الجلوس إلى كتاب الله
بقلم: عز الدين صمبة
ما أعظم الجلوس إلى هذا الكتاب العزيز الذي أضاء الله به غياهب الإنسان، فأخرجهم من ظلمات الجهل إلى عالم النور. إنه القرآن الكريم، كلام الله المنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، والذي جعله الله نورًا يهدي به القلوب ويفتح به العقول، فتطمئن بذكره النفوس وتستقيم بحكمه الألسن. القرآن الكريم هو الكتاب الذي اكتمل جماله بلاغةً وبيانًا ومعنىً. بذكر حرفه تطمئن القلوب، وبعلم نحوه يستقيم اللسان. هو تنزيل من حكيم حميد، جعله الله كتابًا خالدًا، ودستورًا تالدًا، حفظه من التبديل والتغيير، والزيادة والنقصان؛ ليكون مرجعًا يؤوبون إليه، ويستهدون به، ويصدرون عنه. قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9].
بابه لا يُوصَد، وطالبه لا يُرد، وكنزه لا يُعَد، متجدد لا يتبدد، لا يخلُق عن كثرة الرد، وترداده يزداد فيه تجملًا. هو حبل الله المتين والنور المبين، يقرب البعيد، ويحرر العبيد، هو الشفاء النافع، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب. قال تعالى: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 20]. بصائر يبصر به الناس الحق من الباطل، ويعرفون به سبيل الرشاد.
هو هالة من النور الوهاج، تكسوه المهابة، خيريته فاقت كل شيء، لذلك فخير الناس من تعلم القرآن وعلمه، والعلم من دونه لا شيء، فهو خير الكلام، وهو من الله برهان، لا ند له ولا نظير، يعلو ولا يُعلى عليه. قال تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} [الواقعة: 77-78].
دربه مسلك العارفين، ولزومه شأن المجتهدين، هو المعين في الشدائد، والشفيع الصدوق الشاهد. عن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه” (رواه مسلم).
أهله خصهم الله بالعناية، وجعلهم أهل الدراية والرعاية، زينهم بجميل الخصال، فاقوا أهل الجاه والمال. نزله الله متشابهًا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم. قال تعالى: {كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزمر: 23].
من جلاله ذرفت العيون، ومن وعيده قرحت المقل، حافظه بفضله يسعد، يعيش حياته مكرمًا، ويكون لغيره ملهمًا، حاز المجد من أطرافه، ويوم القيامة يكون عند الله معممًا، ألبس والديه الحلل وأسكنهم الظلل. يقول الشاعر: يا قارئ القرآن حسبك أنه شرف، به تتعاظم الحسنات ورسالة قدسية ونجابة ومهابة، تعلو بها الدرجات فانعم به عزا، وخذ بضيائه قبسًا تنير له الفلوات.
وباختصار، فإن كلام الله – تعالى – لا يُدَانِيه كلام، وحديثه لا يشابهه حديث؛ قال – تعالى -: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87]. وما أجمل قول الإمام ابن الجوزي رحمه الله: “مواعظ القرآن لأمراض القلوب شافية، وأدلة القرآن لطلب الهدى كافية، أين السالكون طريق السلامة والعافية… إن مواعظ القرآن تُذيب الحديد، إن في القرآن ما يلين الجلاميد، لو فهمه الصخر كان به يميد، إنه للقلوب النيرة كل يوم به عيد، غير أن الغافل يتلوه ولا يستفيد”.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل القرآن الكريم، الذين هم أهله وخاصته، وأن يكرمنا بتلاوته والعمل به، وأن نكون من الذين يقال لهم يوم القيامة: {اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا} [رواه أبو داود والترمذي]. اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا وأحزاننا. آمين.