس بعد بضع سنين، كما أخبر الله تعالى في آيات سورة الروم السابقة، وقال بعض المشركين لبعض الصحابة الكرام ومنهم أبو بكر الصديق: ألا ترون ما يقول صاحبكم يزعم أن الروم ستغلب فارس؟ فخاطرهم أبو بكر على ذلك، فلما حقق الله صدقه وغلبت الروم فارس وكسب أبو بكر الرهان، وكان مائة من الإبل. قال عليه الصلاة والسلام: “هذا سحت فتصدق به”، وفرح المؤمنون بنصر الله وكان قد نزل تحريم القمار بعد إذن رسول الله لأبي بكر في المخاطرة مع الكفار.
قال الحافظ العراقي: حديث مخاطرة أبي بكر المشركين بإذنه صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ وفيه فقال صلى الله عليه وسلم: “هذا سحت فتصدق به”. أخرجه البيهقي في دلائل النبوة من حديث ابن عباس، وليس فيه أن ذلك كان بإذنه صلى الله عليه وسلم، والحديث عند الترمذي وحسّنه، والحاكم صححه دون قوله أيضاً: “هذا سحت فتصدق به”.
ووجه الدلالة من الحديث: أن قوله صلى الله عليه وسلم: “هذا سحت فتصدق به” يدل على أن المال المكتسب من حرام يُتصدق به، إذ لو كان التصدق بالمال الحرام غير جائز لما أمره صلى الله عليه وسلم بذلك.
3 ــ جاء في الأثر أن ابن مسعود ـــ رضي الله عنه ــــ اشترى جارية فلم يظفر بمالكها لينقده الثمن فطلبه كثيراً فلم يجده فتصدق بالثمن، وقال: اللهم هذا عنه، إن رضي، وإلا فالأجر لي.
ولما سُئل الحسن ــــ رضي الله عنه ـــ عن الرجل الذي يصيب الغنيمة، فيتفرقُ الجيشُ، قال: “يَتصدّق به عن ذلك الجيش”.
4 ـــ وقد استدل الغزالي على ذلك بالمعقول بقوله: “إن هذا المال مردد بين أن يضيع وبين أن يصرف إلى الخير، فإنا إذا رميناه في البحر فقد فوتناه على أنفسنا وعلى المالك ولم تحصل منه فائدة، وإذا رميناه في يد فقير يدعو لمالكه حصل للمالك بركة دعائه، وحصل للفقير سد حاجته، وحصول الأجر للمالك بغير اختياره في التصدق لا ينبغي أن ينكر، فإن في الخبر الصحيح: أن للزارع والغارس أجراً في كل ما يصيبه الناس والطيور من ثماره وزرعه، فقد روى البخاري من حديث أنس: (ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له صدقة)، وذلك بغير اختياره، وأما قول القائل: لا نتصدق إلا بالطيب، فذلك إذا طلبنا الأجر لأنفسنا، ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة لا الأجر، وترددنا بين التضييع وبين التصدق، ورجحنا جانب التصدق على جانب التضييع، قول القائل: لا نرضى لغيرنا ما لا نرضاه لأنفسنا، فهو كذلك، ولكنه علينا حرام لاستغنائنا عنه، وللفقير حلال إذا أحله دليل الشرع، وإذا اقتضت المصلحة التحليل وجب التحليل، وإذا حل فقد رضينا له الحلال، ونقول: إن له أن يتصدق على نفسه وعياله إذا كان فقيراً، أما عياله وأهله فلا يخفى، لأن الفقر لا ينتفي عنهم بكونهم من عياله وأهله، بل هم أولى من يتصدق عليهم، وأما هو فله أن يأخذ منه قدر حاجته، لأنه أيضاً فقير، لو تصدق به على فقير لجاز، وكذا إذا كان هو فقير”.
ولعل هذا هو الراجح المتعين، لأن هذه الأموال إما أن تُحبس وإما أن تُتلف، وإما أن تُنفق. فأما إتلافها فإفساد، والله لا يحب الفساد، وهو إضاعة لها، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهي عن إضاعة المال بقوله: “إن الله حرم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال) يقول ابن عابدين: “لأن المال المنتفع به في التصرف على وجه الاختيار، والقتل والإهلاك ليس بانتفاع، لأن الانتفاع بالمال يعتبر في كل شيء بما يصلح له، ولا يجوز إهلاك شيء من المال بلا انتفاع أصلاً كقتل الدابة بلا سبب موجب”.
وأما حبسها دائماً أبداً إلى غير غاية منتظرة، بل مع العلم أنه لا يرجى معرفة صاحبها ولا القدرة على إيصالها إليه، فهذا مثل إتلافها، فإن الإتلاف إنما حرم لتعطيلها عن انتفاع الآدميين بها، وهذا تعطيل أيضاً، بل هو أشد منه من وجهين:
أحدهما: أنه تعذيب للنفوس بإبقاء ما يحتاجون إليه من غير انتفاع به.
الثاني:
أن العادة جارية بأن مثل هذه الأمور لا بد أن يستولي عليها أحد من الظلمة بعد هذا إذا لم ينفقها أهل العدل والحق، فيكون حبسها إعانة للظلمة وتسليماً في الحقيقة إلى الظلمة، فيكون قد منعها أهل الحق وأعطاها أهل الباطل، ولا فرق بين القصد وعدمه في هذا، فإن من وضع إنساناً بمسبعة فقد قتله، ومن ألقى اللحم بين السباع فقد أكله، ومن حبس الأموال العظيمة لمن يستولي عليها من الظلمة فقد أعطاهم إياها. فإذا كان إتلافها حراماً، وحبسها أشد من إتلافها تعين إنفاقها، وليس لها مصرف معين، فتصرف في جميع جهات البر والقرب التي يتقرب بها إلى الله؛ لأن الله خلق الخلق لعبادته، وخلق لهم الأموال ليستعينوا بها على عبادته فتُصرف في سبيل الله. وهو ما أخذ به أكثر العلماء في زمننا هذا كالدكتور مصطفى الزرقا في كتابه الفتاوى قائلاً: “فعليه أن يأخذ تلك الفوائد التي يحتسبها له المصرف الربوي عن ودائعه ويوزعها على الفقراء حصراً وقصراً لأنها مصرفه الشرعي”.
والصحيح جواز تعميم إنفاقها في وجوه البر المختلفة وعلى رأسها سد حاجة الفقراء والمساكين، وليس هنالك أدلة شرعية ما يدل على قصرها على جهة دون غيرها كما ذهب مصطفى الزرقا، ويوسف القرضاوي في كتابه فتاوى معاصرة.
فقاعدة الشرع أن كل مال حرام كان مالكه مجهولاً لا يجوز أن يظل في حائزه وإنما يجب التحلل منه وصرفه إلى مستحقيه. ويرى يوسف القرضاوي أنه لا يحرم من الثواب إن شاء الله لحرصه على التطهر من المال الخبيث والكسب الحرام، ولكل امرئ ما نوى.
المطلب السادس: معونات المنظمات العالمية والدول غير الإسلامية
نقل ابن القطان وغيره الإجماع على قبول صدقة الذمي، والشريعة قبلت صوراً كثيرة من أموال وتبرعات غير المسلمين، فمن ذلك:
ما ورد في الصحيحين: غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك وفيه: (وأهدى ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء وكساه برداً).
وجه الدلالة من الحديث: قبول النبي صلى الله عليه وسلم الهدية من ملك أيلة ـــ وهو غير مسلم ـــ يدل على جواز قبول الهدية والهبة من غير المسلمين، وهو نص صريح صحيح في المسألة.
واعترض بالاستدلال بالحديث السابق بحديث عياض بن حمار ــ رضي الله عنه ـــ: أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم هدية له، أو ناقة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أسلمت؟ قال: لا. قال: فإني نهيت عن زبد المشركين.
وجه الدلالة من الحديث: قول النبي صلى الله عليه وسلم نهيت عن زبد المشركين، يعني هداياهم، هذا نص صريح في عدم جواز قبول هداياهم.
وأجيب عنه بأنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقبل من المشركين هداياهم، وذكر في هذا الحديث الكراهية، واحتمل أن يكون هذا بعد ما كان يقبل منهم، ثم نهي عن هداياهم.
وقال البيهقي: “يحتمل رده هديته التحريم، ويحتمل التنزيه، وقد يغيظه برد هديته، فيحمله ذلك على الإسلام، والأخبار في قبول هداياهم أصح وأكثر”.
بل قد ذهب الإمام ابن حزم الظاهري إلى أن حديث ملك أيلة ناسخ لحديث عياض بن حمار ــ رضي الله عنه ــــ إذ قال: “هذا منسوخ بخبر أبي حميد الذي ذكرنا؛ لأنه كان في تبوك، وكان إسلام عياض قبل تبوك”.
ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي يهود بني النضير ليستعين بهم في دية الكِلابِيَّيْن اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمريُّ.
وذهب عامة الفقهاء إلى صحة الهبة من غير المسلمين إذا كانت حلالا تصح هبته من قبل المسلمين لغيرهم.
قال ابن جزي: “فأما الواهب فالمالك إذا كان صحيحاً مالكاً أمر نفسه…”، وجه الدلالة أنه لا يشترط في الواهب إلا أن يكون مالكا.
ومن هذه الأدلة يتبين جواز قبول التبرع من غير المسلمين، أو المنظمات غير المسلمة مع مراعاة الشروط الآتية:
أ ــــ التنبه لمآلات هذه التبرعات، وما تسعى إليه هذه المنظمات من المرامي البعيدة.
ب ــــ أن تخلو هذه المعونات من أهداف الهيمنة على المسلمين أو استذلالهم.
ت ــــ أن يكون جانب هذه المنظمات مأموناً، ويُتأكد من خلو هذه المعونات من ضرر قد يلحق بالمسلمين.